
قبل العيد.. رحلة الأسماك الطازجة من البحر إلى مائدة المصريين و"السر في التبريد"
إعداد/ محمد شهاب
كتب حلمي سيد حسن
مع اقتراب عيد الفطر المبارك، يزداد الإقبال على شراء الأسماك والمأكولات البحرية في الأسواق المصرية، ليطرح هذا الإقبال سؤالا مهمًا -ربما- يتبادر إلى أذهان ملايين المستهلكين: «كيف تصل الأسماك إلى الأسواق طازجة وآمنة؟»؛ لتعمل «بوابة الأهرام» عبر السطور القليلة التالية الإجابة عن هذا السؤال.
خلف كل وجبة بحرية شهية على المائدة المصرية، تبدأ رحلة طويلة من عرض البحر أو داخل المزارع السمكية، تمر بعدها عبر سلسلة عمل شديدة الحساسية تتنوع بين التبريد والتداول والنقل، وهي تفاصيل التي تحسم سمكة تحتفظ بجودتها وقيمتها الغذائية، وأخرى تفقد طزاجتها سريعًا قبل أن تصل إلى يد المشتري.تشهد مواسم الأعياد عادة زيادة في معدلات شراء الأسماك، وبالتالي تصبح هذه التفاصيل أكثر أهمية، ليس فقط لضمان جودة المنتج، ولكن لحماية المستهلك كذلك، والحفاظ على قيمة الإنتاج السمكي، ودعم الصيادين والمزارع السمكية في واحدة من أكثر الفترات نشاطًا في الأسواق.
فوق سطح المركب.. الدقيقة الأولى تصنع الفارق
يؤكد المهندس مجدي عبد الواحد، أحد مسؤولي جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية لـ«بوابة الأهرام»، أن جودة الأسماك لا تبدأ في السوق، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى التي تُنتشل فيها من المياه. ويوضح عبد الواحد أن التداول الجيد للأسماك، يشمل كل ما يتعلق بكيفية التعامل معها منذ لحظة الصيد أو الإنتاج، مرورًا بالنقل والتخزين والتجهيز، وحتى وصولها إلى المستهلك، ليس للحفاظ على الشكل أو الطزاجة الظاهرة، بل لمنع التلوث بالأساس، وإطالة فترة الصلاحية، وتحقيق عائد اقتصادي أفضل للصياد.وبحسب مسئول جهاز حماية وتنمية البحيرات، فإن القاعدة الذهبية الأولى هي تبريد الأسماك فور خروجها من الماء، مع الحفاظ على درجة حرارة منخفضة باستمرار حتى تصل إلى المستهلك. ويشدد على عدم تعريضها إلى أشعة الشمس المباشرة أو للرياح الجافة، لأن ذلك يسرّع فقدان الرطوبة ويؤثر على نضارة اللحم ولمعان السطح الخارجي.
ويحذر عبد الواحد كذلك، من تكديس الأسماك في أكوام عميقة، لأن الضغط الزائد يؤدي إلى تلف الأنسجة اللحمية ويقلل من قيمتها التسويقية؛ لأنه بحسب وصفه: «السمكة، ببساطة، لا تحب الزحام» أكثر من البشر قبل العيد.
الصناديق.. تفاصيل صغيرة تحمي الجودة
ومن بين الإجراءات الأساسية للحفاظ على جودة المنتج، يشير عبد الواحد إلى أهمية استخدام صناديق بلاستيكية نظيفة بدلًا من الصناديق الخشبية؛ كونها أسهل في الغسل والتطهير، وأقل عرضة للاحتفاظ بالرطوبة أو البكتيريا. ويشدد على غسل أرضية المركب جيدًا بالماء، ثم تنظيفها بالمطهرات المسموح بها، وشطفها بعناية قبل تخزين الأسماك أو تداولها.ويحذر أيضًا، من إعادة استخدام الثلج المتبقي بعد التبريد، لأن هذا الثلج قد يكون تعرض للتلوث نتيجة ملامسته للأسماك والمياه، وبالتالي قد يتحول من وسيلة للحفظ إلى مصدر محتمل لنقل البكتيريا.
التبريد.. البطل الحقيقي في رحلة السمكة الطازجة
إذا كان الصيد هو بداية الرحلة، فإن التبريد هو العامل الحاسم في الحفاظ على جودة الأسماك؛ فيؤكد عبد الواحد أن الثلج المجروش هو الوسيلة الأكثر شيوعًا في التبريد، مع ترتيب الأسماك في طبقات قليلة العمق لضمان ملامسة الثلج لأكبر مساحة ممكنة من سطح السمكة.
ويتميز الثلج المجروش، وفقًا لمسئول مسئول جهاز حماية وتنمية البحيرات، بقدرته على الحفاظ على لمعان الأسماك، ومنع الجفاف السطحي، والوصول بدرجة الحرارة إلى الصفر تقريبًا دون حدوث تجمد جزئي قد يؤثر على القوام أو الجودة.
ويشير إلى استخدام خليط من ماء البحر والثلج بنسبة 1:1 في بعض حالات التبريد السريع، وهي طريقة فعالة لأن الماء المبرد يلامس كامل سطح السمكة، مما يسرّع خفض درجة الحرارة، لكن نجاحها يتطلب التقليب المستمر للأسماك لضمان توزيع البرودة بشكل متساو.
في الرحلات الطويلة، التي تمتد لأسابيع، يوضح الدكتور مجدي عبد الواحد، اعتماد بعض المراكب الحديثة على أنظمة تبريد تعمل بالفريون، بما يسمح بالحفاظ على كميات كبيرة من الأسماك لفترات أطول دون فقدان ملحوظ في الجودة.
قبل العيد.. استمرار التبريد تحدٍ كبير
مع زيادة الطلب على الأسماك خلال موسم ما قبل العيد، يلفت عبد الواحد إلى أن التحدي لا يتوقف عند الصيد أو التبريد داخل المركب فقط، بل يمتد حتى لحظة عرض المنتج في الأسواق.
ويشدد على أن استمرار سلسلة التبريد من البحر وحتى البيع هو الضمان الحقيقي لوصول منتج آمن وطازج إلى المستهلك، موضحًا أن أي انقطاع في هذه السلسلة، حتى لو كان لفترة قصيرة، قد ينعكس سريعًا على جودة المنتج، ومدة صلاحيته، وقيمته التسويقية.
نقيب صيادي عزبة البرج: المراكب الصغيرة تستعمل الثلج.. والكبيرة الفريون
في السياق نفسه، يوضح حمدي الغرباوي، نقيب الصيادين بعزبة البرج، أن طرق تبريد الأسماك تختلف بحسب حجم المركب ومدة الرحلة، وهو ما يفرض أساليب متنوعة للحفاظ على جودة المنتج.ويقول الغرباوي لـ«بوابة الأهرام»: إن المراكب الصغيرة، التي لا تتجاوز مدة خروجها للصيد سبعة أيام كحد أقصى، ما زالت تعتمد بشكل أساسي على ألواح الثلج، حيث تُرص بكميات كبيرة داخل ثلاجة محكمة الغلق، غالبًا في مقدمة مركب الصيد، مع ترتيب الأسماك في طبقات متبادلة مع الثلج للحفاظ على درجة حرارة منخفضة طوال فترة الرحلة. ويضيف أن الأسماك في هذه المراكب غالبًا ما توضع على طاولات خشبية، وهي الطريقة التقليدية السائدة في عدد من المراكب، رغم أن التوسع في استخدام البدائل البلاستيكية يظل أكثر ملاءمة من الناحية الصحية وسهولة التنظيف.
أما المراكب الكبيرة، التي قد تمتد رحلاتها من شهر إلى شهرين، وتعمل في مناطق بعيدة مثل البحر الأحمر، فتعتمد على أنظمة تبريد بالفريون، وتحتوي على ثلاجات كبيرة مخصصة لحفظ كميات ضخمة من الأسماك طوال فترة الصيد.
ويشير الغرباوي إلى أن هذه المراكب تستخدم أيضًا الطاولات الخشبية في تخزين بعض الأنواع، باستثناء جمبري «الفراولة»، الذي يتم حفظه داخل أوعية بلاستيكية مخصصة للتصدير، مع تبريده باستخدام مواد معينة وفقًا لما يعرف بـ«ـالكود الأوروبي»، لضمان الحفاظ على الجودة واستمرار سلسلة التبريد حتى العودة إلى الميناء.
في المزارع السمكية.. الحصاد لا يقل حساسية عن الصيد
لا تتوقف رحلة الحفاظ على الجودة عند البحر فقط، بل تمتد أيضًا إلى المزارع السمكية، التي تمثل ركيزة مهمة في دعم المعروض المحلي، خاصة مع ارتفاع الطلب خلال المواسم والأعياد.ويؤكد محمود لوتة، صاحب مزرعة أسماك في دمياط، أن الحفاظ على جودة الأسماك يبدأ فور لحظة الحصاد. ويوضح لوتة لـ«بوابة الأهرام» أن الأسماك تُنقل مباشرة من الأحواض إلى صناديق مخصصة للتبريد، ثم تُغطى بالثلج المجروش أو بخليط من الماء البارد والثلج، من أجل خفض درجة الحرارة بسرعة والحفاظ عليها طازجة. ويضيف أن التقليب المستمر للأسماك خلال هذه المرحلة مهم للغاية، لأنه يمنع تراكم الحرارة في أي جزء من الكمية المنقولة، كما أن ترتيبها في طبقات رقيقة داخل الصناديق يسمح بوصول البرودة إلى جميع الأسماك دون ضغط أو تكديس، قد يؤثر على اللحم أو الشكل الخارجي.
ويشير إلى أن بعض المزارع الكبيرة تستخدم أيضًا ثلاجات تعمل بالفريون، بما يتيح تخزين كميات أكبر لفترات أطول قبل نقلها إلى الأسواق، وهو ما يساعد على الحفاظ على المنتج في أفضل حالة ممكنة.
النقل المبرد.. الحلقة الأخيرة في سلسلة الوصول للمستهلك
ويشدد لوتة على أن سلسلة التبريد لا تنتهي داخل المزرعة، بل تستمر خلال مرحلة النقل أيضًا؛ حيث تستخدم سيارات مجهزة بأنظمة تبريد دقيقة؛ لضمان وصول الأسماك إلى الأسواق والمستهلكين وهي تحتفظ بملمسها، ولمعانها، وقيمتها الغذائية.
ويؤكد أن هذه التفاصيل، التي قد تبدو للبعض مجرد إجراءات فنية، هي في الحقيقة ما يميز الأسماك عالية الجودة عن غيرها، خصوصًا في فترات الذروة التي تسبق العيد؛ حين يرتفع الطلب وتزداد الحاجة إلى الحفاظ على المنتج في أفضل صورة ممكنة.
السمكة الجيدة لا تصاد فقط.. بل تحفظ بعناية
من المؤكد أن الثروة السمكية في مصر تمثل قطاعًا مهمًا على المستويين الغذائي والاقتصادي، ولذا فإن الالتزام بهذه الإجراءات لا يحافظ فقط على صحة المستهلك، بل يدعم أيضًا الصيادين والمزارع السمكية، ويرفع من قيمة المنتج المحلي في الأسواق. وقبل ارتفاع معدلات الإقبال على شراء الأسماك قبل العيد، تبقى الحقيقة الأهم، أن السمكة الجيدة يكفي اصطيادها فقط.. بل يجب أن تُحفظ بعناية.


ساحة النقاش