؟

كثيرًا ما كان الدكتور مصطفى محمود يطرح أسئلة تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في المسلمات، ومن أكثر هذه الأسئلة إثارة: هل نعيش حقًا في الحاضر، أم أننا نعيش في الماضي؟

ولفهم هذه الفكرة، ينبغي أولًا أن نتعرف إلى ما جاءت به نظرية النسبية لألبرت أينشتاين.

أثبت أينشتاين أن سرعة الضوء ليست لا نهائية، بل هي سرعة محددة تبلغ نحو 300 ألف كيلومتر في الثانية. وهذا يعني أن الضوء يحتاج إلى وقت حتى ينتقل من مكان إلى آخر.

فإذا كان نجم يبعد عنا ألف سنة ضوئية، فإن الضوء الذي نراه اليوم قد انطلق منه قبل ألف عام. وإذا كان هذا النجم قد انفجر أو اختفى قبل مائة سنة، فإننا لن نعرف ذلك إلا بعد تسعمائة سنة أخرى، عندما يصل إلينا خبر هذا الانفجار على هيئة ضوء.

إذن، عندما ننظر إلى السماء، فإننا لا نرى الكون كما هو الآن، بل كما كان في الماضي. وهذه ليست فكرة فلسفية، بل حقيقة علمية تؤكدها الفيزياء الحديثة.

ومن هنا بدأ مصطفى محمود رحلته الفلسفية.

فقد تساءل: إذا كنا نرى الكون دائمًا كما كان، وليس كما هو، فمن يضمن أن ما نراه موجود بالفعل في هذه اللحظة؟ ربما تكون نجوم كثيرة قد انتهى وجودها منذ ملايين السنين، بينما ما زلنا نرى صورتها لأنها لم تصلنا إلا الآن.

ثم انتقل إلى الحديث عن نوعين من الزمن:

  • الزمن الخارجي، وهو الزمن الذي تقيسه الساعات والتقاويم، وهو الزمن الذي تدرسه الفيزياء.
  • الزمن الداخلي، وهو الزمن الذي يشعر به الإنسان. فدقيقة انتظار خبر مهم قد تبدو ساعة، بينما تمر ساعات الفرح وكأنها دقائق.

وهذا يوضح أن الزمن ليس مجرد أرقام على ساعة، بل له أيضًا جانب نفسي يختلف من شخص إلى آخر.

كما أن نظرية النسبية أضافت فكرة أخرى مهمة، وهي أن الزمن ليس مطلقًا كما كان يعتقد نيوتن. فلا يوجد “حاضر” واحد يشترك فيه جميع الناس، لأن قياس الزمن يتأثر بالحركة والجاذبية. ولذلك فإن مفهوم “الآن” ليس واحدًا في جميع أنحاء الكون.

وهنا وجد مصطفى محمود مساحة للتأمل الفلسفي، فطرح سؤالًا جريئًا:

إذا كان كل ما نراه هو ضوء استغرق وقتًا حتى يصل إلينا، فهل ندرك الواقع كما هو، أم ندرك صورة متأخرة عنه؟

ومن هذا السؤال ظهرت عباراته التي توحي بأننا قد نعيش في عالم انتهى بالفعل، ولكننا لا نزال نرى صورته.

لكن من المهم التمييز بين الفلسفة والعلم.

فالعلم لا يقول إن الأرض ربما انتهت ونحن لا نزال نعيش فيها، ولا تستنتج نظرية النسبية مثل هذا الأمر. فالضوء القادم من الأشياء القريبة جدًا، مثل الأرض أو الأشخاص من حولنا، يصل في أجزاء ضئيلة للغاية من الثانية، ولذلك فإن ما ندركه يكاد يطابق الواقع الحالي.

أما بالنسبة للأجرام البعيدة، فنحن بالفعل نراها في الماضي، لأن الضوء احتاج سنوات أو ملايين السنين حتى يصل إلينا.

إذن يمكن تلخيص العلاقة بين مصطفى محمود وأينشتاين على النحو الآتي:

  • أينشتاين قدم الحقيقة العلمية: المعلومات والضوء يحتاجان إلى زمن حتى يصلا إلينا، ولذلك فإن رؤيتنا للكون هي رؤية للماضي.
  • ومصطفى محمود انطلق من هذه الحقيقة ليطرح سؤالًا فلسفيًا: إذا كان إدراكنا يعتمد دائمًا على معلومات متأخرة، فهل نستطيع أن نقول إننا نعيش الحاضر فعلًا؟

وهكذا، فإن مصطفى محمود لم يكن يشرح نظرية النسبية بقدر ما كان يستخدمها بوصفها نقطة انطلاق للتأمل في طبيعة الزمن والوجود والإدراك الإنساني.

وفي النهاية، نستطيع أن نقول إن الإنسان يعيش عمليًا في الحاضر، لكنه لا يرى الكون إلا من خلال رسائل قادمة من الماضي. وكلما ابتعد الجسم عنا، ازداد مقدار هذا الماضي. لذلك فإن السماء التي ننظر إليها كل ليلة ليست صورة للحاضر، بل هي أرشيف هائل لتاريخ الكون، نقرأ صفحاته تباعًا مع وصول الضوء إلينا

الدكتور حسن عثمان دهب 

جامعة كوبنهاجن،


المصدر: مفهوم الزمان لدي الدكتور مصطفي محمود
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 36 مشاهدة
نشرت فى 15 يوليو 2026 بواسطة hassan200

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

52,116