(2) مشكلة تعريف الفساد... ومتطلبات عالمية التعريف
رأينا أن تعدد التعاريف لظاهرة واحدة ، هو تعبير عن أزمة فى تعريفها تنم عن عدم الإحاطة بجوانبها ، وبالتالى عدم السيطرة على متغيراتها ، وأن هذا الأمر وثيق الصلة بالظواهر الإجتماعية ، والفسادة ظاهرة إجتماعية بالطبع ، ورأينا أن تعريف الفساد أضحى مشكلة هى أقرب للأزمة ، وأن لهذه الأزمة أسباب ، كعدم توافر الإرادة العامة ووجود ما أسميناه بالإرادات المعطلة وكذلك عجز الإحاطة والصياغة وفساة الفطرة ، هذه اسباب تحول دون الوصول لتعريف جامع ومانع نواجه به الفساد والفاسدين ، الذين بدورهم إستغلوا هذا الأمر فى الإمعان فى الفساد وكثرة تحايلهم وإفتائتهم لكل ما هو صالح.
ولا يمكن مجابهة الفساد إذا تم صبغة التعريف للفساد بصبغة محلية ! تختلف بإختلاف المكان وكذلك تتنوع بمرور الزمان فى المكان الواحد ، حيث هذا يؤدى إلى ما أميناه سابقا التدويل الجغرافى المقنن للفساد ، وبموجبه يقوم الفاسد بتغيير حيزه المقيم به والذيى يجرم فعله لحيز أخر لا يجرم فعله هروبا من العدالة ويأمن العقاب .
إذن المطلوب تعريف جامع ومانع وله صبغة عالمية ، فلا يجوز لتعريف الفساد أن يجنس ويخضع لمنطق الجغرافيا ، أو يخضع لثقافة كل مجتمع على حده ، حيث وجدنا أن خضوع تعريف الفساد لهذا المنطق الجغرافى ولثقافة المجتمع ، يعمق الفساد ويخلق الثغرات التى ينفذ منها الفاسدون ، وخصوصا فى حالة فساد الفطرة التى فيها يصير الجمال قبحا والقبح جمالا ، والصالح فاسدا والفاسد صالحا ، والنجاسة طهرا والطهر نجاسة ، ولهذا يجب أن يكون التعريف للفساد ذو صبغة عالمية ، ودراسة ظاهرة الفساد كظاهرة أقرب للظواهر الطبيعية ( العلوم الطبيعية كالكيمياء ..) منها للظواهرالإجتماعية ، وإذا كانت إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد عام2003 قد حققت طرفا من عالمية التعريف للفساد ، ولكنها لم تحط بالفساد خبرا إلا نتفا منه ، وبعضا من مظاهره التى لا تسد جوعا لمصلح أو تروى الغليل لمن ينشدون الطهر .
فلابد إذن وأن يتوافر له بعض المتطلبات الموضوعية كى يتحقق فما هى هذه المتطلبات ؟.
هناك متطلبات أساسية لابد وأن تتوافر للوصول إلى عالمية التعريف لفساد لعل اهمها :
<!--توفير المعيارية العامة للحكم على الوقائع الحياتية ، والتى بها يتم التمييز بين الصالح والفاسد ، هذه المعيارية تكون المرجعية فى الحكم والتمييز ، فالمعيارية العامة مثلها مثل الوحدات المعيارية التى يقاس بها الأشياء وتوزن بها ، ولكن من يضع تلك المعيارية العامة ؟ إن المعيارية العامة يجب ألا يختلف عليها إثنان ! فى عموميتها وعالميتها ، ولا ينبغى للإنسان أن يقوم بوضعها وذلك لسيطرة عجز الإحاطة والصياغة وما يشوبه من فساد للفطرة، لكل هذا لا يقوم الإنسان بوضع المعيارية العامة التى يتم بها التمييز بين الصالح والفاسد .
<!--وجود المعاير ذو العلم والخبرة والإحاطة الكاملة بكل شىء ، طاهرا منزها من كل عيب أو نقص ، مجرد من الهوى وغنى عن الأخرين ، خالق الشىء بكماله وتمامه ، جاعلا له وجوه إستعماله وغايته ، يكفله بعينه وعنايته ، وواضعا له الطريق القويم للمحافظة عليه فى ذاته فردا وعلاقته بغيره فى جماعته ، وهذه صفات لا توجد فى البشر قاطبة ، ولا تتوافر فيهم مهما بلغوا أى درجة من درجات كمالهم ، فما زال النقص يعتريهم والنسيان يلفهم ، والهوى مركب فطرى فيهم ، ذالكم المعاير هو خالق الوجود كله ، هو الله سبحانه وتعالى ، الخالق البارىء المصور له كل صفات الجلال والكمال القادر وحده على ان يضع لنا المعيارية العامة للتمييز بين الحق والباضل بصورة عامة ، والفاسد والصالح بصفة خاصة، فهو وحده سبحانه لا شريك له بكل شىء عليم وعلى كل شىء قدير وله الحكم وإليه المرجع والمصير .
<!--وجود نص مكتوب بلغة يفهمها أهل الفطرة بعيدا عن التعقيدات والمصطلحات الخاصة وهذا النص يكون غير قابلا للتحريف أو التبديل أو التأويل وهذا لا يتوفر إلا فى القرآن الكريم الذى يعد المرجعية لأنه كلام الله سبحانه وتعالى والذى حوى ما جاء فى التوارة والأنجيل والزبور ، وحوى رسالة النور التى أرسل الله بها أنبايئه ورسله حتى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم .
وخلاصة القول :
أن بحث الفساد الجاد يبدأ بتعريف يتميز بعالميته بعيدا عن المنطق الجغرافى للتعريف ومحدوديته ، وأن هذا التعريف لابد وأن تتوافق عليه الدول كل الدول من خلال هيئات الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الفساد ، وذلك بصورة سهلة وبعيدا عن المصطلحات الجامدة والمطاطة فى ذات الوقت ، وذلك بعدما رأينا أن المطلوب هو وجود معيارية ثابتة غير قابلة للتغير بعوامل الجغرافيا أو بعامل الزمن ، وأن هذه المعيارية العامة لابد وأن تكون صادرة من معايرا له من الصفات التى لا تتوفر لأحد سواه وهو الله سبحانه وتعالى خالق هذا الوجود كله وسخره من أجل هذا الأنسان الذى إستخلفه فى أرضه ، فمن خلق هو وحده من يضع الكيفية التى يحافظ بها هذا الإنسان على نفسه وعلى من حوله .
ومن هنا نبدأ بمشيئة الله فى الوصول لهذا التعريف الجامع المانع ذو الصفة العالمية .


