كيركغارد إلى سارتر: الحرية والاختيار ومسؤولية الإنسان في عصر ما بعد التنوير

 

كلما تطرح مشكلة الحرية اتذكر سارتر  المشكلة الوجودية خاصة ان هذة المشكلة محوريه في عالمنا العربي حيث تعتبر من ام المشاكل والبحث عنها في تاريخ هذة الامة من المحرمات  

 

.لعل اهم اكتب التي اثرت في حياتي كتاب نقد العقل الخالص للمفكر الاماني  كانط والوجود. العدم جرن بول سارتر لهذا تجدني اليوم ابحث في اعماق  هولاء لعل  اجد مفتاح لازمة حرية الانسان في عالمنا المعاصر غياب الفكر النقدي. سيطره اللامعقول في افعل الانسان في الدمار للطبيعه والقتل المتعمد من خلال الحروب العبثية. هل هذا مصير ولا اختيار لنا ام اننا مسؤولون من خلال حريه الاختيار او الوجود يسبق الماهيه

 

يُعدّ الفيلسوف الدنماركي Søren Kierkegaard والفيلسوف الفرنسي Jean-Paul Sartre من أهم المفكرين الذين ساهموا في تشكيل الفكر الوجودي الحديث. ورغم الاختلاف الجذري بينهما في الموقف الديني، فإن كليهما انطلق من سؤال واحد: كيف يعيش الإنسان حياة أصيلة في عالم مليء بالشكوك والاختيارات؟

 

لقد جاءت أفكارهما في مرحلة تاريخية تجاوزت عصر التنوير الأوروبي، ذلك العصر الذي منح العقل والثقة بالتقدم مكانة مركزية. غير أن الحروب والأزمات السياسية والاجتماعية التي عصفت بأوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين أدت إلى اهتزاز الإيمان بقدرة العقل وحده على حل مشكلات الإنسان. ومن هنا ظهر الاهتمام بالفرد وتجربته الذاتية وقلقه وحريته ومسؤوليته.

 

كيركغارد: الفرد في مواجهة الاختيار

 

يُنظر إلى كيركغارد بوصفه الأب الروحي للفلسفة الوجودية. فقد رفض أن يُختزل الإنسان في مفاهيم فلسفية عامة، وأكد أن الحقيقة الأهم هي الحقيقة التي يعيشها الفرد بنفسه.

 

ركز كيركغارد على فكرة الاختيار، ورأى أن الإنسان لا يصبح ذاته الحقيقية إلا عندما يختار بحرية ويتحمل نتائج اختياراته. فالإنسان يقف دائماً أمام بدائل متعددة، وهذا ما يولّد حالة من القلق.

 

لكن القلق عند كيركغارد ليس مرضاً نفسياً، بل هو شعور ينشأ من إدراك الإنسان لحريته. فكلما ازدادت الخيارات أمامه، ازداد شعوره بالمسؤولية تجاه ما سيختاره.

 

وكان الحل عنده يتمثل في الإيمان، إذ رأى أن العلاقة مع الله تمنح الإنسان معنى وتوجهاً وسط حالة القلق والشك.

 

هيدغر والقلق الوجودي

 

جاء الفيلسوف الألماني Martin Heidegger ليمنح مفهوم القلق بعداً فلسفياً جديداً.

 

لم يكن القلق عند هيدغر خوفاً من شيء محدد، فالخوف يتعلق بخطر معين يمكن تحديده، أما القلق الوجودي فهو شعور عميق ينتاب الإنسان عندما يواجه حقيقة وجوده ذاته.

 

قد يشعر الإنسان أثناء انشغاله اليومي بأنه مندمج في العالم من حوله، لكنه في لحظات التأمل العميق يدرك أنه كائن فانٍ وأن الموت حقيقة لا يمكن تجنبها. عندئذ يظهر القلق الوجودي.

 

ورأى هيدغر أن هذا القلق ليس أمراً سلبياً، بل إنه يكشف للإنسان حقيقته ويحرره من العيش وفق ما يفرضه الآخرون عليه. فمن خلال مواجهة الموت يدرك الإنسان أن حياته محدودة، وأن عليه أن يختار بنفسه كيف يعيشها.

 

غير أن اهتمام هيدغر كان موجهاً أساساً إلى سؤال: ما معنى الوجود؟ بينما كان اهتمام سارتر موجهاً إلى سؤال آخر: كيف يمارس الإنسان حريته؟

 

سارتر والوجود يسبق الماهية

 

تُعد عبارة سارتر الشهيرة “الوجود يسبق الماهية” حجر الأساس في فلسفته.

 

في الفلسفات التقليدية كان يُعتقد أن لكل شيء ماهية أو طبيعة محددة تسبق وجوده. فمثلاً صانع السكين يعرف مسبقاً وظيفة السكين قبل صنعها.

 

أما الإنسان عند سارتر فمختلف تماماً. فلا توجد طبيعة إنسانية جاهزة تحدد مسبقاً ما يجب أن يكون عليه الإنسان. فالإنسان يوجد أولاً، ثم يصنع نفسه من خلال أفعاله واختياراته.

 

أمثلة توضيحية

 

الطبيب لا يولد طبيباً، بل يصبح كذلك بعد سنوات من الدراسة والاختيار والعمل.

 

والكاتب لا يولد كاتباً، بل يصنع هويته من خلال الكتابة المستمرة.

 

وكذلك الإنسان الشجاع لا يولد شجاعاً، وإنما يصبح شجاعاً عندما يختار الشجاعة في المواقف الصعبة.

 

ومن هنا فإن الإنسان، وفقاً لسارتر، ليس ما وُلد عليه، بل ما يصنعه بنفسه.

 

الحرية والمسؤولية

 

إذا كان الإنسان هو الذي يصنع ذاته، فإن ذلك يعني أنه مسؤول عن نفسه بالكامل.

 

لهذا قال سارتر عبارته الشهيرة:

 

“الإنسان محكوم عليه بالحرية.”

 

والمقصود أنه لم يختر أن يولد، لكنه بمجرد أن وُجد أصبح مسؤولاً عن كل ما يفعله.

 

فالشخص الذي يلتزم الصمت أمام الظلم قد يظن أنه لم يتخذ موقفاً، لكن سارتر يرى أن الصمت نفسه اختيار، وبالتالي فهو مسؤول عنه.

 

ومن هنا ترتبط الحرية عند سارتر بالمسؤولية ارتباطاً لا يمكن فصله. فالحرية ليست امتيازاً مريحاً، بل عبء ثقيل يفرض على الإنسان أن يتحمل نتائج قراراته.

 

سارتر وفرنسا في القرن العشرين

 

تشكلت فلسفة سارتر في ظل أحداث كبرى عاشتها فرنسا وأوروبا:

 

* آثار الحرب العالمية الأولى.

* صعود الفاشية والنازية.

* الاحتلال الألماني لفرنسا بين عامي 1940 و1944.

* انهيار كثير من القيم التقليدية.

 

ماذا كان موقفه أثناء الاحتلال الألماني؟

 

عندما احتلت ألمانيا فرنسا أُسر سارتر لفترة قصيرة ثم عاد إلى باريس.

 

لم يكن من أبرز قادة المقاومة المسلحة في السنوات الأولى للاحتلال، ولذلك تعرض لاحقاً لانتقادات من بعض المثقفين الفرنسيين الذين رأوا أن دوره المقاوم كان محدوداً.

 

إلا أنه شارك في أنشطة ثقافية وفكرية مناهضة للاحتلال، واستخدم المسرح والأدب وسيلة لانتقاد الاستبداد بصورة غير مباشرة. وبعد تحرير فرنسا أصبح من أشهر الأصوات المدافعة عن الحرية والالتزام السياسي.

 

سارتر ونيتشه

 

تأثر سارتر بأفكار Friedrich Nietzsche في نقد القيم التقليدية ورفض المعاني الجاهزة للحياة.

 

لكن نيتشه ركز على إرادة القوة والإنسان المتفوق، بينما ركز سارتر على المسؤولية الأخلاقية والحرية الفردية.

 

فإذا كان نيتشه قد أعلن موت الإله وفتح الباب أمام إعادة بناء القيم، فإن سارتر حاول أن يوضح كيف يستطيع الإنسان أن يتحمل نتائج هذه الحرية الجديدة.

 

المرأة وسيمون دو بوفوار

 

ارتبط سارتر بعلاقة فكرية وعاطفية طويلة مع الفيلسوفة والكاتبة الفرنسية Simone de Beauvoir.

 

وقد استفادت دو بوفوار من الوجودية السارترية في تطوير الفكر النسوي الحديث، خصوصاً في كتابها الشهير The Second Sex.

 

وعندما قالت: “لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك”، كانت تطبق فكرة سارتر الأساسية القائلة إن الإنسان لا تحدده ماهية ثابتة، بل تتشكل هويته من خلال التجربة والاختيار.

 

خاتمة

 

الدكتور حسن عثمان دهب 

جامعة كوبنهاجن الدنمارك

[email protected]

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

51,658