أ.د/ هاني جرجس عياد

اْستاذ جامعي وكاتب صحفي

ما أسهل أن تتفلسف ، أو أن تسهب وتطنب في الكلام الكبير، فالكلام أسهل مهمة في الدنيا ، وكلما كثر كلامك قل عملك ، فإياك إياك أن تثق كثيرا فيمن يتكلم كثيرا ، إن المهم هو العمل                              !  

وبمناسبة الكلام الكبير بينما العمل قليل ، قد يكون مسموحا بطرح سؤال هنا:  هل نحن في مصر قادرون على إيقاف ظاهرة انتشار "التوك توك" في شوارعنا ؟ لو أننا استطعنا لكان ذلك بداية لإنجازات مهمة ومعتبرة ، تتلوها إنجازات أهم وأكبر.

إنك تسمع القوم يتحدثون بكلام فخيم عن مشروعات فخيمة ، في إقليم القناة ، وبورسعيد ، وتوشكي ، والضبعة ، وفى شرق التفريعة ، فتهز رأسك منتشيا ، وتتمنى لهم النجاح ، وتدعو لهم في سرك: "وفككم الله" ، لكن ما إن تكاد تتم دعاءك حتى يفاجئك "توك توك" بإغراق وجهك بغباره ، وبثقب أذنيك بضجيجه غير المحتمل ، فستستغفر الله - في سرك أيضا - ثم تتمتم: شرق تفريعة إيه وضبعة إيه ، ونحن غير قادرين حتى الآن على "التوك توك".

وللذين لا يعرفون التوك توك جيدا ، فهو ليس مجرد مركبة صغيرة تسير على عجلات ثلاث، بل هو - في الواقع - حكاية شعب ، وملحمة أمة ، وعنوان حضارة ، إنه صحيح في حجم الكف لكنه في الواقع يغلب "مائة وألف" ، ككل الأشياء الصغيرة في حياتنا!

التوك توك أولا ، صغير الحجم ، ككل الصغار في هذا المجتمع ، وهو الأمر الذي يتيح له فعل الأعاجيب . مثلا هو يسير على الرصيف ، ويمشى في الممنوع ، ويدهس الناس ليل نهار، فلا يسمع أحد صراخ الناس!
وهو ثانيا ، كائن بلا ترخيص ، فلا هو له رخصة سير، ولا لسائقه رخصة قيادة ، ولا تعرف له "أجرة". هي أحيانا جنية واحدا ، وأحيانا جنيهان ، وربما وصلت إلى ثلاثة . ثم إنه ثالثا ، كائن زئبقي يمرق من أمامك مروق السهم ، فلا تكاد تراه ، ورغم ذلك فإن إزعاجه مثال لكل أنواع التلوث التي سمعت - ولم تسمع – عنها، بصري وسمعي وهوائي ومائي وبيئي وحضاري وثقافي، وقل ما شئت!

غير أن الحقيقة الغائبة في الموضوع هي أن هذا "التوك توك" هو عنوان قطاع معتبر من الشعب ، أن
القصة ببساطة هي أن التوك توك - رغم فداحة أضراره - صار وسيلة مواصلات لا استغناء عنها لملايين المصريين "الغلابة" الذين لا يملكون ثمن سيارة خاصة ، ولا طاقة لهم بأجرة التاكسي ، وليس في حواريهم الضيقة مواصلات عامة، فيركبون التوك توك!

والتوك توك هو أيضا ثقافة بالمعنى الحرفي للكلمة ، واسمع إن شئت الأغاني التي يلعلع بها "الكاسيت" البدائي الذي يفتحه السائق على آخره ، فيصل صوته إلى نهاية الكون ، ودقق إن أردت في كلمات أغاني هذا الكاسيت ، ولسوف تجد عندئذ مصر الحقيقية ، بكل آهاتها وآلامها المكبوتة والدموع ، ولا عزاء لكلام المثقفين المنفوخين ، بشامخة الأنف الكاذبة ، والعطر الباريسي ، والشراهة الزائدة عن الحد!

يا ناس : التوك توك جزء من مصر، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان حقيقية ، وليس معاني الأغنيات المعلبة سابقة التجهيز إياها ، فإن استطعتم حل مشكلة التوك توك "الحقيقية"، فسوف تستطيعون حل مشكلات مصر.
وما مصر؟ أليست سلسالا معقدا من مشكلات صغيرة ، تتشابك مع بعضها لتصنع دائرة عويصة من المطالب والتطلعات والألم ، جعلت الناس يصرخون في الشوارع والطرقات ، بينما أطلقنا عليه اصطلاحا لفظ "ثورة" ؟ قل لي كم مليونا يركبون التوك توك العشوائي في بلدك. أقل لك من أنت.
ثم إن التوك توك هو أيضا تعبير عن بطن مصر الاقتصادي المضطرب ، أليس هو المظهر الأكثر تعبيرا عن البطالة ، وعدم قدرة سوق العمل على استيعاب الساعين للعمل ؟ أليس يتكسب من ورائه عشرات الآلاف ، بل ربما مئات الآلاف ، من الشباب والصبية ، الذين تمثل دخولهم منه طوقا للنجاة من الجوع والفقر والعوز؟ ثم أليس في عشوائيته الظاهرة حياة أخرى مبطنة لأحياء عشوائية تعج بها مصر في هوامشها السحيقة والأطراف ؟
وهكذا ، فإن مصر "المتكتكة" لن يبدأ حل مشكلاتها إلا عندما ينظر الناس "اللي فوق للناس اللي تحت" الذين يركبون التوك توك ، ولا تصدق من يقول لك إن الدعاوى القضائية في المحاكم ، وهيئة مفوضي الدولة ، وفى القضاء الإداري ، يمكن أن تضع حدا للتوك توك، فالمسألة أعمق بكثير من أحكام القضاء ، إنها قضية مجتمع بكامله .

المصدر: منشور بجريدة ذاكرة المدينة – المغرب - بتاريخ 9 / 2 / 2016م
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 39 مشاهدة
نشرت فى 12 فبراير 2016 بواسطة hany2015

ساحة النقاش

أ.د/ هاني جرجس عياد

hany2015
اْستاذ جامعي وكاتب صحفي »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

21,906