authentication required

عدوى الثورة والخصوصية السورية



غالب قنديل 

في زحمة الحديث عن عدوى الثورة المصرية والتونسية يدور نقاش عن الأماكن والساحات المرشحة لتشهد تحركات شعبية غاضبة تفضي إلى تغييرات سياسية بطبيعة السلطة، وقد برز خلال الأيام الماضية منذ اندلاع الثورة المصرية حتى نجاحها في تنحية مبارك، أن دولا كاليمن والأردن والبحرين ماجت بتحركات شعبية كبيرة ودعوات لانتفاضات على الطريقتين التونسية والمصرية، في حين فشلت محاولة قامت بها مجموعات سورية من الخارج بواسطة رسائل الكترونية ومجموعات أنشئت على الفيسبوك تبين أن محركيها ومديريها يتحركون في لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة واستراليا وشمال العراق وهم كناية عن جماعات مخابراتية عملت في صفوف قوى 14 آذار و صدر بعضها عن منتديات تتصل بتيار المستقبل والقوات اللبنانية وجهدت لتخريب الوضع السوري خلال السنوات الماضية. 
أولا: إن طبيعة الثورتين التونسية والمصرية وملامحهما تشير إلى يقظة وطنية تنطلق من رفض الأنظمة العميلة التي تلعب دورا وظيفيا في خدمة الهيمنة الاستعمارية على المنطقة، والتي جسدت خيارات اقتصادية وسياسية قامت على القهر والاضطهاد بناء على أجندة أجنبية تلخصها وصفات الخبراء الأميركيين و البنك الدولي و صندوق النقد. 
والظروف الموضوعية الناتجة من هزائم الحلف الاستعماري الأميركي ـ الإسرائيلي هي التي شكلت المناخ الثوري الملائم لقيام الانتفاضات، وحيث ينطبق هذا التوصيف ستكون البيئة مناسبة لانتقال العدوى الثورية ولكنها ستحمل معها الخصوصية السياسية والثقافية للبلدان والساحات التي ستقوم فيها، وبالتالي فميدان انتشار العدوى هو بالتحديد مجموعة الدول التي سمتها كونداليزا رايس بالمعتدلة وجرجرها الأميركيون خلفهم طيلة السنوات الماضية وبالذات منذ احتلال العراق والحربين الإسرائيليتين على غزة ولبنان وهي أنظمة تورطت في المؤامرات الأميركية - الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة بمشرقها ومغربها، في حين أن الرئيس الأسد ونظامه السياسي هو في صلب قيادة قوى المقاومة التي صنعت هذا التحول. 
ثانيا: لقد نزل السوريون بالملايين إلى الساحات والميادين دفاعا عن سورية قبل سنوات قليلة والتفوا من حول الرئيس بشار الأسد الذي قاوم الغزوة الأميركية وتمسك باحتضان حركات المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، ولكن أحدا من سورية لم يلب الدعوات التي استهدفت النظام مؤخرا وتوهم أصحابها أنهم قادرون على الاستفادة من مناخ الثورتين المصرية والتونسية لأهداف تخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية في الضغط على دمشق وخيارها القومي التحرري ، وقد كتبت الصحف العربية والعالمية في تقارير مراسليها أن نقاط التجمع التي حددت لم يكن فيها يومي 4 و 5 شباط سوى رجال الأمن وبعض الصحافيين الذين لم يجدوا متظاهرا واحدا يتحدثون إليه . 
الموقف الذي اتخذه الشعب السوري وشباب سورية بالذات من حملة الرسائل الإلكترونية التي تلقوها وبعض مجموعات الفايسبوك التي تصدت لها مجموعات أخرى من الشباب على ذات الشبكة، هو أمر طبيعي ومتوقع، فالشعب السوري المعروف بروحه القومية والوطنية العالية عاش حالة من النهوض والتحفز، منذ استهداف سورية بعد احتلال العراق وإثر تحرك المشروع الأميركي نحو لبنان بواسطة القرار 1559 وما أعقبه من أحداث، وحيث نجح الرئيس بشار الأسد بجدارة في قيادة مواجهة صعبة انتصر في حصيلتها على الغزوة الأميركية ـ الإسرائيلية. 
هذا الالتفاف الشعبي حول الرئيس الأسد الذي حول سورية إلى قوة فاعلة في المنطقة تقود مسيرة التحولات الإستراتيجية الكبرى وتحتضن حركات المقاومة، لا ينفي تبني العديد من القطاعات الشعبية في سورية لتطلعات وآمال تتصل بالإصلاحات والتغييرات الداخلية التي وعد بها الرئيس الأسد مؤخرا عندما تحدث عن الثورة المصرية وقال بحق إن الثورات تقع حيث توجد سلطة لا تعبر عن هوية الشعب وعن إرادته الوطنية والقومية. 
ثالثا: لقد رفضت سورية خلال العشرين سنة الماضية ، وخصوصا في العقد الأخير جميع الوصفات الأميركية والغربية المتضمنة لائحة الخصخصة وتصفية القطاع العام وسياسة اليد المرفوعة إزاء التقديمات الاجتماعية، وبالتالي فإن الوضع السوري من الزاوية الاقتصادية الاجتماعية مختلف تماما عن حال الدول التي شهدت عملية سحق شاملة للطبقات الوسطى والفقيرة في حين تشغل الطبقة الوسطى السورية حجما أساسيا في تكوين المجتمع وتحظى الطبقات الفقيرة بمجالات رعاية خاصة تتولاها الدولة، على الرغم من مظاهر التضخم وارتفاع الأسعار التي يشكو منها بعض السوريين، فما زال التعليم والطبابة في سورية متاحان مجانا للفئات الشعبية، وما زالت مؤسسات القطاع العام قائمة في مجالات الإنتاج رغم الكثير من المثالب التي تستدعي إصلاحا من هنا أو هناك، والرئيس الأسد هو من يعين وجوهها ومواطنها بجرأة لافتة. 
رابعا: إن الرئيس بشار الأسد، زعيم شاب يحمل قدرة مذهلة على الصعيدين الفكري والاستراتيجي وهو يمثل رمزا للكرامة القومية ولخيار المقاومة في الفضاء العربي وهو صاحب مشروع قومي تاريخي واقعي جسدته الشراكات التي أنشأها بالفعل ، ضمن مفهوم المنظومة الإقليمية للتحرر والاستقلال، ومن خلال النطاق الواسع لطريق الحرير وأحواض البحار الخمسة العابرة لثلاث قارات كبرى يتوسطها الوطن العربي. 
فالدكتور بشار الأسد مؤهل بجدارة ليكون أبرز الزعماء ورجال الدولة العرب في المرحلة المقبلة مع تبدل المناخ القومي بعد انتصار الثورتين الشعبيتين في مصر وتونس، وما سيليهما من نهوض جماهيري عربي، ولذلك تكتسي أهمية كبيرة في المرحلة المقبلة، طبيعة الأجندة الوطنية التي سينفذها الرئيس السوري، لتستكمل ملامح مشروعه على الصعيد الوطني برؤية اقتصادية اجتماعية سياسية حديثة تستلهم دروس التجارب وتعكس المصالح الوطنية القريبة و البعيدة. 
خامسا: يعلم السوريون بسوادهم الأعظم حقيقة القوى المحركة للحملة التي استهدفتهم مؤخرا وحاولت تقليد النموذجين التونسي والمصري، فالمنشقون السوريون الذي يتحركون من الخارج تحت لواء ما سمي بالمعارضة التي يتزعمها أشخاص نبذهم الشعب السوري وكشفهم لصوصا وعملاء للأجنبي ومتآمرين على بلدهم في زمن المحن والمخططات الاستعمارية التي هب ملايين السوريين بدون أي دعوة لرفضها خلف رمزهم الرئيس بشار الأسد، أما عصابات الخارج من المرتزقة وعملاء إسرائيل فلا يحتاجون عناء البحث والتقصي عند أي سوري خصوصا بعض الجماعات اللبنانية التي نفثت أحقادا عنصرية ضد السوريين شعبا و قيادة. 
الأكيد أن القيادة السورية المحصنة بثقة الشعب وبخيارها التحرري لا تخشى النقاش والحوار داخل المجتمع وتحت سقف خيار الاستقلال والحرية والمقاومة في حين أن الدعوات المستوردة ستبقى كما كانت في الأسبوع الماضي معلقة بلا جدوى، مع أشباح أصحابها في ساحات لم يقصدها السوريون من سنوات، إلا ردا على عدوان أو احتفالا بانتصار <!--EndFragment-->

fauze

فوزي أحمد

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 48 مشاهدة
نشرت فى 14 سبتمبر 2012 بواسطة fauze

fawzi fawzi

fauze
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

154,734