نهضة مصر: بعد 25 يناير 2011 -------- أ. د/ ممدوح عبد الغفور حسن

أكثر من نصف قرن مع المواد النووية والثروة المعدنية

002 الوقود النووى ومستقبله فى مصر

(الخيار النووى السلمى لا مفر منه لمصر)

د.ممدوح عبد الغفور حسـن

هيئة المواد النووية

 

        بين مقال سابق (الأهرام 10/8/1994)  الحاجة الملحة لاستخدام الطاقة النووية فى مصر، إن لم يكن من أجل دفع عجلة التنمية فهى من أجل الأمن القومى من النواحى النووية والإشعاعية، ويعرض المقال الحالى بعض الحقائق الهامة عن الآثار البيئية لاستخدامات الوقود النووى بالمقارنة مع الوقود التقليدى فى توليد الكهرباء.

        عند النظر إلى مصادر الطاقة الأولية المختلفة التى يعتمد عليها الإنسان حاليا نجد أن الوقود الأحفورى الذى يشمل الفحم والبترول يساهم بحوالى 65% من هذه المصادر، يليه كل من الوقود النووى ومساقط المياه بحوالى 18%  و 17% على التوالى بالتقريب، أما باقى المصادر الأخرى فلا تشكل نسبا محسوسة. وبالنظر إلى محدودية مصادر الطاقة المائية فى العالم، فإن الاحتياجات المتزايدة لمصادر الطاقة فى المستقبل المنظور لا بد من توفيرها من المصدرين الأولين، وقد قدر معدل تزايد الطاقة بين عامى 1990 و2010 بحوالى 60% فى الدول المتقدمة وحوالى 150% فى الدول النامية التى تضم حوالى 75% من تعداد العالم كله. وهنا يجب المفاضلة بين الخيار الأحفورى أو الخيار النووى، مع النظر إلى أن استخدام الطاقة فى العالم قد وصل إلى مرحلة أصبح فيها تأثر البيئة من وراء استخدام مصادر الطاقة هو العامل الحاسم فى تفضيل أحد الخيارات على الآخر، وسيظل هذا الاختيار ذو أهمية قصوى حتى يصل الإنسان إلى مصدر جديد يفضلهما من ناحية التأثيرات البيئية وفى نفس الوقت يلبى الاحتياجات المتزايدة من الطاقة؛ وقد يكون ذلك المصدر هو الطاقة الاندماجية أو الطاقة الشمسية. لذلك من المفضل فى هذا المقام عقد مقارنة بين المصدرين، علما بأن كثيرا من الدول المتقدمة والنامية اتخذت القرار بالخيار النووى ومضت قدما فى تنفيذه؛ ففى عام  1993 بلغ عدد المفاعلات الجديدة التى تم توصيلها بالشبكات الكهربية  9 مفاعلات  مجموع قدراتها حوالى 9000 ميجاوات كهربى فى كندا والصين وفرنسا واليابان وروسيا وأمريكا، ومن المقرر أن يتم إنشاء 8 مفاعلات أخرى خلال عام 1994 (واحد فى كل من الصين والهند وكوريا الجنوبية والمكسيك ورومانيا والمملكة المتحدة و2 فى اليابان) كما أن هناك 55 مفاعلا تحت الإنشاء فى 18 دولة.

        فمن ناحية التلوث والأخطار الناجمة عن تشغيل المفاعلات النووية فهى تنحصر أساسا فى احتمالات التسرب الإشعاعى أو الحوادث مثل حادثة شيرنوبيل من ناحية، والنفايات المتخلفة عن الوقود النووى من ناحية أخرى. فمن ناحية التسرب الإشعاعى والحوادث النووية فإن الخبرة التشغيلية فى المفاعلات النووية السلمية وصلت فى منتصف 1994 إلى 6900 مفاعل سنة، وهى المجموع الكلى لعدد سنوات تشغيل كل مفاعل على حدة، أى أنها كما لو كانت خبرة تشغيل مفاعل واحد  6900 سنة، أو تشغيل 6900 مفاعل لمدة سنة واحدة، وأثناء ذلك حدثت كثير من الأخطاء البشرية وقصور فى أداء الأجهزة المختلفة وبعض الحوادث غير المتوقعة، وهذه كلها أفادت كثيرا  فى تطوير التصميمات ورفع معاملات  الأمان وكفاءة نظم التشغيل والتحكم، وفيما عدا حادث شيرنوبيل لم تحدث حالة وفاة واحدة نتيجة التعرض للإشعاع فى المفاعلات السلمية. وبالرغم من هذا العدد الكبير من المفاعلات التى تعمل فى مختلف دول العالم على مدى حوالى 50 سنة، لم يحدث تسرب إشعاعى خارج نطاق المحطة النووية إلا فى حادث شيرنوبيل فقط، وقد كان من المعروف مسبقا أن المفاعلات من هذا الطراز لا تأخذ فى اعتبارها بعض التصميمات الهامة فى أمان المفاعلات، فلم يكن للمفاعل الدرع الواقى اللازم، ولهذا لم يكن وقوع هذا الحادث أمرا غريبا. ومع هذا فقد بين تقرير اللجنة الدولية المشكلة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لدراسة آثار هذا الحادث أن ما قيل عنه أكثر بكثير من الواقع نتيجة الحساسية الشديدة لدى الرأى العام ووسائل الإعلام تجاه الطاقة النووية. وبالرغم من هذا أيضا، فإن آثار شيرنوبيل قد تم تطويقها تماما وحظيت باهتمام دولى مكثف وواسع وتم حصارها فى نطاق ضيق وتجرى متابعتها بصرامة شديدة. ولكن كم منا يتذكر أو حتى يعلم بحادث مدينة بهوبال الهندية التى وقعت فى 2 ديسمير 1984 والتى انفجر فيها أحد مستودعات غاز سام تابع لشركة يونيون كربيد للصناعات الكيميائية، هذا الحادث الذى يعد أسوأ حادثة صناعية فى العالم، ولا ينافسه على هذا اللقب غير حادث شيرنوبيل، ومع هذا لا تخضع الصناعات الكيميائية للصرامة فى إجراءات الأمان كما تخضع لها الصناعات النووية. ولقد تأثر فى حادث بهوبال ما يزيد عن مليون فرد،  منهم أعداد يصعب حصرها ممن فقدوا البصر تدريجيا والمصابين بأمراض الرئة والجهاز التنفسى، وزاد على ذلك ظهور العيوب الخلقية فى المواليد الجدد، وفى حين تتجه حالات معظم المصابين إلى الأسوأ فإنه لم ينج أحد من السكان من سحابة الفزع والإحباط التى لا تزال تخيم على المدينة حتى الآن.

2- أما من ناحية النفايات المشعة الناتجة عن تشغيل المفاعلات، فهذه يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع هى: المواد ذات الإشعاع المنخفض والمواد ذات الإشعاع المتوسط والمواد ذات الإشعاع العالى. فمن ناحية المواد ذات الإشعاع المنخفض والمتوسط فقد تطورت تقنيات التخلص من هذه المواد إلى الدرجة التى تسمح بالتخلص منها دون ترك أى آثار ضارة تذكر، ومن ناحية المواد ذات الإشعاع العالى فتنحصر فى نواتج الانشطار فى الوقود النووى المحترق، وهذه كمياتها ضئيلة بالمقارنة بكميات الكهرباء المولدة، وحتى الآن لم يتم إيجاد وسيلة للتخلص منها نهائيا ولذلك يتم تخزينها بوسائل آمنة فى مواقع المفاعلات نفسها لحين البت فى طريقة التخلص منها نهائيا. وهناك تفكير فى معالجة الوقود المستنفد لاستخلاص العناصر الثقيلة ذات الإشعاع العالى وإعادة تدويرها فى دورة الوقود النووى نفسه بحيث تقلل من مشكلة دفنها أو تخزينها.

3- بالمقارنة مع المحطات الحرارية، نجد أن المحطات النووية أقل بكثير فى كمية المخلفات؛ وهذا يظهر من مقارنة المخلفات فى حالة محطة قدرتها المركبة 1000 ميجاوات كهربائى بمعامل تحميل 75% وتنتج طاقة كهربية مقدارها 6.6 ألف ميجاوات.ساعة سنويا، وهى بالتقريب الاحتياج السنوى لمدينة مثل باريس:

فى حالة محطة نووية تبلغ المخلفات السنوية الآتى:

* مخلفات ذات إشعاع عالى مقدارها 27 طن وهى عبارة عن الوقود المستنفد، وإذا تمت معالجته يمكن تحويله إلى مادة زجاجية حجمها حوالى 3 متر مكعب فقط.

* مخلفات ذات إشعاع متوسط مقدارها  310 طن.

* مخلفات ذات إشعاع منخفض مقدارها 460 طن.

* بعض الغازات ذات الإشعاع المنخفض التى تهرب من المداخن وهذه ليست لها أى آثار بيئية تذكر.

* مخلفات التعدين والاستخلاص وهى أقل من مخلفات مناجم الفحم لنفس كمية الطاقة المولدة.

 

أما فى حالة محطة حرارية تحرق الفحم الحجرى فتبلغ مخلفاتها السنوية:

* 6.5 مليون طن ثانى أكسيد الكربون.

* 44000 طن ثانى أكسيد الكبريت.

* 22000 طن أكاسيد نيتروجين.

* 320000 ألف طن رماد تحتوى على 400 طن فلزات ثقيلة سامة مثل الزرنيخ     والكادميوم والزئبق والرصاص.

المصدر: مقالاتى المنشورة
  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 241 مشاهدة
نشرت فى 10 يونيو 2011 بواسطة mamdouhgeo

ساحة النقاش

ممدوح عبد الغفور حسن

mamdouhgeo
تسجيل خبرتى على 56 عام مع الجيولوجيا والرواسب المعدنية والبحوث العلمية والتطبيقية والإ شراف على رسائل الماجستير و الدكتوراه والتدريس فى الجامعات العربية. »

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

65,932