<!--

<!--<!--<!--

الإعداد الفني للدعاة

يتضمن الإعداد الفني للخطيب المقومات العملية له وهي تنقسم إلى قسمين:-

أ‌)       مقومات اخلاقية عملية يتربى عليها الخطيب.

ب‌)  مقومات فنية عملية.

أ‌)      المقومات الأخلاقية للخطيب:-

الخطيب بمركزه الخطير والمؤثر في المجتمع قدوة يقتدي الناس بها، ومثل يحتذونه، ولهذا كان من المهم جداً أن تظهر عليه أخلاق الإسلام الفاضلة، ولربما كانت القدوة لها من الأثر ما لا تبلغه آلاف الخطب، وإذا كان الرسول r يقول: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَىَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ». قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: «الْمُتَكَبِّرُونَ». فهل هناك أحد جدير بهذا أكثر من الخطباء؟

ولذلك لابد من تربية الخطيب الداعية على دستور الأخلاق الإسلامي لينشأ ومعه كل مقومات الأخلاق الحسنة اللازمة له في عمله ، وألخص هذه المقومات والصفات كما يلي:-

عقيدة السلف الصالح فلا يكون مشبها ولا معطلا بل يصف الله عزل وجل بما وصف به نفسه أو وصفه نبيه r.

2- الثقة بالنفس وسداد الرأي:-

كثير من الناس حينما يكلفون بالخطبة، يشعرون بأنهم حملوا أمرا فوق طاقتهم، ويضمون إلى هذا الإحساس عجزا واضحا حين إلقاء الخطبة، حيث يصابون بالاختلال العصبي فيحمر لونهم، ويبلهم العرق، ويصيبهم فزع شديد، وذلك كله ناتج من عدم الثقة بالنفس وهو يرجع في رأيي إلى عدة أمور:

1- قلة الدراية بفن الخطابة وما يتطلبه من الخطيب، مع قلة الدُّربة على مواجهة الجماهير، ولذلك أوصي القائمين على إعداد الخطباء بتلافي هذه العيوب، بتمرين الناشئة على مواجهة الجماهير، برباطة جأش وقوة تحمل.

2- عدم تحضير الخطبة، لأن سداد الرأي الذي نتحدث عنه لا يكون إلا بدراسة موضوع الخطبة دراسة جيدة، حتى لا يتعرض الخطيب لما لا يتقنه ولا يخوض في حديث ليس له به علم.

3- ضحالة الثقافة وقلتها، وذلك أمر بدهي يظهر واضحا أمام الجماهير فقليل الثقة، أو خاوي الوفاض منها، يصعد المنبر فيبدو للناس مهزوزا لا تثبت له قدم ، تدل حركاته العشوائية على تخبطه وعدم ثقته بنفسه، أما واسع الثقة طويل الباع فيها فيخطو تجاه المنبر في ثقة بالله ثم بنفسه، فيلحظ الناس في كلامه سداد الرأي مع قوة الحجة، وجمال العرض، ورباطة الجأش وهذا كله لا يخفي أثره الشديد في عمل الخطيب.

3- مهارة التودد للسامعين :

وهو ما يعرف بالمشاركة الوجدانية، ويتم هذا الخلق للخطيب بما يلي :

أ- التواضع للناس :

ب- أن يألفهم ويألفوه فلا يكون جافيا خشنا قاسيا، بل يكون رقيق القلب، سليم الطوية.

جـ- ويظهر لهم أنه يسعى لمصلحتهم وأنه يؤثرهم على نفسه.

د- وأن يظهر أنه لا غرض له شخصيا فإن الغرض إذا ظهر من الخطيب جعل الريبة تتطرق إلى قوله.

هـ- أن يشاركهم حياتهم في الخير والمعروف، ليشعر بشعورهم وينقل آراءهم، وينفعل معها ويعرف تقاليدهم وأحوالهم، وهو في هذه المشاركة لا يفضل غنيا على فقير ولا رئيسا على مرؤوس، الجميع واحد، والفضل للأتقياء.

و- إن هذه المشاركة تضفى إحساسا عمليا له قوته في الوصل والتأثير، ومن المعروف أن المشاركة الوجدانية هي الرباط الحقيقي الذي يصل القلب بالقلب، ويربط العقل بالعقل، وبالجسم وبالروح وهي التي تنشئ كل التصرفات والسلوك. وبهذا يحتل الخطيب مكانة عليا بين الناس، ويقدمونه عليهم، وينهجون نهجه وما حدث ذلك إلا بعد أن تأكدوا من حبه لهم، وإخلاصه لمصلحتهم. ومن هنا ندرك كيف أن الإسلام ترك أثرا ضخما في نفوس خطبائه، بتمثلهم ما في القرآن من هذه المعاني التي يزخر بها، ومنها ما يمدح به الأنصار لوضوح هذه الصفة فيهم قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9).

وبتمثلهم سيرة رسول الله r الذي يطمئن رجلا صافحه فخافه وهابه فيقول له: « أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة».

وبتمثلهم تراث الأجداد، ومنه خطبة يزيد بن الوليد بن عبد الملك التي قال فيها: «يا أيها الناس والله ما خرجت أشراً ولا بطراً، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء لنفسي. وإني لظلوم لها، ولقد خسرت إن لم يرحمن ربي ولكنني خرجت غضبا لله ولدينه، وداعياً إلى الله وسنة نبيه، ولما هدمت معالم الهدي وأطفئ نور النبوة، وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، مع أنه- والله- ما كان يؤمن بيوم الحساب، ولا يصدق الثواب والعقاب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفئي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته ألا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد بحول الله وقوته لا بحولي وقوتي».

وهذا يظهر أثر هذا التودد، وهذه المشاركة الإيجابية في نجاح الخطيب.

4- العمل بعلمه :

العمل بالعلم خلق لابد منها للخطيب، حتى لا يكذب فعله قوله، ولا يخالف ظاهره باطنه، بل لا يأمر بالشيء، ما لم يكن هو أول عامل به، ولا ينهي عن الشيء ما لم يكن هو أول تارك له ليفيد وعظه، وإلا انعكس الأمر ففقد وعظه مكانته في النفوس، وسقط الخطيب من أعين الناس.

والقرآن يحذر من إهمال العمل بالعلم فيقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)(الصف:2-3)، وقال سبحانه: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (البقرة: 44).

قال حجة الإسلام الغزالي- رحمه الله عليه- فيما كتبه إلى أبي حامد أحمد بن سلام بالموصل: «أما الوعظ فلست أري نفسي أهلاً له لأن الواعظ زكاة نصابه الاتعاظ، فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة؟ أ.هـ. نعم فاقد النور كيف يستنير به غيره؟ ومتي يستقيم الظل والعود أعوج؟ ولذلك قيل في المعني:

يا أيها الرجل المعلم غيره

 

هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا

 

كيما يصح به وأنت سقيم

ونراك تصلح بالرشاد عقولنا

 

 أ بدا وأنت من الرشاد عديم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

 

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يسمع ما تقول ويشتفي

 

بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

 

عار عليك إذا فعلت عظيم

 

وقال أبو العباس الأعمى :

إذا وصف الإسلام أحسن وصفه

 

 

بِفِيهِ، ويأبي قلبُه ويُهَاجِرهُ

وإن قام قال الحقَّ ما دام قائماً

 

 

تَقيّ اللسانِ كافرٌ بعدُ سائره

5- الإخلاص والصدق :

لابد أن يكون الخطيب مخلصا لله، صادقا في كل عمله، يقول الإمام ابن كثير في تفسير سورة الكهف: «إن الله لا يقبل العمل إلا بشرطين:

أولهما : الإخلاص لله فيه قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110).

ثانيهما : كونه موافقا لما شرعه الله تعالى... ويتجلي ذلك المعني في حديث رسول الله r  الذي رواه أبو هريرة t وأرضاه: قال سمعت رسول الله r  يقول: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ».

ويتحقق الإخلاص عند الخطيب الداعية في أن لا يريد بدعوته إلا وجه الله فلا غرض له في الحصول على مكانة اجتماعية مرموقة بين الناس على حساب دينه، ولا يهمه كثيراً أن يكون مشهوراً أو أن يكون مغموراً بين الناس، ولا يهتم بثناء الناس أو مدحهم. فمثل هذه الأشياء لا تأخذ من حيزه الفكري شيئا، لأنه مشغول بدعوته وخطبته عن النظر إليها.

6- القناعة والعفة واليأس مما في أيدي الناس :

إن الخطيب إذا نظر إلى ما في أيدي الناس، صار لديهم محقراً ممقوتاً، تقيلاً مرذولاً وهان عليه كل ما يلاقيه من أنواع الذلة، في سبيل الحصول على ذلك الحطام الفاني، وهذا بلا ريب هو السقوط الذي لا خلاص منه، والفقر الذي لا غني معه. أما إن كان عفيفاً قانعا، علا في أعين الناس وصدق رسول الله r  فيما رواه سعد بن أبي وقاص أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني وأوجز، فقال: «عليك باليأس مما في أيدي الناس فإنه الغني، وإياك والطمع، فإنه الفقر الحاضر، وصل صلاتك وأنت مودع، وإياك وما يُعتذر منه».

ولقد أعجب المنصور «بعمرو بن عبيد» القدري، ومدحه مدحا لم يحظ به أحد من الناس فقال فيه:

كلكم يمشي رويد              كلكم يطلب صيد

غير عمر بن عبيد

ومن المؤسف أن هناك نفراً من الممتهنين للشحاذة، رأوا في الظهور بمظهر الوعاظ وسيلة رابحة، فانطلقوا يجوبون الديار يدعون إلى الله ليأكلوا، ويسألوا الناس الفضلات من أموالهم، فيجلبون لأنفسهم الذل ولدعوتهم الخيبة.. وقد حدثني بعض الدعاة الصادقين الذي كانوا يجوبون القري، أنهم كانوا يلقون إعراضا من أهل القرية في بادئ الأمر وامتهاناً، لأن الناس هناك حسبوهم مثل أولئك الدجالين الذين تسولوا باسم الوعظ ولذلك يقول القاضي «عبد العزيز الجرجاني» في هذا المعني:

يقولون لي فيك انقباض وإنما

 

رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

أري الناس من داناهم هان عندهم

 

ومن أكرمته عزة النفس أكرما

ومازلت منحازا لعرضي جانباً

 

من الذم أعتد الصيانة مغنما

وإذا قيل هذا مشرب قلت قد أري

 

ولكن نفس الحر تحتمل الظما

وما كل برق لاح لي يستفزني

 

ولا كل أهل الأرض أرضاه منعما

وأقبض خطوي عن أمور كثيرة

 

إذا لم أنلها وافر العرض مكرما

وأكرم نفسي أن أضاحك عابسا

 

وأن أتلقي بالمديح مذمما

ولم أقض حق العلم إن كان كلما

 

بدا طمع صيرته لي سلما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي

 

لأخدم من لاقيت لكن لأخدما

أأشقي به غرسا وأجنيه ذلةً

 

إذا فإتباع الجهل قد كان أحزما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

 

ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أذلوه جهاراً ودنسوا

 

محياه بالأطماع حتى تجهما

7- التواضع :

وهو من أهم الصفات للداعلية فيحبب الناس فيه ويجمعهم حوله، أما الكبر والغرور، فإنه يؤدي إلى نفرة الناس. عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لله إِلاَّ رَفَعَهُ الله»، قال عمر بن الخطاب t وأرضاه: «تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ليتواضع لكم من تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم».

8- الصبر والحلم والرحمة بالمدعوين :

ليس طريق الدعوة معبداً، ولا مفروشا بالطنافس، ولا مكتنفاً بالورود والرياحين، إنه على العكس طريق صعب وعر، تملأه العقبات والأشواك إنه طريق الجهاد، واحتمال الأسي والتعب، ومن ثم يقول لقمان لابنه في معرض وصيته (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17) ومع اصطحاب الصبر، لابد من الحلم وسعة الصدر، والرحمة بالمدعوين.

والسيرة النبوية مملوءة بالأمثلة الكثيرة على ذلك.

والقرآن الكريم، يبين أن الله لما أرسل موسي وهارون إلى فرعون الجبار العنيد قال لهما: (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:44). ولذلك وعظ أحد الناس أحد الخلفاء فأغلظ له فقال الخليفة: هون عليك يا هذا، لقد بعث الله من هو أفضل منك، وهو موسي، إلى من هو أشر مني، وهو فرعون، ومع ذلك قال تعالى: (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً) فلن تبلغ درجة موسي، ولن أنحدر إلى درجة فرعون.

9- الجرأة والشجاعة :

وهي صفة مهمة للخطيب الداعية، حتى لا يهاب أحداً في الجهر بالحق، ولا تأخذه في نصرة الله لومة لائم. ففي حديث عبادة بن الصامت t قال: «بايعنا رسول الله r  على أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» إذن فالخطيب لابد أن يكون شجاعاً في حلم قوياً في رحمة.

10- مهارة مراعاة أحوال السامعين وملاحظة الروح الجماعية فيهم :

إن صناعة الخطابة شأنها الاتصال بنفوس من يخاطبهم الداعية، والقرب من قلوبهم، والناس مختلفون مشارب وعادات، وأخلاقاً وسناً، ومهنة ومرتبة، ولكل طائفة من الناس أحوال تقتضي نوعاً من الخطاب، لا تقتضيه أحوال الجماعة الأخرى، وعلى الخطيب أن يلبس لكل حال لبوسها ويعالج كل طائفة بأنجح دوائها. فالشباب يثير حماسهم، ويوقظ قلوبهم، ويؤدي إلى إقناعهم، كلام لا يثير عاطفة الشيوخ، لأن المناسب لهؤلاء نوع غيره، فعلي الخطيب أن يقصد إلى النوع الذي يوافق الجماعة، شيوخاً أو شباباً أغنياء أو فقراء، مثقفين أو أميين، رجالاً أو إناثاً. وينجح الخطيب في ذلك، إذا درس الجماعة دراسة عميقة متغلغلة وأن يعرف حالها معرفة الخبير الدقيق النظر وأن يكون كلامه على صورة ملائمة لأخلاقها ومألوفها. «وعلى الخطيب الداعية أن يلاحظ الروح الجماعية في المستمعين، لأن أهم ما تتميز به الجماعة، أنها لا تسير دائماً تبعاً لعقل الفرد، وإنما يتحكم فيها اتجاه يعرف بالعقل الجمعي، وهذا العقل الجمعي يحول الفرد الضعيف، إلى قوي قوية مع الجماعة، وينقله من إنسان سلبي، إلى آخر إيجابي، يشارك في العمل، ويندفع في التنفيذ، فعلي الخطيب أن يلاحظ ذلك، ويستثير الجماعة بهذه الروح، وذلك العقل. وليس ذلك بشاق عليه إذا استعمل الأساليب المثيرة المشوقة- من شرط واستفهام وقسم وتوكيد».

 

ب- المقومات الفنية العملية للخطيب:-

بعد الحديث عن المقومات الأخلاقية العملية اللازمة للخطيب التي لا يمكن أن ينجح بسواها يأتي الحديث عن المقومات الفنية اللازمة له وهي:-

1- سرعة البديهة وقوة الذاكرة والملاحظة:

هي موهبة فنية تسعف الخطيب في المواقف الحرجة وتمكنه من حسن العمل وهذه الموهبة يمكن تنميتها بكثرة القراءة وسعة الاطلاع والدراسة والمران وقوة الملاحظة والجنان والخطيب يحتاج غلى حسن الذاكرة وقوتها ليتحكم ويتمكن من أداء رسالته، ذلك لأن الذاكرة الضعيفة تنسى كثيراً من المعارف وتضر كثيراً من العبقريات، لأن الخطيب د يكون مثقفاً غزير المادة واسع الاطلاع ومع ذلك إذا صادفه موقف حساس ارتج عقله وخانته الذاكرة، والأمثلة على ذلك كثيرة أورد بعضها للاستشهاد:

* خطب مصعب بن حيان أخو مقاتل بن حيان خطبة في نكاح، فحُصر فقال: لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله. فقالت أم الجارية: عجل الله موتك وأراح منك... ألهذا دعوناك. وصعد وازع اليشكري المنبر يوم جمعة فلما رأي الناس هابهم فحصر، فقال: لولا أن امرأتي حملتني على إتيان الجمعة، ما جئت وأنا أشهدكم أنها طالق ثلاثا ثم نزل. وصعد بعض الخطباء المنبر فحصر، قال: الحمد لله فقالها تكراراً فقال بعض من حضر على ما أبلانا منك فإنه لا يحمد على المكروه غيره ثم ولى وهو ينشد:

<!--

<!--<!--[if gte mso 9]><xml> <w:LatentStyles DefLockedState="false" DefUnhideWhenUsed="true" DefSemiHidden="true" DefQFormat="false" DefPriority="99" LatentStyleCount="267"> <w:LsdException Locked="false" Priority="0" SemiHidden="false" UnhideWhenUsed="false" QFormat="true" Name="Normal" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" SemiHidden="false" UnhideWhenUsed="false" QFormat="true" Name="heading 1" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 2" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 3" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 4" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 5" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 6" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 7" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 8" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="9" QFormat="true" Name="heading 9" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 1" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 2" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 3" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 4" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 5" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 6" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 7" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 8" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="39" Name="toc 9" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="35" QFormat="true" Name="caption" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="10" SemiHidden="false" UnhideWhenUsed="false" QFormat="true" Name="Title" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="1" Name="Default Paragraph Font" /> <w:LsdException Locked="false" Priority="11" SemiHidden="false" UnhideWhenUsed="false" QFormat="true" Name="Subtitle" /> <w:LsdExce

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 46 مشاهدة

عدد زيارات الموقع

1,952