أيها الأحبة : إنَّها المطلب الأساس لمن أراد أن يلامس أحلامه وأهدافه ، وهي سمة كل عظيم عرفه التأريخ البشري ، بها يُذلَّل صعب درب النجاح وتُفتَح آفاقه ، إنها الهمة ! ، وهي : الباعث على الفعل ، وتوصف بعلو أو سفول ، والهمة عمل قلبي لا سلطان عليه لغير صاحبه ، وكما أن الطائر يطير بجناحيه كذلك يطير المرء بهمته طليقًا من القيود التي تكبل جسده . قال ابن قتيبة : "ذو الهمَّة إن حُطَّ فنفسه تأبى إلا علوًّا ، كالشعلة من النار يصوِّبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعًا ! " .
[ انطلق نحو القمر ، فحتى لو أخطأته فسوف تهبط بين النجوم ]
* * *
إن عالي الهمة يجود بالنفس والنفيس ليحصل مبتغاه ، ويحقق غايته ، لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره ، وأنَّ المصالح والخيرات كلها لا تُنال إلا بحظ من المشقة ، ولا يعبر إليها إلا على جسر من تعب ، إنه يعي جيدًا أنه "بقدر الكد تكتسب المعالي" ؛ فهو ينطلق بثقة وقوة وإقدام نحو غايته التي حددها على بصيرة وعلم ، فيقتحم الأهوال ويستهين الصعاب !
[ يا عاليَ الهمَّة : بقدر ما تتعنَّى تنال ما تتمنَّى ]
* * *
إنَّ عاليَ الهمة ترقَّى في مدارج الكمال ؛ بحيث صار لا يأبه بقلة السالكين ، ووحشة الطريق ؛ لأنه يحصل مع كل مرتبة يرتقي إليها من الأنس بالله ما يزيل هذه الوحشة ، وإلا انقطع السبيل . إنه يعلم أنه إذا لم يزد شيئًا في الدنيا فسوف يكون زائدًا عليها ، ومن ثم فهو لا يرضى بأن يحتل هامش الحياة ، بل لا بد أن يكون في صلبها ومتنها عضوًا مؤثرًا ، إنه نوع من البشر تتحدى همته ما يراه مستحيلاً ، وينجز ما ينوء به العصبة أولو القوة ، يقتحم الصعاب والأهوال ، وهذا النوع من البشر قليل ، يصدق عليهم قول المصطفى ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ((تجدون الناس كإبل مئة ، لا يجد الرجل فيها راحلة)) [رواه مسلم] ، هم في الناس ثلة من الأولين ، وقليل من الآخِرين ، وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أعز من القليل !
[ عالي الهمة لا يرضى بالدون ، ولا يرضيه إلا معالي الأمور ]
* * *
إن كبير الهمة لا يعتد بما عنده ، ولا يرضى بحياة مستعارة ، ولا بقُنيةٍ مستردة ، بل همُّهُ قنية مؤبدة ، وحياة مخلَّدة ، فهو لا يزال يحلق في سماء المعالي ، ولا ينتهي تحليقه دون عليين ؛ فهي غايته العظمى ، وهمه الأسمى ، فهو بهمته لا يلتفت إلى لوم لائم ولا عذل عاذل ؛ بل يمضي قدمًا ويكدح في الوصول إليها . قال تعالى : ((ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)) [الإسراء:19] . قال النبي ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ((من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة)) [رواه الترمذي] . إن كبير الهمة لا ينقض عزمه ؛ بل يفي به حتى يصل إلى مطلوبه ، قال جعفر الخلدي البغدادي : "ما عقدت لله على نفسي عقدًا فنكثته" . إن كبير الهمة يتندم على ساعة مرت به في الدنيا لم يعمرها بذكر الله عز وجل ، قال ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ((ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها)) [رواه الطبراني والبيهقي] .
[ يا عاليَ الهمَّة : لا ترضَ بما دون الجنة ]
* * *
إن كبير الهمة يعرف قدر نفسه ، في غير كبر ، و لا عجب ، ولا غرور ، وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل ، وحفظها من أن تهان ، ونزهها عن دنايا الأمور و سفاسفها في السر والعلن ، وجنبها مواطن الذل بأن يحملها ما لا تطيق أو يضعها فيما لا يليق بقدرها ، فتبقى نفسه في حصن حصين ، وعز منيع لا تعطى الدنية ، و لا ترضى بالنقص ، ولا تقنع بالدون .
[ عالي الهمَّة شريف النفس يعرف قدر نفسه ]
* * *
كبير الهمة عصامي ، يبني مجده بشَرَف نفسه ، لا اتكالا على حَسَبِه ونسبه ، و لا يضيره ألا يكون ذا نسب ، فحَسْبُه همته شرفًا ونسبًا ، فإن ضم كبر الهمة إلى نسب كان كعقد علق على جيد حسناء !
[ عالي الهمة عصامي لا عضامي ]
* * *
أصحابَ الهمم السامية : حتى نكون أبعد عن انحطاط الهمم لا بد أن نتعرف على بعض أسباب ذلك :
- الوهن ، كما فسره الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ((حب الدنيا ، وكراهية الموت)) [أخرجه أبوداود] .
- الفتور ، قال ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ((إن لكل عمل شِرَّةً ، ولكل شِرَّة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك)) [رواه البزار ورجاله رجال الصحيح] .
- إهدار الوقت الثمين ، قال ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة ، والفراغ)) [رواه البخاري] .
- العجز والكسل ، قال تعالى : ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين)) [التوبة : 36] .
- الغفلة ، وشجرة الغفلة تُسقى بماء الجهل الذي هو عدو الفضائل كلها ، قال ابن القيم رحمه الله : "لابد من سِنة الغفلة ، ورقاد الغفلة ، ولكن كن خفيف النوم" .
- التسويف والتمني ، وهما صفة بليد الحس، عديم المبالاة ، الذي كلَّما همَّت نفسه بخير إما يعيقها بــ {سوف} حتى يفاجئه الموت ، وإما يركب بها بحر التمني ، وهو بحر لا ساحل له ، يدمن ركوبه مفاليس العالم !
- الصحبة وملاحظة سافل الهمة من طلاب الدنيا ، قال ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ : ((إنما مَثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك : إما أن يُحْذِيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير : إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة)) [رواه البخاري ومسلم] .
* * *
نشرت فى 4 يناير 2013
بواسطة ibrahimrabee


ساحة النقاش