فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

الرسالة السابعة والأربعون

نحاربهم أيضاً بالأغاني والهاشتاج

فراس حج محمد/ فلسطين

الأربعاء: 26/5/2021

أسعدتِ أوقاتاً سيدتي الجميلة، أرجو أن تكوني بخير، وآمل أن تكون رسائل ما بعد الحرب قد وصلتك وقرأتها، وأن تكون قد أعجبتك. لا شيء جديد على صعيد الكتابة والقراءة غير هذه الرسالة. في ظل هذا الوضع أجمع كتباً إلكترونية. أقرأ فيها، ولم أجد فيها ما يشجعني على إنهاء أي كتاب منها. القراءة مملة بعد الحرب أيضاً. أخبرك أن كتابي "استعادة غسان كنفاني" قد دفعت به إلى دار النشر، لعله يكون جاهزا مطبوعاً بين يديك في ذكرى استشهاد غسان كنفاني التاسعة والأربعين. كم متلهّف على طباعة هذا الكتاب! لم يصلني إلى الآن شيء من "البروفات" للكتاب أو الغلاف.

لعلك لاحظت كما لاحظت أن للحرب تأثيرا فنياً جميلا، عدة أغنيات كانت رداً فنياً منظما على الحرب العشوائية، سمعت "ناي البرغوثي" و"فراس البوريني" و"محمد عساف" و"أحمد الكردي"، وعادت فرقة العاشقين في أغنية جديدة. لقد أثبتت هذه الأعمال الفنية كم كان للأثر الحربي من أهمية في عودة الفنّ إلى الحياة. تاريخ طويل من الأغنية الفلسطينية صنعته الثورة الفلسطينية في أوج تألقها ومدها الشعبي. ها هي بشائرها تطلّ من جديد. الثورة تصنع مزاجتتها الشعبية في أغاني الحب والحرب والحرية.

هذه ظاهرة جديرة بالملاحظة، وبعيداً عن تأمل الكلمات والمشاهد المصاحبة من صور، إلا أنها اتفقت جميعها على أن هناك أملاً، وأن هناك قوةً، وأن ثمة حياة بدت تدبّ في أوصال الشعب، على الرغم من الدمار.

ما زلت أتذكر قبل سنوات، عندما فاجأتني أنك قد كتبت كلمات أغنية، لقد أعجبتني تلك الكلمات وذاك الأداء أيضاً، والمشاهد المصاحبة لتلك الأغنية. الشعب الحيّ هو الشعب الذي يرى الأمل وسط غابة كثيفة من الحزن والألم. أليس كذلك؟

ظاهرة أخرى من ظواهر حرب غزة لهذا العام، لقد قصف الاحتلال المكتبات، أهم مكتبة في غزة، مكتبة سمير منصور، ليس هذه المكتبة فقط، إنما هناك مكتبات أخرى قصفت، وأحرقت، مشهد عظيم، لا أدري هل هو عفوي أم لا، عندما عرضت صورة لتلك المكتبات المدمرة، ليظهر فوق الركام كتاب غسان كنفاني "عائد إلى حيفا". هل تظنين أن المشهد عفويّ؟ ربما رتبته يد ما قبل التصوير، وبث التقرير على قناة الجزيرة. حتى لو كان مرتباً. إنه مشهد عظيم، يعيد إلى الأذهان سيرة غسان كنفاني هذا الكاتب الفلسطيني العظيم الذي راح ضحية العنجهية الصهيونية. إنها استعادة محمودة ولو كانت مرتبة، وذات دلالات قوية.

لا أعرف صاحب المكتبة، لكنه له فضل عليّ، لقد احتضن بعض كتبي، واستطاع القراء في غزة الحصول عليها من هناك: ديوان "وأنت وحدك أغنية"، وديوان "مزاج غزة العاصف"، وربما كتب أخرى. أليس من واجبنا إعادة إعمار المكتبة، بناء وكتباً؟

كل الغزاة الطغاة سيئون ويكرهون الكتب، وكثير منهم أحرق مكتبات ضخمة، إنهم يدمرون التاريخ والحضارة والذاكرة، منذ التاريخ الموغل في القدم والغزاة أعداء للكتب، قبل هولاكو وبعد نتنياهو سيظل الطغاة أعداء للكتب، لأن الكتب وحدها بمفهومها الشامل هي التي تحارب التطرف والتقوقع في "غيتوات" قاتلة، وترصد حركة الغزاة الوحشيين وتحاصرهم في إبراز وحشيتهم ليعرفها الأجيال ويلعنوهم.

على ما يبدو- يا عزيزتي- أن الحرب لم تكن حربا ذات شكل واحد، ثمة حرب إلكترونية علينا، ها هو موقع يوتيوب يحذف الكثير من المحتوى الفلسطيني، ليرد عليه الفنان محمد عساف، ويمتنع عن نشر أغنيته الجديدة في اليوتيوب. كانت الحرب الإلكترونية أيضاً حرب "هاشتاجات"، وانضم موقع "جوجل" إلى الحرب وصنفت "الكوفية" رمزا من رموز الإرهاب كعلم داعش والحجاب. يا لهم من عُمْي، ومتطرفين وعنجهيين وعنصريين ودكتاتوريين! أي عالم سيئ هذا الذي صنعوه؟ إنهم شركاء على الدرجة نفسها بما صنعه القصف الوحشي من قتل الأطفال والنساء والمدنيين وأحرقوا الكتب.

ما أشبه اليوم بالبارحة، قبل سنتين كتبت على الفيسبوك هذا المنشور الصغير: "تخيلوا العالم العربي والإسلامي والدولي مجمع على قهر الشعب الفلسطيني". نعم إنه الإجماع نفسه الذي يريد للفلسطيني أن ينكسر في حرب 2021، ولولا الهبات الجماهيرية العربية والدولية لرأيت أنّ "ألسنتهم وخناجرهم علينا". يبدو أن لا حل للفلسطيني ولا نصير له إلا هو نفسه.

لا تظني أن الحرب قد انتهت، فقط الصواريخ هي التي قد توقفت، لكن الحرب ما زالت مشتعلة، وها هي كل يومٍ تستعرُ أكثر من اليوم الذي قبله. عاد الإسرائيليون الصهاينة إلى ديدنهم، إلى عنجهيتهم، إلى القتل والاعتقال والمصادرة. تمنيت أن لو لم يتوقف ضرب الصواريخ، يا ليتهم كانوا حطام تلك الصواريخ. إنهم لا يعرفون معنى الراحة ولا معنى السلام. ولا يريدون لأحد أن يرتاح، إنهم يسعون إلى تدمير العالم، بالفعل إنهم يسعون إلى تدمير العالم.

وأخيراً: لا أريد أن أثقل عليك القراءة والوجع، أتمنى أن أرى منك ما يفاجئني بعد كل هذا الصمت الطويل العمر.

أحبّك. على أمل اللقاء قريباً.
تحياتي الخالصة من قلبيَ المشتاق...

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 59 مشاهدة
نشرت فى 26 مايو 2021 بواسطة ferasomar

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

266,178

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021.

حررت خمسة كتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن تجربته الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معه عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.