فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

authentication required

من الفكــر التـربوي:

التـعليم وعلاقته بسيـكولوجية الجماهير

فراس حج محمد| فلسطين

انطلق عالم الاجتماع الفرنسي (غوستاف لو بون) في تحليله لسلوك الجماعات من ملاحظته المباشرة للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، ولا سيما الاضطرابات العنيفة التي صاحبت كومونة باريس عام 1871، وفي مؤلفه "سيكولوجية الجماهير" أو "روح الاجتماع" الصادر عام 1895، سعى (لو بون) إلى تفكيك آليات تشكل الوعي الجمعي وكيفية ذوبان الشخصية الواعية للفرد لصالح عقلية جماعية منقادة تسيطر عليها الغرائز البدائية، وتتحكم فيها العواطف والانفعالات الحادة، وفي سياق بحثه عن العوامل البعيدة المدى التي تهيئ الأرضية لتشكل هذه الجماهير وتتحكم في معتقداتها وأفكارها، خصص وقفة لبحث عامل التربية والتعليم (الباب الثاني: أفكار الجماعات ومعتقداتها، الفصل الأول: العوامل البعيدة في معتقدات الجماعات وأفكارها، النقطة الخامسة) كأحد أهم محددات مصير الأمم ومستقبلها.

وجه (لو بون) نقداً لاذعاً للأفكار السائدة في عصره، ولا سيما العقيدة الديمقراطية التي كانت ترى في التعليم أداة سحرية قادرة على تغيير سلوك البشر وإصلاح أخلاقهم وتحقيق المساواة التامة بينهم، واعتمد في تفكيك هذا الوهم على أطروحات الفيلسوف البريطاني (هربرت سبنسر)، مؤكداً أن التعليم في واقع الأمر لا يملك القدرة على تهذيب الإنسان أو زيادة سعادته تلقائياً، كما أنه لا يغير من غرائزه وشهواته الموروثة، وذهب أبعد من ذلك بالاستناد إلى إحصاءات قضائية معاصرة له تشير إلى أن انتشار التعليم قد يرتبط بارتفاع معدلات الجريمة، وأن قادة الحركات الفوضوية والاحتجاجية العنيفة هم في الغالب من المتفوقين في المدارس التقليدية.

ولتدعيم وجهة نظره الفلسفية، استعان (لو بون) بآراء القاضي الفرنسي البارز (أدولف جيو)، الذي كشف في دراساته الإحصائية أن من بين كل أربعة آلاف مجرم يوجد ثلاثة آلاف من المتعلمين مقابل ألف واحد فقط من الأميين، وتُشير تلك البيانات إلى أن نسبة الجرائم ارتفعت على مدار خمسين عاماً من (227) جريمة لكل مائة ألف نسمة إلى (552) جريمة، وهو ما يعادل زيادة مقلقة تصل إلى (133%)، ولاحظ القضاة أن الجرائم تزداد بصفة خاصة بين الشبان الذين استبدلوا بالتدريب المهني والعملي التقليدي التعليم المدرسي الإجباري المجاني، وميز (لو بون) بين نموذجين متناقضين من التعليم عاصرهما في الغرب:

الأول: التعليم اللاتيني الذي يقوم على الحفظ عن ظهر قلب واستظهار المعلومات والنصوص النحوية والمختصرات، ويفترض هذا النظام النفسي الفاسد أن شحن الذاكرة بالمعلومات الكثيفة يعادل تنمية الذكاء والقدرات العقلية، وينتج عن هذا النموذج طالب لا يملك القدرة على المبادرة الذاتية أو التفكير المستقل، بل ينحصر سلوكه في إلقاء ما حفظه والخضوع المطلق لسلطة المعلم والمدرسة، واستشهد (لو بون) هنا بقول وزير معارف فرنسي سابق يدعى (جول سيمون) إن هذا النمط التدريسي المعتمد على التقليد والاعتقاد بعصمة المعلم ليس إلا سخرية بالعملية التربوية ولا يؤدي إلا لضعف الأجيال ونقص كفاءتها.

ويحذر (لو بون) من العواقب الاجتماعية الوخيمة لهذا النموذج؛ فهو يورث الطلاب سأماً شديداً من واقعهم الاجتماعي ويدفعهم للترفع عن المهن الإنتاجية كالزراعة والصناعة، والتهافت على الوظائف الحكومية المكتبية، وعندما تعجز الدولة عن تلبية هذا الطلب الهائل، يتشكل جيش من حملة الشهادات العاطلين عن العمل، والذين يتحولون إلى قنابل موقوتة ممتعضة ومستعدة دائماً للتخريب والانضواء تحت لواء أي فكر فوضوي أو هدّام، وقارن (لو بون) هذا النظام بنظام "المندران" الصيني القائم على حفظ الكتب الضخمة لاجتياز الامتحانات البيروقراطية، وبسياسات التعليم البريطاني في الهند التي خرجت فئة "اليابوس" من المتعلمين الذين تحولوا لأعداء ألداء للإدارة البريطانية وأصيبت أخلاقهم بالانحطاط العاجل فور عجز الدولة عن توظيفهم.

وعلى النقيض تماماً، أشاد (لو بون) بالنموذج (الأنجلوسكسوني) والأمريكي الذي حظي بدعم مفكرين بارزين مثل المؤرخ (موسيو تاين)، ويرى (تاين) أن الأفكار لا تتولد في الغرف المغلقة، بل تنبت بذورها وتنمو من خلال الاحتكاك اليومي المباشر بالواقع العملي في المصانع، والمناجم، والمحاكم، والمستشفيات، وفي هذا النظام، يتلقى التلميذ معرفة تطبيقية حية وتدريباً عملياً مستمراً، مما يتيح له التطور المهني الطبيعي والقدرة على المبادرة وتأسيس المشروعات الخاصة دون الاعتماد على رعاية الدولة، وهو ما يصنع مواطنين فاعلين ومبدعين يقودون عجلة الإنتاج والتنمية.

عند إسقاط هذا التحليل السيكولوجي والتاريخي على الواقع التعليمي في فلسطين، يتضح أن المنظومة التعليمية السائدة لا تزال تعاني من ترسبات تتطابق مع النموذج اللاتيني العقيم الذي انتقده (لو بون)، فالغالبية العظمى من الممارسات الصفية في المدارس الفلسطينية لا تزال ترتكز على التلقين، والتكرار، وحشو عقول الطلبة بالمعلومات الجافة التي يتم اختبار مدى حفظهم لها عبر امتحانات نمطية صارمة، وأشدها رعباً اجتماعياً وسيكولوجياً نظام الثانوية العامة المعروف بالتوجيهي، ولا يعني تحوّل الوزارة إلى التعليم بالمصادر المفتوحة هو الحلّ السحريّ لهذه المعضلة التربويّة، كما يحاول منظرو الوزارة أن يسوّقوا ذلك، ولهذا الأمر له وقفة خاصة ليس هذا هو مكانها.

إن هذا النظام- نظام الثانوية العامة- هو التعبير الأكثر جلاءً وتكثيفاً لهذه الأزمة، ويمثل هذا الامتحان طقساً اجتماعياً قاهراً ومصيرياً، حيث تختزل مسيرة اثني عشر عاماً من الدراسة في بضع ساعات من الاختبارات التي تعتمد في تصميمها على قياس مهارات الحفظ والاسترجاع السطحي للمعلومات، مع تهميش واضح للمهارات العقلية العليا كالتفكير النقدي، والتحليل، والتركيب، ويجسد هذا النظام ما يعرف بالتعليم البنكي الذي يقود الطالب إلى الدوران في حلقة مفرغة من التكرار والنمطية والبؤس وعدم القناعة.

يتطابق هذا الوصف البنكي مع أطروحة المفكر التربوي البرازيلي (باولو فريري) في كتابه "تعليم المقهورين"، حيث يشير إلى أن التعليم التقليدي يختزل عملية التعلم في عملية إيداع مالي، ويكون المعلم في هذه العلاقة هو المودع الذي يملك القوة والمعرفة المطلقة، في حين يقتصر دور الطالب على دور الحاوية الفارغة التي تتلقى الودائع المعرفية بحيادية وسلبية تامة، ويبنى هذا النموذج التربوي القاهر على فرضية غير عادلة تكرس التناقض الصارخ بين سلطة المعلم الفوقية وجهل التلميذ المفترض، مما يعزز ثقافة الصمت والخضوع التام.

تتجلى خطورة هذا التعليم البنكي التلقيني في المدارس الفلسطينية عبر مجموعة من المظاهر أهمها:

1. اختزال دور المعلم في التلقين، حيث يتصرف المعلم بوصفه المصدر الوحيد للمعلومة والمالك الحصري للحقائق، مما يحرم الطلاب من حق الحوار والمناقشة البناءة، وتتحول الغرفة الصفية من فضاء تفاعلي إلى منبر لإلقاء المحاضرات الجاهزة.

2. تأليه النص المكتوب، إذ يُدفع الطالب دفعاً إلى التسليم المطلق بحرفية الكتاب المدرسي والاعتقاد بأن الآراء الواردة فيه مصونة عن الخطأ والنقد، وهو ما ينسجم مع تحذير (جول سيمون) التاريخي من أن التربية القائمة على حفظ القواعد وافتراض عصمة المعلم لا تنتج إلا الضعف والنقص.

3. تفتقر الغالبية العظمى من المدارس لبيئات حوار فعّال تتيح للطلاب التعبير عن آرائهم والمشاركة في اتخاذ القرارات التربوية وتوفير خبرات تعليمية حية تفاعلية، ومع ذلك تنعدم أو تكاد بيئة التعلم النشط، على الرغم من أن كثيراً من الأدب التربوي الفلسطيني يحثّ على هذه الأنشطة إلا أن مردودها في الميدان المدرسي ضئيل جداً، بل لا يكاد يكون ملموساً.

4. يؤدي التركيز على الحفظ الصامت لقواعد النحو والصرف دون ممارستها في سياقات تعبيرية حرة إلى تدني مستويات مخرجات التعليم، وشيوع الضعف اللغوي المقلق في اللغتين العربية والإنجليزية بين الخريجين، وعجزهم عن صياغة أفكارهم بشكل مستقل وعقلاني، ما يعني إحداث مجموعة من التشوهات اللغوية والمعرفية التي تطال البنية المعرفية ككل.

إن حصر الطالب داخل صندوق واحدة ومسار إجباري واحد يسهم في بناء عقلية جماعية يسهل انقيادها وتهيئتها لتتشرّب الشائعات وتتلقي التوجيهات الخارجية دون تمحيص، وهو عين ما حذر منه (لو بون) في سياق حديثه عن سيكولوجية الحشود القابلة للإيحاء السريع، ولذلك نبه على خطورة التعليم، ومن تلك المخاطر البنيوية للتعليم القائم على الحشو والاستظهار في بناء عقلية الطالب ومهاراته الحياتية، لأنه سيخرج فرداً سرعان ما يندمج في الحشود الجارفة التي أطلق عليها "الغوغائية".

إن اتباع المنظومة التعليمية الفلسطينية نهج الحشو والاستظهار يترتب عليه عواقب وخيمة تطال البنية العقلية والنفسية والسلوكية للطلاب، وتحد من استعدادهم الفعلي لمواجهة متطلبات الحياة اليومية والمهنية، ولا يقتصر الضرر على الجوانب الأكاديمية الصرفة، بل يمتد ليشكل خطراً وجودياً يهدد طاقات المجتمع ويعطل إمكاناته التنموية والتحررية، ويمكن رصد هذه المخاطر ومناقشتها بما يأتي:

تدمير الفضول المعرفي وقتل الابتكار؛ ففي اللحظة التي يضطر فيها الطفل إلى الاستسلام التام لورقة الامتحان وتفضيل الإجابة النموذجية المحفوظة على التفكير الإبداعي هي اللحظة التي تضيع فيها مواهب وقدرات أجيال بأكملها، ويؤدي قتل روح التساؤل والبحث العلمي المبكر إلى إضعاف ملكة النقد الفكري وتوطين الطالب على محاكاة الآخرين وتقليدهم بصورة آلية، ويبرز هذا بوضوح في انخفاض القدرات البحثية للطلاب وعجزهم عن ربط العلوم النظرية بحاجات المجتمع العملية، لتصبح المقولة الآتية صحيحة جداً: "طالب حافظ وليس فاهماً ومدركاً".

ويتطابق الواقع الفلسطيني مع تشخيص (غوستاف لو بون) الدقيق لآثار التربية اللاتينية، التي تولد في نفس المتعلم حالة من السخط الشديد على بيئته الأصلية ورغبة عارمة في الانسلاخ عنها، محدثاً نوعاً من الاغتراب الاجتماعي والمهني، فالمدرسة التي تركز على الجوانب النظرية الجافة دون ربطها بالحياة الواقعية تصنع لدى الطلاب شعوراً بالتعالي على المهن الحرفية واليدوية والزراعية، ويرفض المتعلمون العمل في المصانع أو المعامل ويتطلعون بالكامل نحو الوظائف المكتبية التي تفترض جهداً أقل، ووضعاً اجتماعياً ومالياً أفضل، مما يخلق فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم والواقع الاقتصادي، عدا أن كثيراً من ذلك المحتوى التعليمي الذي يدرسه الطلاب محتوى لا صلة كبيرة له بالواقع، ما يجعل تلقيهم له دون رغبة وحماسة، متسائلين دوماً عن جدوى تعلم مثل هذه المعارف.

يعاني الواقع الفلسطيني من إنتاج جيوش من الخريجين الممتعضين، مساهمين في تعميق أزمة البطالة بشقيها الظاهرة والمقنعة، ومن ينظر إلى طالبي الوظائف الحكومية سنوياً في قطاع التربية والتعليم من هؤلاء الخريجين سيدرك حجم الكارثة، فتلجأ الوزارة إلى عقد مارثون تصفية لهؤلاء فتعقد اختبارات للوظائف ثم مقابلات، من أجل تقليل عدد المنافسين بطريقة توهم هؤلاء الخريجين بأنها عادلة وتوهم المجتمع بأن الكرة في ملعب هؤلاء الخريجين، فيتوجه جزء من لوم المجتمع لغير الناجحين أو الذين لم يحرزوا قصب السبق في تلك المنافسات، معفين الحكومة من مسؤولياتها.

إن الخطر الاجتماعي الأكبر الذي ينجم عن هذه التربية يكمن في اكتساب معارف كثيفة ونظرية لا يجد أصحابها سبيلاً لتطبيقها واستعمالها في حياتهم العملية، ولا حتى تمكنهم من الحصول على وظيفة، وتخرج المدارس والجامعات الفلسطينية أعداداً هائلة من حملة الشهادات النظرية الذين يحاصرون أبواب الوظائف الحكومية والخاصة المحدودة أصلاً، ويقود هذا الخلل إلى ارتفاع جنوني في معدلات البطالة بين صفوف الخريجين والشباب في فلسطين، وهو ما توضحه البيانات الصادرة عن الجهات المختصة، حيث تشير إلى ارتفاع معدلات البطالة سنوياً بين الخريجين، وهذا يعني بالضرورة تراجع الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية.

إن هذا الارتفاع الهائل في عدد المتعلمين العاطلين عن العمل يخلق تربة خصبة لتوليد مشاعر الإحباط واليأس، وينتج فئة من الممتعضين المتهيئين دوماً للهرج والانخراط في تحركات غير عقلانية تحت تأثير الصدمات النفسية المتوالية، وهو التجسيد الدقيق لنبوءة (لو بون) حول تحول المدارس غير المجدية عملياً إلى مصانع لإنتاج أعداء الهيئة الاجتماعية والمتهيئين للثورة والفوضى، ويمكن تحسس مثل هذا الاحتقان من خلال رصد حالة التذمر على مواقع التواصل الاجتماعي وبين الخريجين وانعكس سلباً على التعليم المدرسي نفسه، فتقل رغبة الأهل والطلاب في التعليم، لأنه يكلف كثيراً من النفقات وخاصة التعليم الجامعي مع انعدام المردود الاقتصادي الذي يضمن مستقبلاً جيداً لهؤلاء المتعلمين، فهم مشاريع محتملة لمرضى نفسيين أو مجرمين أو محتالين، أو بلغة أخرى أقل عنفاً سيكون هناك حشود في المجتمع تعاني من ضعف الاستعداد للحياة واختلال التوازن النفسي والاجتماعي.

لا تقدم المدارس التقليدية للشباب الأدوات الضرورية لمواجهة معترك الحياة، والمتمثلة في قوة الإرادة، وصلابة الأعصاب، والقدرة على الصمود في وجه الأزمات، وحين يهبط الطالب من عالم الخيال المدرسي النظري إلى معترك الوجود الحقيقي والواقع المعقد للاحتلال، ولبنيوية السلطة الفلسطينية القائمة على الفساد وعدم منح الفرص لأصحاب الكفاءة لدواعٍ أمنية غير حقيقية في غالب الأحيان، يصطدم هذا الطالب بجدار اليأس والخزي والكمد نتيجة عجزه عن تدبير شؤونه اليومية، مما يؤدي إلى خلل عميق في التوازن النفسي والعقلي وارتفاع وتيرة النزعات الفردانية والتشوهات السلوكية والاجتماعية والتسرب المدرسي المتنامي.

لا يمكن قراءة واقع التعليم في فلسطين بمعزل عن السياق القاهر المتمثل في الاحتلال طويل الأمد وعلاقات التبعية الاقتصادية والسياسية المفروضة على سلطة أوسلو، وفي هذا الإطار القهري، يتجاوز المنهاج الدراسي كونه مرجعاً تربوياً أو بيداغوجياً، ليصبح أحد أهم أعمدة التعبير عن الشخصية الوطنية الثقافية والتربوية، وأداة وجودية لحماية الذاكرة الجمعية وتأسيس الهوية الفلسطينية وحمايتها من التذويب والتشويه المستمر، وهذا يجب أن يكون أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع صنّاع السياسة التربوية في فلسطين إلى ضرورة التشبث بوجود كتب مدرسية تجسد الشخصية الفلسطينية وأحلام التحرر المبدئي من كل أشكال التبعية، إذ ليس صحيحاً ألبتة تعارض وجود مقررات دراسية (كتب مدرسية) مع التعليم القائم على التفكير الناقد وأساليب التعليم الحديثة.

وبناء على ذلك تخوض الهوية الفلسطينية معركة شرسة على جبهتين تعليميتين رئيسيتين، الأولى سياسات التدجين الاحتلالي المباشر، فتتبدى هذه السياسة بأبشع صورها في مدينة القدس المحتلة، حيث تشن سلطات الاحتلال حرباً ممنهجة لفرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس الفلسطينية وشطب المنهاج الوزاري الفلسطيني.

وتشمل هذه السياسات الاستعمارية حذف كل ما يشير إلى الهوية والتاريخ والجغرافيا الفلسطينية من الكتب المدرسية، مثل حذف اسم "فلسطين"، وإزالة الدروس المتعلقة بالشهداء، والأسرى، وحق العودة، والتهجير القسري، كما تفرض رقابة صارمة على المعلمين وطرق التدريس وتمنع مناقشة المفاهيم الوطنية داخل الغرف الصفية، ويرافق ذلك حواجز دائمة وطيّارة تعرقل وصول الطلبة والمعلمين إلى مدارسهم، إن هذا السعي الاستعماري الدؤوب يهدف بشكل صريح إلى تدجين الطلاب الفلسطينيين وتفريغ عقولهم من محتواها القومي والتحرري لتحويلهم إلى أفراد مهادنين وخاضعين للاحتلال، أو ما أطلق عليه المفكر (مالكوم إكس) بوصفه بليغ الدلالة "العبيد السعداء".

أما الجبهة الأخرى فتتمثل في اشتراطات المانحين والاتحاد الأوروبي والإملاءات الخارجية، حيث تتعرض السلطة لضغوط وابتزازات سياسية هائلة من الدول المانحة، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يربط استمرار تمويله لقطاع التعليم ورواتب السلطة الفلسطينية بإجراء مراجعات وتعديلات جذرية على الكتب المدرسية، ويصدر البرلمان الأوروبي قرارات سنوية- منشورة إعلامياً- تدين السلطة الفلسطينية وتتهم مناهجها بالتحريض على العنف والكراهية ومعاداة السامية، وبلغت هذه القرارات حداً غير مسبوق من الخطورة عبر التصويت بأغلبية كبيرة على ربط تمويل المدارس بتنقية المناهج من الرموز الوطنية وتغيير محتواها لصالح متطلبات الاحتلال المباشرة.

وتمثل الضغوط الخارجية والاشتراطات التمويلية محاولة لفرض السردية المعادية للشعب الفلسطيني على عقول الأجيال الناشئة وتجريد المنهاج من روحه الوطنية والوجدانية، وهذا يعني أن الرضوخ لهذه الإملاءات يعد تفريطاً بالسيادة الثقافية ومساهمة في غسيل الأدمغة وتدجين الطلاب لصالح تكريس الاحتلال وإطالة عمره، وجعله أبدياً، وتهميش الرواية التاريخية الفلسطينية التي بنيت عبر تاريخ طويل من التضحيات.

إن فلسفة (غوستاف لو بون) التي تؤكد أن التربية والتعليم هما الوسيلة الوحيدة للتأثير في روح الأمة وتشكيل مصيرها تكتسب في هذا السياق بعداً استراتيجياً فائق الأهمية؛ فإذا نجحت القوى الخارجية الداعمة للاحتلال، والغاضة الطرف عن كيانية الشعب الفلسطيني السياسية والثقافية والحضارية في فرض مناهجها المدجنة، فإن النتيجة الحتمية ستكون ضياع الهوية الوطنية وانهيار روح المقاومة والصمود لدى الأجيال القادمة، ما يؤدي إلى حدوث أزمة هوية تعقبها أزمة وعي تنتهي بضياع الحقوق والوجود الفلسطيني بالكامل، لأن أحد أهم أهداف المنهاج- في أية دولة- هو صقل أبناء الشعب الواحد تحت نفسية وعقلية واحدة تحكمها أهداف عليا، تسعى الدولة بكل مفاصلها إلى تحقيقها، وما التربية والتعليم إلا حلقة من تلك الحلقات، بل إنها أهم حلقة لأنها تعمل مع القطاع الحيوي في الشعب، قطاع الطلاب وصناع العقول، وهم طاقات المستقبل وكوادره.

لذلك، يصبح التمسك بمنهاج وطني غير خاضع لمعايير الاحتلال، يعبر بأمانة عن مصالح الشعب الفلسطيني وتاريخه ونضاله العادل وراهنيته التي يعيشها، ضرورة وطنية ملحة ومقاومة بيداغوجية مشروعة لرفض كل أشكال الوصاية والتبعية الاقتصادية والسياسية، ولا بد ألا يتسامح المسؤولون في هذه القضية بتاتاً، لأن التعليم كذلك- عدا أهدافه البراغماتية- فإنه يسعى إلى تعزيز الكرامة بجانب الاستقامة الأخلاقية في نفوس المتعلمين.

ومن جانب آخر، لقد شهدت العقود الأخيرة تحولاً جذرياً في طبيعة المعرفة الإنسانية وكيفية تداولها؛ فلم يعد الطالب أو المجتمع المدرسي يعاني من ندرة المعلومات أو صعوبة الوصول إليها. وبات العالم أجمع يعيش في ظل ما أسميه "تدفق رقمي معلوماتي" هائل ومتواصل جعل المعرفة الإنسانية متاحة بنقرة زر واحدة عبر الشبكات العنكبوتية والمنصات الرقمية المتعددة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، هذا الواقع الرقمي المستجد يفرض سقوط النموذج التعليمي التقليدي القائم على حشو الأدمغة واستهلاك المعلومات الجاهزة، لأنه لا فائدة منه.

إن حاجة الطالب المعاصر في فلسطين وفي غير فلسطين لم تعد تكمن في امتلاك المعلومة، بل في القدرة على تنمية مهاراته وملكاته النقدية للتعامل مع هذا الفيض المعلوماتي الهائل، وهو ما يعرف بـ"إدارة المعرفة"، وتشمل هذه الإدارة القدرة المنهجية على اكتساب وخلق المعرفة، وتخزينها، وتنقيتها، ونقلها، وتطبيقها بوعي وفاعلية لمواجهة تحديات الواقع المتسارعة، والبناء عليها، وتطويرها، وضمن هذا السياق لا بد من اعتماد أنظمة تقويم مختلفة تتماشى وهذا الأفق.

ويتطلب التحول من التعليم البنكي التراكمي إلى نموذج إدارة المعرفة والتعلم التنظيمي صياغة أهداف تربوية كبرى تسعى لتحقيق منفعتين عظيمتين، وهما المنفعة الحياتية، والمنفعة الاقتصادية، وفي ما يخص الأولى فإنها ترتبط بتدبير الشؤون اليومية، إذ تستند هذه الغاية إلى بناء قدرات الطالب وتمكينه الشخصي عبر تزويده بحزمة من المهارات الحياتية الجوهرية التي تمكنه من الاندماج الفعال في محيطه الاجتماعي السوسيو-اقتصادي، وتنقسم هذه المهارات إلى أبعاد رئيسية متكاملة تهدف إلى صقل شخصية التلميذ عقلياً، وجسدياً، ووجدانياً، منها البعد المعرفي والذاتي ليتم التركيز على تحقيق الذات والتمكين الشخصي من خلال مهارات إدارة الذات، والصمود النفسي، والتواصل المرن والمؤثر، والبعد الاجتماعي والأخلاقي لترسيخ قيم العدالة الاجتماعية، والتسامح الديني، واحترام التنوع الثقافي، والتعاطف مع الآخر المختلف، بالإضافة إلى هذين البعدين لا بد من توافر مهارات التفكير والتحليل النقدية، ليتمكن الطالب من تفكيك الخطاب الإعلامي والسياسي، وفرز المعلومات الحقيقية من المضللة، ومواجهة ضغوط الجماعة أو الحشود برأي عقلاني مستقل لا يقع فريسة للعدوى أو الإيحاء، تلك الأدوات التي حذر منها (لو بون)

وأما المنفعة الاقتصادية وتطوير الشؤون المعيشية الأخرى فيهدف هذا المسار إلى تكييف الطالب مع مقتضيات اقتصاد المعرفة والتنمية المستدامة، بحيث يتحول التعليم من إنتاج عمال يطلبون الوظائف الحكومية المكتبية الفائضة عن الحاجة، إلى بناء رواد ومبتكرين يمتلكون المهارات الفنية والتقنية والذهنية اللازمة للتنافسية المستدامة والتوظيف الذاتي، وبناء مشاريع اقتصادية ذاتية ابتكارية، تسهم في حل مشكلات الفقر والبطالة، وتتضمن مهارات القدرة على التوظيف والتأثير الاقتصادي مهارات العمل الجماعي التعاوني، والمجازفة المدروسة وصنع القرار الصائب، والقدرة على التفكير خارج الصندوق، وبذلك فإنها تحقق الرفاهية المادية والاجتماعية للمجتمع نفسه، وتحقق غايتيها الكبريين على الصعيد الشخصي؛ تحقيق الذات والرضا عنها والحصول على الثروة، ما ينعكس بالضرورة على السلوك الاجتماعي السوي والتفكير العقلاني.

إن هذا التحول البيداغوجي يقدم الرد العلمي الأمثل على شكوى (لو بون) من عقم الكتب المدرسية والامتحانات التعسة، فالكتاب المدرسي لا يعدو كونه معجماً مرجعياً، وقيمة التعليم الحقيقية لا تكمن في نقل فصوله المطولة إلى دماغ الطالب، بل في تحرير طاقاته الإبداعية وتدريبه العملي والتقني الذي يجعله منذ سنوات شبابه الأولى قادراً على الإقدام والتصرف بكفاءة وفاعلية في شتى مجالات الإنتاج والحياة.

 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 40 مشاهدة

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,040,168

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021. وديوان "على حافّة الشعر: ثمّة عشق وثمّة موت"، دار البدوي، ألمانيا، 2022. وكتاب "الكتابة في الوجه والمواجهة"، الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2023. وكتاب "متلازمة ديسمبر"، دار بدوي، ألمانيا، 2023. وكتاب "في رحاب اللغة العربية"، دار بدوي، ألمانيا، 2023، وكتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، دار الرقمية، فلسطين، 2023. وكتاب "تصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمّان، 2023، وديوان "في أعالي المعركة"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2023، وكتاب "مساحة شخصية- من يوميات الحروب على فلسطين"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "الثرثرات المحببة- الرسائل"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور"، دار الفاروق للثقافة، نابلس، 2025، وكتاب "الصوت الندي- تأملات في الأداء والأغاني"، دار الرعاة وجسور الثقافية، رام الله وعمّان، 2025، وكتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق"، مكتبة كل شيء، حيفا، 2025. الإصدارات الإلكترونية: كتاب "في ذكرى محمود درويش"، الطبعة الثانية المنقحة، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني"، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "في النقد والنقد المضاد- على هامش كتاب "المشهد الروائي الفلسطيني"، إصدار شخصي، 2025، و كتاب " Translations About Firas Haj Muhammad"، ناشرون فلسطينيون، 2025، وكتاب "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993"، ناشرون فلسطينيون، 2025.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن هذه التجربة الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معي عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.