ثورتنا ...زنجة زنجة "

ولدت سلمى لأب بسيط يعمل بجمع القمامة ، طيب لكنه كثير العيال و قليل ذات اليد وهذا ما يجعله يثور لأتفه الأسباب وفى بعض الأحيان يشتم أو يضرب أو ويكسر ، لم ينل حظاً من العلم ،رجعى ، يرفض تعليم الإناث . سبعة بنات وولدان صغيران توأمان -عزم أبوهما على تعليمهما حالما يكبرا - كانت سلمى هى الوسطى بين البنات ، وهى أجملهن رغم أنها ذات جمال محدود ، وكانت الكبرى -عبلة – عوراء و مدللة أفسدها التدليل ، لا يعجبها العجب ، إذ كلما تقدم لخطبتها أحد انتقدته ورفضته ، و تود لو أن طبيب القرية تقدم لخطبتها ، ساعتها فقط يمكنها أن تفكر فى الأمر بجدية ، و متفيهقة –تعلمت التفيقه من إذاعة القرآن الكريم ، فهى مصدر التعليم الوحيد المتاح للبنات عندهم - و مجادلة كعادة أرباع و أنصاف المتعلمين ، 
كبرت سلمى فى حجر ذلك الأب الحنون ، لا تعرف فى الدنيا رجلاً غيره ، أحبته كأشد ما يكون الحب ، 
حين بلغت التاسعة سمح لها أن تتعلم الحياكة والتطريز عند مدام سامية جارتهم التى يبتعد منزلها فقط عدة مترات عن منزلهم ، بعد ثلاثة أشهر فقط من دروس الحياكة والتطريز جاء ابن الحلال يركب " الدراجة المرسيدس "
زوجها أبوها من النجار ابن التاسعة والعشرين ولم تكن سلمى زوجته الأولى ، بل كانت الثانية ، نجارنا طيب لكنه عصبى ، كانت قد أجريت له عدة عمليات جراحية فى فترات مبكرة فى حياته تعاطى فيها كميات كبيرة من البنج ، قد تكون هى السبب فى توتره و ضيق صدره ونفرته و سرعة غضبه ،هذا إلى جانب لجوءه فى بعض الأحيان - و دون علم أهله – إلى تعاطى الماريجوانا مع بعض أصحاب السوء ، والذين لايعرفون قصة ذلك كانوا قد أطلقوا عليه لقب "ابن سبعة" . بعد زواجها بعام التحق أخواها بالدراسة ، لكنهما كانا شغوفين بأشياء أخرى ، أحدهما أحب الحياكة والتطريز وهو إبراهيم ، والآخر أحب النجارة وهو حسام ، لم يكذب أبوهما خبراً حيث أخرجهما من المدرسة وألحقهما بورشة زوج أختهما إذ رأى أن تعلم الحياكة مهنة لا تليق إلا بالنساء ، أبدع حسام ، وبقى إبراهيم محلك سر ،فكان يعاقب ويهرب ، فيعاقب ويهرب ، يهرب كثيراً حتى تعلم الدخان فـ"البرشام " فالحشيش ، وسائر المسكرات والمنشطات. 
لم تكن الحياة هادئة فى بيت سلمى ،فكان زوجها مع عصبيته ضراباً للنساء ، كثيراً ما بكت سلمى لكنها لم تحرك ساكناً ولم تسكن متحركاً ، ولم تفكر فى أية وسيلة تحاول بها تغيير زوجها، فقط تبكى، وأحياناً تصرخ ، هذا كل ما فى الأمر ، نعم إنها حصيلة متلازمتى الجهل و الجوع الأبدية.

أنجب النجار من سلمى محمد و محمود، و كبر الولدان، فقرر أبوهما أن يعلمهما، مرت السنون وصار محمد طبيباً وصار محمود مهندساً، قامت "ثورة يناير 2011م"، شارك محمد ومحمود وكثير من زملائهم الشباب ، لكن حسام لم يغادر ورشته ، وإبراهيم ذهب إلى كارفور ليدرك أى شيئ يبيعه ليشترى بثمنه "الكيف" ،

أما باقى الأسرة فتباينت ردور أفعالهم حيال الثورة على النحو التالى :
حيث قالت عبلة :إنها فسق وفجور وخروج على السلطان، بينما قالت سلمى : يا أولاد اعتبروه أبوكم ، دا راجل كبير حرام عليكم ، يا عينى...(مع مصمصمة من القلب والشفتان معاً).
فى حين كان القمام مطبقاً ولم يزد على قول : "يا حول الله يارب " ، إيه اللى بيحصل بس ، دا غضب من ربنا ، جيب العواقب سليمة يارب.... 
أما النجار : ديك أم اللى فى الميدان على ديك أم اللى مش فى الميدان كلهم ولاد ....بتوع مصلحتهم – ولا يعلم أن أولاده فى الميدان .
أما زوجة النجار البكرية فوقية فهى الوحيدة التى كانت تدعو لللئيم ، حيث كان ابنها يعمل سائقاً بشركة منصور العدل جروب.
هذه كانت وجهات نظرهم البسيطة بخصوص ثورة عظيمة ، وجهات نظر لا تقبل القسمة ولا الطرح ولا الضرب ولا الجمع. اللهم إلا حين قتل محمد ، إذ تغيرت بعض المشاعر ، فازداد يقين النجار بصدق مطالب الثوار ، لكنه مع ذلك رافض لفكرة بقاءهم فى الميدان ، و ازداد غضب سلمى فصبت جام غضبها ولعناتها لا على أحد سوى على من فى الميدان . 
أما فوقية ؛ فعلى إثر مشادة افتعلتها مع سلمى قالت لها :" مش دول عيالك يا حبيبتى اللى كنتى بتعايرينى بهم ، لو كان ربنا بيحبهم مكانش واحد مات والتانى بقى فى السجن" .

‫#‏أحمد_مرعى‬

mamdouhh

(مجلة عشاق الشعر)(1)(ممدوح حنفي)

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 50 مشاهدة
نشرت فى 25 يناير 2016 بواسطة mamdouhh

ساحة النقاش

(مجلة عشاق الشعر)(1)(ممدوح حنفي)

mamdouhh
مجلة ألكترونية لكل عشاق الكلمه نلتقي لـ نرتقي »

تسجيل الدخول

ابحث

عدد زيارات الموقع

391,922