حضور المنفى في ديوان "كزهر اللّوز أو أبعد*"؟

فراس حج محمد| فلسطين
يتناول الأدب الفلسطينيّ، سرداً وشعراً، موضوع المنفى، وهو واحد من الثّيمات الرّئيسيّة فيه، منذ أدب النّكبة والتّشرّد، وحتّى الآن، وتبرز عند درويش في ديوان "كزهر اللّوز أو أبعد" بشكل لافت، فقد وردت في الدّيوان خمس قصائد كان لفظ "المنفى" حاضرا في العنوان، وهي: القصيدة الثّانية "الآن في المنفى"، والقصيدة الواحدة والثّلاثون (نهار الثّلاثاء والجوّ صافٍ)، والثّانية والثّلاثون (ضباب كثيف على الجسر)، والثّالثة والثّلاثون (كوشم يد في معلّقة الشّاعر الجاهليّ) والرّابعة والثّلاثون (طباق)، وكلّ هذه القصائد تعالج مسألة المنفى في بعدها الذّاتيّ، واتّخذت هذه القصائد عناوين متسلسلة؛ منفى (1)، منفى (2)، منفى (3)، منفى (4) على التّوالي، ولعلّ ما يجمع هذه القصائد الخمس هذا التّساؤل عن معنى الوطن ومعنى المكان، ومعنى المنفى ذاته بالضّرورة. وربّما حمل هذا التّكرار اللّغويّ في العنوان، تنوّعات على مفهوم المنفى، لا سيّما وأنّ كلّ نصّ منها تناول قضيّة مختلفة عن الأخرى، وإن التقت معها في موضوع المنفى. ولا يفتأ درويش يتحدّث عن هذه المعاني ليس في هذا الدّيوان وحسب، وإنّما سبق لدرويش أن تحدّث عن ذلك في غير ديوان، وفي غير قصيدة. وقبل أن أقصر الحديث على قصيدة "الآن في المنفى"، أعرّج قليلا على القصائد الأربع الأخرى، مبيّناً بعض ما تناولته فيما يتّصل بمفهوم المنفى.
على ما يبدو أنّ ما عبّر عنه الشّاعر باقتضاب في قصيدة "الآن في المنفى" أخذ يتوالد في هذه القصائد الأربع على نحو مفصّل، وبتركيز أشدّ على المعاناة والدّلالات النّفسيّة والواقعيّة، وحتّى السّياسيّة لمعنى المنفى، فلا شكّ في أنّ الشّاعر يستشرف الغد ويستشفّ ملامحه، وهو يقرأ هذا الواقع، هذا الغد الّذي يقول عنه في قصيدة "نهار الثّلاثاء والجوّ صافٍ- منفى (1)":
عِشْ
غدك الآن! مهما حَييتَ فلن تبلغ
الغَدَ.... لا أرضَ للغد، واحلُمْ
ببطء, فمهما حلمت ستدرك أنَّ
الفراشة لم تحترق لتضيئك (ص106)
وأمّا في القصيدة الثّانية "ضباب كثيف على الجسر- منفى (2)" فيسأل عن معنى المكان، لا ليدفن فيه، بل:
مكانا لأحيا،
وألعنه إذا أردت
فقلت له والمكان يمرّ كإيماءةٍ
بيننا: ما المكان؟ (ص130)
هذا السّؤال سيندفع مرّة أخرى في نصّ درويش "في حضرة الغياب"، وتختلط المعاني وتتلاشى الإجابات، أو أنّ تلك الإجابات معروفة، ولشدّة ألمها يسكت عنها:
"وتسأل: ما معنى كلمة "وطن"؟
سيقولون: هو البيت، وشجرة التّوت، وقنّ الدّجاج، وقفير النّحل، ورائحة الخبز، والسّماء الأولى.
وتسأل: هل تتّسع كلمة واحدة من ثلاثة حروف لكلّ هذه المحتويات... وتضيق بنا". (في حضرة الغياب، 2006، ص38-39).
إذن لا عجب أن يتحوّل هذا المكان إلى معنى مجرّد يعيش في الذّات، حيث يصبح "المكان هو العاطفة" (ص158وص157)، كما جاء في قصيدة "كوشم يدٍ في معلّقة الشّاعر الجاهليّ- منفى (3)"، هذه الحالة الملتبسة المعبّر عنها بهذا السّطر، "ولست هناك ولست هنا" في القصيدة الرّابعة والثّلاثين "طباق- منفى (4)" (ص182)، رابطا درويش مسألة المنفى بذلك القلق الوجوديّ المسيطر على الإنسان، وهو يعيش هذه التّجربة، وبذلك تلاحظ هذا التّطور على مفهوم المنفى من المعنى الذّاتيّ الخاصّ إلى المعنى العامّ المجرّد.
مأساة الذّات هي مأساة إنسانيّة كذلك:
وبالعودة إلى قصيدة "الآن في المنفى"، وهي قصيدة أقصر من القصائد اللّاحقة المشار إليها آنفاً، فكأنّها في ذلك تشبه المقدّمة الّتي يضعها الكاتب؛ راسما معالم كتابه. يُلاحظ أنّ الشّاعر يخاطب شخصا ستينيّا– ربّما هو متخيّل (أنا الشّاعرة الّتي ليست بالضّرورة من ناحية فنيّة أن تعني محمود درويش<!--)- أو ربّما يقصد ذاته، فقد كان الشّاعر حينها عام (2005) في العقد السّادس من عمره. ويظهر هذا المخاطب في القصيدة حاملا إرث اللّجوء المرّ، فقد مرّ هذا العمر بسرعة، مرّ وهو ينتظر العودة إلى فلسطين، وإن كان الشّاعر يخاطب ذاته، وكان قد عاد إلى فلسطين عام 1994، فهل ما زال يعتبر نفسه منفيّا لاجئا؟ وكيف لا، وهو لم يعد إلى قريته أو منزله؟ وتبدو في هذا الخطاب ملامح من السّخرية المرّة الّتي تعبّر عن هذه المأساة الإنسانيّة في حقيقتها، وممّا يزيد من ألم المرارة أنّه في فلسطين على بعد كيلومترات محدودة من بيته حيث ولد، ممنوعا من الوصول إليه، فما زال لاجئا منفيّا، يعاني من الخيبة، خيبة الرّجوع والعودة النّاقصة. يقول:
فافرح، بأقصى ما استطعتَ من الهدوء،
لأنَّ موتاً طائشاً ضلَّ الطريق إليك
من فرط الزّحام.... وأجّلك. (ص17)
وسواء أكان الشّاعر يخاطب ذاته أم يتحدّث عن غيره، فإنّ هذه الشّخصية الحالمة بالعودة تعيش على الذّاكرة، فتسترجع أشياء الوطن: القمر والأطلال والأشجار والأسماء، وكلّها أشياء تبعث الحنين في النّفس، وما يصاحب هذا الحنين من وجع الغربة، فكلّ شيء في هذا الوطن يبتعد يوما وراء يوم، لتتراكم سنين العمر، وهي غارقة في هذه المأساة الجارحة، كأنّ كلّ تلك الأشياء تهمل وجود اللّاجئين؛ فليست معنية بهم، ولم يبق سوى النّشيد ليحمل هذا اللّاجئ إلى ملامح وطنٍ باقٍ في الذّاكرة ومفردات اللّغة، تدفعه تلك الذّاكرة إلى البدايات، فيعود إلى ذلك في قصيدة (كوشم يدٍ في معلّقة الشّاعر الجاهليّ):
قلت: إلى أين تأخذني؟
قال: صوب البداية حيث ولدت
هنا، أنت واسمك. (ص154)
ويزداد الإحساس بالغربة القاسية في خاتمة قصيدة "الآن في المنفى"، لتكون هذه الحكمة الإنسانيّة البليغة ذات الرّجع الوجوديّ الشّامل لكلّ أنواع الغياب، سواء أكان بسبب الموت أم اللّجوء الّذي هو أحد مظاهر ذلك الغياب، غير المقتصر على الغياب عن الوطن، أو على حدود القرية والبيت، وفي تماسٍّ مع تلك الذّاكرة المتخمة، بل ربّما يشمل الاغتراب عن الذّات وفهمها، ومساءلة هذا الوضع المعقّد:
قل للغياب نقصتني
وأنا حضرت لأكملك. (ص19)
هنا يتردّد الزّمن بين الماضي والحاضر، عابرا نحو الغد، ليعيد التّوقّف عنده في القصيدة التي يهديها الشّاعر إلى المفكّر الفلسطينيّ المغترب/ المنفيّ إدوارد سعيد، وأعني بذلك قصيدة "طباق"، فيتجاوز درويش في القصيدة الحديث عن "الآن" ليرى ثنائيّة الماضي والغد ضمن هذه المعادلة:
قال كلانا:
إذا كان ماضيكَ تجربةً
فاجعل الغَدَ معنى ورؤيا!
لنذهبْ,
لنذهبْ الى غدنا واثقين
بِصدْق الخيال, ومُعْجزةِ العُشْبِ (ص179-180)
لم يقف درويش عند حدود المسألة في بعدها الذّاتيّ الشّخصيّ أو الفلسطينيّ الجمعيّ في قصيدة "الآن في المنفى"، بل تأخذ أبعادا فلسفيّة وجوديّة، لتسائل معنى الحياة والموت والنقصان والكمال، وكلها مسائل مصيريّة في واقع الإنسان، ليصل الشّاعر إلى هذه الحكمة القاسية:
كم نسيتُكِ في
خضمِّكِ باحثاً عنِّي وعنكِ. وكُلَّما أدركتُ
سرَاً منك قُلتِ بقسوةٍ: ما أّجهلَكْ! (ص18-19)
ففي مساءلة المصير نفسه، وعدم الحصول على الإجابة أو الوصول إلى حقائق ربّما تكون صادمة، تجعل الشّخص على قناعة أنّه ما زال جاهلا، فثمّة أمور في الحياة توصل الإنسان إلى أنّه ما زال بحاجة لأنْ يعرف ويعرف، ما لم يُحَلّ لغز الحياة وحقائقها الكبرى، أو بعض أسرار المعضلة الذّاتيّة نفسها، ليكون موزّع الوعي بين الجهل والإدراك، مخالفا المتنبّي الّذي قال يوما: "وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعمُ"، فهو يشقى بالجهل والعلم معاً.
اللّغة والتّناصّ في قصيدة "الآن في المنفى":
لقد ساهمت اللّغة في إبراز فكرة القصيدة، وتوصيل رسالتها في التّعبير عن آلام الشّاعر الخاصّة والجمعيّة، فهي لغة بسيطة، ولكنّها مكتنزة بحكمة الحياة، لغة مناسبة في بساطتها لشخص ستينيّ عاش مثل هذه التّجربة، فعركته التّجربة، وجعلته حكيما، لغة على الرّغم من بساطتها إلّا أنّها عميقة ذات دلالات قويّة تهزّ الوعي لجماليّتها وانسيابها في التّعبير. عدا ما في القصيدة من سرديّة واضحة برزت في عناصرها كافّة؛ فـ "لا يوجد مكتوب مهما كان جنسه أو نوعه يخلو من سردٍ على نحو ما". (مدخل إلى التّحليل البنيويّ للقصص، رولان بارت، مقدّمة المترجم منذر عيّاشي، ص12). فقد هيّأ درويش بنية النّصّ لتستوعب هذا السّرد، فبدأ بالظرف/ الزمان "الآن"، وحدّد المكان "في البيت"، وأعدّ الشّخوص "أنتَ وهم" والسّارد/ الشّاعر، وأخذ يسرد القصّة الشّعريّة، قصيرة كانت في مبناها، لكنّها طويلة وهي تحيل القارئ إلى واقعها الممتدّ لأكثر من ستين عاماً.
لم يلجأ الشّاعر إلى الرّموز أو الإبهام الّذي يغلّف قصائد الشّعر الحرّ عادة، وبعض قصائد درويش نفسه، ولم يحفل درويش كذلك بإغراق النّصّ باستدعاء نصوص أخرى كما هو واضح في كثير من قصائده الأخرى، كأنّ هذا الوضع الوجوديّ المُشْكِل كافٍ لينسج نصّه بعيدا عن الاتّكاء على نصوص الآخرين، إلّا ما جاء عفوا من ملامح قصّة سيدنا يوسف عليه السّلام، وذلك في قوله:
سيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهنَّ
وكيدهنَّ. لكلِّ واحدةْ نداءٌ ما خفيٌّ:
هَيْتَ لَكْ/ ما أجملَكْ! (ص18)
وتحيل هذه الإشارة من قصّة يوسف عليه السّلام في شعر درويش، إلى اتّكائه على هذه القصّة القرآنيّة في نصوص متعدّدة، ويكفي أن أذّكر القارئ بقصيدته "أنا يوسفٌ يا أبي" في ديوان "ورد أقلّ" (1986). أمّا هنا فيستعير درويش في هذه القصيدة موقف "زليخة" وقولتها: "هَيْتَ لك"، هذا النّداء الأنثويّ المفتوح على الغواية، لتصبح المفارقة حادّة؛ فعن أيّ غواية يتحدّث، ولم يكن هناك امرأة/ زليخة ما؟ بل جاء طيفها بعيدا ملتبسا كهذا الحضور أو الاحتفال الملتبس، المعلن عنه في بداية القصيدة "يوقدون الشّمع لك" (ص17). ومما يزيد من الإحساس بالسّخرية الموجعة هذا الرّبط بين طيف زليخة وهذه الحياة نفسها، لتكون معادلا فنيّاً، وربّما موضوعيّا للمرأة المخاتلة المراوغة، كأنّ الحياة لم تكن أكثر من لعبة في الغواية، غواية الحياة نفسها والإقبال عليها، رغما عمّا في المنفى من معاني الموت والإحساس بالقهر، فثمّة حياة يجب أن تُعاش، وثمّة غدٌ يجب أن نسعى إليه.
وبهذا تكون تيمة المنفى حاضرة بقوّة في ديوان "كزهر اللّوز أو أبعد" من خلال هذه القصائد، جامعا كلّ ألوان المعاناة الّتي يعانيها الإنسان المنفيّ، سواء أكان منفيّا في ذاته أو في وطنه أو في بلاد الآخرين، لتكون هذه القصائد بما حملته من أفكار ذات بعد إنسانيّ عامّ، له دلالاته الذّاتيّة والعامّة أيضا، وهذه سمة كلّ أدب إنسانيّ ينقل التّجربة الذّاتيّة إلى آفاق من الرّؤيا الّتي تحاكي تجارب الآخرين وتتماهى معها في كلّ زمانٍ وفي كلّ مكان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صدر الدّيوان عن دار رياض الرّيس، (لندن)، وطبعة خاصّة بفلسطين عن دار الشّروق، رام الله، 2005.
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
[1]<!--[endif]--> يرى النّاقد محيي الدّين صبحي "أنّ الشّخصيّة الأدبيّة شخصيّة افتراضيّة، وعليه فإنّ الخلط بين (أنا الشّاعر) وأنا (الشّخص التّاريخي) خطأ فادح"، ينظر: أبحاث دورة الأخطل الصغير، مؤسسة جائزة البابطين للإبداع الشّعريّ، 2000.


