فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

 

النجمة السداسية تراث كنعاني مسروق

فراس حج محمد/ فلسطين

في الدورة التي عقدها قسم الإشراف التربوي في مديرية التربية والتعليم العالي/ جنوب نابلس، وتم فيها مناقشة المقررات الجديدة بشكل عام، ومن بينها كتب اللغة العربية، تلقف المعلمون المقررات الجديدة بالتعليق والنقد، وأخذوا في التفتيش عن العيوب التي طالت كل ما في هذه المقررات وصولا إلى التعرض إلى صناع القرار التربوي وحتى السياسي، ناهيك عن جمع السقطات اللغوية؛ الإملائية والنحوية، وبعضها بلا شك داخل في جملة النقص الذي يستولي على البشر، والكمال لله وحده، فما زالت قولة العماد الأصفهاني صالحة في كل كتاب يؤلف؛ إذ يقرر "إنّي رأيتُ أنّه ما كَتَبَ أحَدُهُم في يَومِهِ كِتاباً إلا قالَ في غَدِهِ، لوغُيّرَ هذا لَكانَ أَحسن ولَو زُيِّدَ ذاكَ لَكانَ يُستَحسن، ولَو قُدِّمَ هذا لكانَ أفضل، ولو تُرِكَ ذاكَ لَكانَ أجمل، وهذا مِن أعظَمِ العِبر، وهو دَليلٌ على استيلاءِ النّقْصِ على جُملَةِ البَشر."

وجاءت بعض ملحوظات الميدان التربوي غير بريئة من التهم، وتمس المؤلفين صراحة أو بشكل مبطن، وتتحكم في عقل منشئوها الاتهامات الجاهزة دون تمحيص أو تدقيق، على الرغم من أنهم يعلمون جيدا أن هذه الطبعة من الكتب هي طبعة تجريبية؛ خاضعة للتعديل حسبما يرد من ملحوظات مختبرة في الميدان، ولا تخلو بطبيعة الحال من النقد الموضوعي كذلك المبني على الخبرة التي تمت خلال تعليم هذه المقررات، ابتغاء الوصول إلى مقررات علمية وموضوعية عصرية، خالية من كل شائبة، مع أن رضا الناس، كل الناس غاية لا تدرك. ولأجل هذا الغرض فقد حرصنا نحن المشرفين التربويين خلال الدورات التدريبية أن يزودنا المعلمون بملحوظاتهم المتعلقة بالمحتوى التعليمي والأنشطة والصور المصاحبة، وقد وردت بناء على ذلك مجموعة من الملحوظات، زودنا بها المعنيين في الوزارة أولا بأول، مع احتفاظي، شخصيا، بجملة من الملحوظات العامة والتخصصية حول تلك المقررات، منتظرا تكامل الكتب المقررة جميعها وللفروع كافة؛ الأكاديمية والمهنية، لأنجز حولها دراسة، فثمة ما يقال حول المحتوى التعليمي بشكل منهجي علمي مدروس.

أما في هذه الوقفة فإنني سأشير إلى هذا اللغط الحاد الحاصل بتعليق المعلمين على ما يظن أنه تضمين النجمة السداسية في درس "الإعلام ماضيا وحاضرا" للصف الحادي عشر، الجزء الثاني، الصفحة (14)، وبدل أن يتسع أفق المعلمين، ويتجه إلى مناقشة تلك الصورة التعبيرية الرمزية، ويُجْروا نقاشا تفكيريا حولها فيما يتصل بموضوع الدرس، تتحول الصورة إلى مجال للاتهام واللمز أبعد من المقررات نفسها.

وعلي أن أقرر حقيقة تتصل بهذه المقررات الجديدة أنها جهد وطني عظيم أنجز بعقول وكفاءات فلسطينية، بعيدا عن أي إشراف أو تمويل أجنبي، وهذا ما حرص المسؤولون على بيانه في كل اجتماع، مشيرين إلى نقطتين مهمتين، وهما أنه منهاج وطني تحرري وعلمي عصري، وأنه يقوم على التفكير الناقد والإبداعي، وتشهد المخرجات بشكل قاطع أنها تركز على فلسطين كل فلسطين، وتعزز روح المقاومة لدى الأجيال، وتشيد بالتضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني على طول تاريخه النضالي الممتد لأكثر من مئة عام، مبرزة الوجه الحضاري المتجذر في التاريخ الفلسطيني المتشرب لحضارات متعددة كان لها حضور في هذه المقررات.

ومن هنا أردد جملة لا زلت أومن أنها نافعة وذات قيمة عليا في كل نقاش، يَغيب فيه جزء من الحقيقة، وهذه الجملة هي "نصف العلم يتعب صاحبه، كما أن نصف الدين كفر أيضا"، ويكشف الميدان التربوي للأسف عن جهل مريع في كثير من القضايا التربوية والعلمية والحقائق التاريخية، هذا الجهل يجعل التشكيك حاضرا وسيدا في كل مناقشة، ولا يكلف ذلك المتشكك نفسه ليسأل عما يجهله، بل إنه دائما كما يقال في المثل الشعبي "أبو العُرِّيف"، يعلم كل شيء، وأنه، سبحانه، قد تعالى عن الجهل والنقص، وهذه مشكلة كبرى توقع صاحبها في مغبة الجهل المركب!

وبالعودة إلى موضوع "النجمة السداسية" فإن جهل البعض بحقيقة المسألة يقع ضمن دائرة الجهل المركب، فلم يكلف ذلك البعض الذي تجرأ واتهم أن يبحث عن الأصول التاريخية لهذا الشكل الهندسي، بل كان الاتهام هو الجواب الأسهل، وغاب عن الأذهان مسألتان؛ الأولى ربما يكون هناك معلومة ناقصة غائبة، علي البحث عنها أولا، والمسألة الثانية، وهي أشد أهمية من الأولى أن (إسرائيل) بوصفها كيانا غاصبا محتلا إحلاليا استحلاليا مجرما قد سرقت كثيرا من مكونات التراث الفلسطيني الثقافي والمادي، حتى أن اللغة لم تسلم من اعتداءات السطو والنهب والإدعاء، ولم تقتصر انتهاكات إسرائيل على سرقة الأرض وتسييجها، بل إنها تحاول أَسْرَلة كل ما هو فلسطيني حضاري ضارب في عمق التاريخ وتهويده.

وفي هذا السياق أتوقف عند ما كتبه الدكتور أحمد البرقاوي، وهو فلسطيني، ويعمل أستاذاً للفلسفة في جامعة دمشق، فقد زار فلسطين وأماكنها الأثرية الحضارية بعد رحلة لجوء طويلة. يقول في كتابه "نهد الأرض"* بعدما شاهد النجمة السداسية: "وبمناسبة النجمة السداسية التي اغتصبت من قبل الحركة الصهيونية كما اغتصبت فلسطين، فكما ساهمت السلطات العربية بضياع فلسطين ساهمت أيضا بضياع النجمة السداسية،...، فالنجمة السداسية هي نجمة سورية قديمة، هي نجمة كنعانية قبل أن تظهر في المنطقة القبلية الهمجية"، ويأخذ البرقاوي بعد ذلك بتفسير رمزية هذه النجمة، وجماليتها، فيقول: "ورغم أسفاري الكثيرة في رؤية الأماكن الأثرية لم أر مشهد نجمة كهذه أو شكل نجمة كهذه، هذه الرؤوس المتقابلة ترسم جهات ستا وليس أربعا إنها أشبه بالأنثى، حيث ساعدين مشرعين ونهدين وساقين منفرجين، والدائرة هي الرحم، هكذا تراءى لي على الأقل. إنها رمز الخصب الكنعاني، رمز علاقة الذكر بالأنثى، فالمثلث الذي رأسه إلى الأعلى يمثل العضو الذكري، والمثلث الذي رأسه للأسفل يمثل العضو الأنثوي، وتشابك المثلثين يعني وحدة الذكر والأنثى".

ويستطرد البرقاوي في كيفية السيطرة على هذه النجمة، فيقول: "وقصة احتلال النجمة السداسية قصة سخيفة، فلقد اتخذها روتشلد رمزا لشركاته ثم وضعت على إعلان المؤتمر الصهيوني الأول، ومنذ ذلك الوقت اعترف الغباء العربي بملكية الحركة الصهيونية بالنجمة السداسية"، أما عن كيفية استردادها فيقول: "لو كنت صاحب قرار لاستعدت هذه النجمة وأعدت إليها اسمها الأصلي نجمة كنعان، ووضعتها على أعلام الوطن العربي".

لقد آثرت أن أكتب هذه الحقيقة وأذكر بها في مقالة عامة، ولم أسع إلى نشرها في المدارس، نظرا لحساسية الموضوع؛ إذ إنه بلا شك سيفتح نقاشا لن ينتهي إلا بلجان تحقيق، لندخل في متاهات أخرى، أنا شخصيا في غنى عنها أساسا، فالعقول ليست رجعية فقط، بل إنها متكلسة متحجرة اتهامية، تجر المسألة وتحرفها إلى غير أهدافها؛ إذ سيظهر في تلك المعمعة أنبياء كثيرون، فأنا على قناعة تامة أن الأذهان ما زالت رازحة تحت أحجار العصور الموغلة في الجهل والتخلف والعدمية، رغما عن كل محاولات التحديث والتنوير، فما زالت عصور ما قبل الجاهلية الأولى معششة ولن تبرحنا بهذه السهولة، ولذلك كان سهلا ضياع هذه النجمة كما ضاع ويضيع غيرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 2016، دار الصدى، الإمارات العربية المتحدة، وورد الحديث عن النجمة السداسية في الصفحات (202-204).

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 75 مشاهدة
نشرت فى 23 إبريل 2018 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

302,761

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.