الموقع التربوي للدكتور وجيه المرسي أبولبن

فكر تربوي متجدد

تطورفكر الخوارج

إن من سمات أهل الأهواء والبدع الإحداث في الدين ما ليس منه ، وهذه البدع تزداد وتكثر وتتطور وتتوسع من وقت إلى وقت ، والمتتبع لآراء الخوارج ومقالاتهم يجد أن هذا الفكر يتطور تطورا سريعا ، فمبادئه تبدأ ضعيفة ، ثم تكثر وتزداد ، ويدل لهذا ما حدث في عهد رسول الله r ، أن رجلاً اسمه : ( عبد الله بن ذي الخويصرة ـ وفي بعض الروايات أن اسمه: ذو الخويصرة ـ ) وهو من بني تميم ، وجاء في صفته أنه ناتئ الجبين ، كث اللحية ، مشرف الوجنتين ، محلوق الرأس ـ لما رأى النبي r يقسم الغنائم على الناس وقد راعى عليه الصلاة والسلام جانب التأليف اعترض عليه ؛ وقال: {إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله} ، وقال : {اعدل يا محمد فإنك لم تعدل} ، وسيأتي ذكر شأنه . 

فهذا مبدأ أمرهم الاعتراض على السنة والجرأة على الشرع ، والإعجاب بالرأي، واتهام النيات والمقاصد ، وإساءة الظن.

وقد أخبر النبي r بما أوحى الله إليه أن من ضئضئ هذا الرجل سيخرج أقوام من شكله       وعلى صفته ، وبين النبي r صفات الخوارج وأعمالهم وتصرفاتهم وحذر منها أشد التحذير، ونهى  النبي r عن الخروج على ولاة الأمور وإن جاروا وظلموا، وأمر بالصبر عليهم ونصحهم ، وأمر بقتال الخوارج كفاً لشرهم عن المسلمين ، والأحاديث عن النبي r في شأنهم كثيرة، وذلك أنه كلما كانت الأمة إلى بيانه أحوج وردت النصوص ببيانه تفصيلا ، بل لا يعرف أن النبي r وصف فرقة من الفرق الضالة مثل ما وصف الخوارج، وذلك لشدة ضررهم وخطرهم على الناس. 

ومن أحسن من جمع هذه الأحاديث الإمام مسلم في صحيحه في آخر كتاب الزكاة حيث أوردها في سياق واحد قال ابن تيمية رحمه الله : (وقد روى مسلم أَحاديثهم في الصحيح من عشرة أَوجه وروى هذا البخاري من غير وجه، ورواه أَهل السنن والمسانيد ؛ وهي مُستفيضة عن النبي r مُتَلقّاةٌ بالقبول، أَجمَع عليها علماءُ الأمة من الصحابة ومن اتبعهم) ( 1 ) ، وقال أيضا : (وقد استفاض عن النبي r الأحاديث بقتال الخوارج، وهي متواترة عند أَهل العلم بالحديث ، قال الإمام أَحمد : صح الحديث في الخوارج من عشرة أَوجه، وقد رواها مسلم في صحيحِهِ، وروى البخاري منها ثلاثة أَوجه : حديث علي، وأبي سعيد الخدرِي، وسهل بن حُنيف، وفي السنن، والمسانِيدِ طرق أُخر متعددة) ( 2 ).

ومن الأحاديث في هذا الباب :

حديث جابر بن عبد الله t  قال: أتى رجل رسول الله r بالجعرانة، منصرفه من حنين. وفي ثوب بلال فضة ، ورسول الله r يقبض منها. يعطى الناس. فقال: يا محمد ! اعدل. قال: {ويلك ! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل } فقال عمر بن الخطاب t : دعني. يا رسول الله ! فأقتل هذا المنافق. فقال: {معاذ الله ! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن. لا يجاوز حناجرهم. يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية}( 3 ).

ومن الأحاديث ما ثبت عن أبي سعيد الخدري t ؛ قال: بعث علي t ، وهو باليمن، بذهبة في تربتها، إلى رسول الله r ، فقسمها رسول الله r بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العاشمري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان. قال: فغضبت قريش. فقالوا: أتعطي صناديد نجد وتدعنا ؟ فقال رسول الله r :{إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم} فجاء رجل كث اللحية. مشرف الوجنتين. غائر العينين. ناتئ الجبين محلوق الرأس. فقال: اتق الله. يا محمد ! قال: فقال رسول الله r : {فمن يطع الله إن عصيته ! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني ؟} قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله، (يرون أنه خالد بن الوليد) فقال رسول الله r : {إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد}.

وفي لفظ أن النبي r قال: {ألا تأمنوني ؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء} قال: فقام رجل غائر العينين. مشرف الوجنتين. ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله ! اتق الله. فقال: {ويلك ! أو لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله} قال: ثم ولي الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ! ألا أضرب عنقه ؟ فقال {لا، لعله أن يكون يصلي}، قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله r : {إني لم أوامر أن أنقب عن قلوب الناس. ولا أشق بطونهم} قال: ثم نظر إليه وهو مقف فقال: {إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله. رطبا لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية}. قال: أظنه قال: {لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود}.( 1 )

ومما يتعلق بهذا الأمر أن خروجهم على المسلمين لم ينته بعد بل هو مستمر كلما قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْن ، إلى قيام الساعة ، وقد وردت بذلك عدة أحاديث .

فمن ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما , قال : سمع رسول الله r ، يقول : يَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ... وقال رسول الله r : يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَل المشرق يقرؤُون القرْآن لا يُجَاوِز تراقِيهم ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ ، كُلَّمَا قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْنٌ ، كلما قُطِعَ قَرْنٌ نَشَأَ قَرْن ، ثم يخرج من بقيَّتهم الدجال} ( 2 ).

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: { يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يحقر أحدكم عمله مع عملهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم؛ فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، كلّما طَلَعَ منهم قَرْنٌ قَطَعَهُ الله، كلّما طَلَعَ منهم قَرْنٌ قَطَعَهُ الله ، كلّما طَلَعَ منهم قَرْنٌ قَطَعَهُ الله "فردد ذلك رسول الله r عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع "}( 1 ).

وقد رواه ابن ماجه بإسناد صحيح على شرط البخاري، ولفظه: قال: { يَنْشَأُ نَشْءٌ ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلّما خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ " قال ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت رسول الله r يقول: كلّما خرج قَرْنٌ قُطِعَ؛ أكثر من عشرين مرة" ، حتى يخرج في عِرَاضِهم الدجال }  .

وقد جاء ما يشهد لهذا الحديث مرفوعا بسند فيه ضعف عن أبي برزة t، وفيه ::{يَخْرُج في آخر الزمان قَوْمٌ ... يَقْرَءُون القرآن لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّة سيماهم التَّحليقُ لا يزالُونَ يَخْرُجُون حتى يَخْرج آخرهم مع المسيح الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة}.( 2 )

فدلت هذه الأحاديث الكريمة على عدة أمور منها :

أن ظاهر الخوارج :كثرة العبادة وتلاوة القرآن ومع ذلك لم ينفعهم ولم يصدهم عن باطلهم .

ومنها أن مبدأ أمرهم بالاعتراض على ولاة الأمور ، وإظهار الإنكار العلني على أمر ليس بمنكر .

ومنها أن نهاية أمرهم إلى الخروج من الدين والمروق منه ، ولهذا كان بعض الأئمة يقول آخر الحديث أشد عليهم من أوله يشير إلى قوله r : { يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية }( 3 )

.

ومنها بيان استمرار خروجهم حتى في هذه الأزمنة المتأخرة ، وأن آخرهم يخرج مع الدجال ، وهذا يدل على وجوب حذر المؤمن من سلوك مسلكهم والبعد عن طريقتهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وقد اتفق أهل العلم بالأحوال أن أعظم السيوف التي سلت على أهل القبلة ممن ينتسب إليها وأعظم الفساد الذي جرى على المسلمين ممن ينتسب إلى أهل القبلة ، إنما هو من الطوائف المنتسبة إليهم فهم أشد ضرراً على الدين وأهله "( 1 )

وكان أول خروج ترتب عليه القتل وسفك الدماء ما فعله (الخوارج) في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه مما تسبب في قتله على أيديهم. 

ثم خروجهم الفعلي على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب t  ، فجعلوه كافراً مشركاً واستحلوا قتاله وكذلك المسلمين الذين معه.

فتولى عليّ t قتالهم وشاركه الصحابة والمسلمون فقضوا عليهم، وفرح المسلمون بذلك وقضي على شر كبير كاد أن يفتك بأهل الإسلام ومن تحت أيديهم.

وبقيت لهم بقية ودعاة وأفراد ينتهجون عقيدة الخوارج ويتوارثون فكرهم ولكنهم يختفون ويهربون عن الناس وأحدهم هو الذي قتل علي بن أبي طالب t ، واسمه عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم المرادي الحميري ثم الكندي حليف بني حنيفة وهو رجل عربي كان يقرأ القرآن ويتعبد ولكنه وقع في داء الغلو .

وتولدت لديه قناعة بتكفير عليّ بن أبي طالب t وهذا ما يؤكد خطر التسرع في التكفير ثم قام باغتياله مما أحدث فتنة أخرى سببها هؤلاء الخوارج( 2 ).

قرأ القرآن على معاذ بن جبل وكان من العباد، أدرك الجاهلية، وهاجر في خلافة         عمر t ،ثم كان من شيعة علي بن أبي طالب بالكوفة وشهد معه صفين، ثم خرج عليه،وهو الذي قتل عليا  ، وهو عند الخوارج من أفضل الأمة ، وهو أشقى هذه الأمة بالنص الثابت عن النبي r ،ومن المعلوم أن أهل السنة والجماعة والسلف الصالح يعتقدون أن عليّ بن أبي طالب t رابع الخلفاء الراشدين وأفضل الناس بعد أبي بكر وعمر وعثمان  ، وعلمه وفضله لا يخفى t وأرضاه .

ولجهل الخوارج والهوى الذي ركبوه قلبوا الموازين فجعلوا الحق باطلا والباطل حقا ومدحوا قاتل علي t ، حتى يقول عمران بن حطان (أحد الخوارج):

يا ضربة مِن تقي ما أراد بهـا

إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً

 

إني لأذكره يوماً فأحسبــه

أوفى البرية عند الله ميزانـــاً

 

يقصد بالتقي عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي t .

وقال ابن كثير في أحداث سنة اثنتين وأربعين :

(وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين كانوا قد عفا عنهم علي يوم النهروان، وقد عوفي جرحاهم وثابت إليهم قواهم، فلما بلغهم مقتل علي ترحموا على قاتله ابن ملجم وقال قائلهم: لا يقطع الله يدا علت قُذال علي ـ أي مؤخرة رأسه ـ بالسيف، وجعلوا يحمدون الله على قتل علي، ثم عزموا على الخروج على الناس وتوافقوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يزعمون) ( 1 ) ، وبلغ من سفه الخوارج أنهم هجموا على ديار المسلمين مثل الكوفة والبصرة وغيرها من بلدان المسلمين بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة الدين ( 2 ) .

قال ابن كثير : وفي هذه السنة سنة خمس وسبعين تحرك صالح بن مسرح أحد بني امريء القيس وكان يرى رأي الصفرية فرقة من الخوارج , وقيل إنه أول من خرج من الصفرية ( 3 ) .

وذكر ابن كثير أيضا فتنة عبد الرحمن بن الأشعث وخروجه على الحجاج وعبد الملك بن مروان وما صاحبها من فتنة وبلاء.

وقال : (وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه وكان هو يفهم ذلك ويضمر له السوء وزوال الملك عنه...) ( 1 ) .

وقال ابن كثير في أحداث سنة سبع ومائة : (فيها خرج رجل يقال له عباد الرعيني فدعا إلى مذهب الخوارج , واتبعه فرقة من الناس وحملوا فقاتلهم يوسف بن عمر فقتله وقتل أصحابه وكانوا ثلاثمائة) ( 2 )  .

وقال ابن القيم: " والذي صح عن  النبي r ذمهم من طوائف أهل البدع هم الخوارج فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح لأن مقالتهم حدثت في زمن النبي r وكلمة رئيسهم ، وأما الإرجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة ...وكلما أظهر الشيطان بدعة من هذه البدع وغيرها ؛ أقام الله لها من حزبه وجنده من يردها ، ويحذر المسلمين منها نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأهل الإسلام وجعله ميراثاً يعرف به حزب رسول الله r وولي سننه من حزب البدعة وناصرها"( 3 ).

ولا يزال هذا الفكر الخارجي الضال متوارث جيلاً بعد جيل، ولكنه يكاد يتلاشى إذا كان في بلد يكثر فيه العلم الشرعي الصحيح وتنتشر فيه السنة الثابتة الصحيحة ويُعَلّم الناس الدين الصافي من البدع والغلو.

فهد بن سليمان بن إبراهيم الفهيد

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 99 مشاهدة
نشرت فى 3 مارس 2012 بواسطة maiwagieh

ساحة النقاش

الأستاذ الدكتور / وجيه المرسي أبولبن، أستاذ بجامعة الأزهر جمهورية مصر العربية. وجامعة طيبة بالمدينة المنورة

maiwagieh
الاسم: وجيه الـمـرسى إبراهيـــم أبولـبن البريد الالكتروني: [email protected] المؤهلات العلمية:  ليسانس آداب قسم اللغة العربية. كلية الآداب جامعة طنطا عام 1991م.  دبلوم خاص في التربية مناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية الإسلامية. كلية التربية جامعة طنطا عام 1993م.  ماجستير في التربية مناهج وطرق تدريس اللغة العربية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

2,812,273