Dr. Maher Elsawaf

الطريق إلي التقدم والتنمية يقوم علي العلم والمعرفة وحرية التعبير

 

 التقدم وإعادة هندسة الفكر الإنساني 

د. محمد ماهر الصواف

مازالت كثير من  الدول النامية تعيش  في بحر من التخلف وذلك مقارنة بالدول المتقدمة التي تعيش في مستويات عالية من التقدم العلمي والتكنولوجي ، ويعتقد الكثير من المفكرين والعلماء أن التخلف ما هو إلا نتيجة  لتأخر الدول النامية  في الانتقال إلي الحداثة وإعادة النظر في الفكر التقليدي .

 

فالحداثة ساعدت أوروبا علي إعادة هندسة الفكر الإنساني، بمعني تغيير المخزون الفكري لدي الإنسان وتهيئته لتقبل الواقع الجديد وما يطرأ عليه من تغيرات، وحررت العقل للإنطلاق الفكري دون أي حدود أو قيود. وهكذا فهي حركة تسعي للتنوير وتغيير الفكر التقليدي بشكل جذري وليس الترميم الجزئي طالما ثبت صعوبة إحداث التطوير والتقدم مع هذا الفكر. فكما يقول أحد المفكرين أنه (عندما يكون الشخص مكبلاً بالسلاسل الحديدية منذ طفولته سيعتقد أن هذه السلاسل جزء من جسده وأنه يحتاج إليها كي يتمكن من أن يستمر في الحياة) . وتوضح هذه المقولة انه إذا ما قيد العقل , وسيطرت عليه الخرافات والتقاليد أصبح غير قادر علي فهم الواقع ، ومتغيراته ، ومتطلباته ، ففي هذه الحالة تبدو اهمية إعادة هندسة الفكر الإنساني.

 

وقد نمت الحداثة في أوروبا منذ نهاية العصور الوسطي وأصبحت بعد مرور ما يقرب من مائتي عام جزء من الثقافة المجتمعية ، وترسخت في النسيج المجتمعي وأصبحت مستقرة في تفكيرهم وسلوكهم. ويمكن القول ان من أهم الأسس التي دعمت التوجه نحو الحداثة في أوروبا ما يلي :

 

 

  1.  -   انتشار ثقافة تجديدية ثورية مناهضة للنظم القديمة والتقليدية ، وتشجع علي استعمال العقل والمناهج العقلانية والأساليب العلمية عند تعامله مع التراث والتاريخ .
  2. -   الدفاع عن حرية العقيدة والتحرر من سيطرة رجال الدين، وإعلاء القيم الأخلاقية في المعاملات والعلاقات الإنسانية ، وقبول الغير واحترامه ، ورفض تقسيم المجتمع إلي فرق وجماعات علي اسس قبلية أو طائفية او دينية ، والتأكيد علي أن العلاقة بين العبد وربه مباشرة دون ما حاجة إلى خدمات رجال الدين وغيرهم ممن يدعون علمهم بصحيح الدين.
  3. -  تنمية قيم المواطنة ، وثقافة الحق والواجب وفق تعاقدات مدنية وسياسية متوافق بشأنها. وتشجيع الانضمام الطوعي لمنظمات المجتمع المدني .
  4. -  الإيمان بالقدرات الذهنية المبدعة للإنسان وتنميتها، والسعي إلي خروج العقل من حالة القصور التي فرضت عليه ، والاعتراف بحقه في التفكير والحياة كما يشاء .. لا كما يُشاء له ، وتشجيعه لاستخدام العقل دون هداية الآخرين ، والتسليم بأن العقلانية هي هي المعبرة عن  الذات، ومن خلالها فقط يستطيع الفرد ابتكار الحلول لمشكلات الحياة بإرادته وبالتعاون الاختياري مع الغير.
  5.  الحيلولة دون التسلط وإنفراد الحكام بالسلطة، والدفاع عن الحقوق الطبيعية الإنسانية من خلال دولة القانون، إنطلاقا من أن "كل من له سلطة يميل إلى إساءة استعمالها" (مونتيسكيو) ، لذا يجب العمل علي حماية حرية التعبير ودون قيود سياسية أو مجتمعية او دينية، وفى حدود ما تسمح به القوانين ،  
  6.  الاهتمام بالعلم والتجديد ، وإعادة النظر في المسلمات التقليدية ، والنظريات العلمية السابقة، والاعتماد علي المنهج التجريبي والحسي في البحث العلمي.

 

ويلاحظ ان هذه الأسس التي اعتمدت عليها الحداثة في أوروبا ساعدت علي إحداث تحسن ملحوظ في التمسك بالأخلاق والأمانة والإخلاص في العمل، وذلك في ظل نظام مدني وقانوني، وأصبحت سلوكيات احترام كرامة الإنسان والتمسك بالعدالة ، والمساواة، وعدم التمييز ، والحد من الفوارق بين الطبقات، مستقرة ولا مجال للخروج عليها.

 

فرغم وجود بعض الانحرافات والتجاوزات في الآراء الفكرية حول اسس الحداثة، والغير مقبوله في مجتمعاتنا العربية، إلا أن هذا النموذج الأوروبي للتحديث  ساعد علي القضاء علي الفقر والمرض والأمية في المجتمع، وقامت ثورة علمية وصناعية وتكنولوجية ضخمة تمكنت من تحقيق تطور مذهل في إنتاج الدواء والأجهزة الطبية ووسائل النقل والاتصالات والأسلحة وغيرها ، بل واستطاعت السفر في الفضاء وإنتاج الأقمار الصناعية واكتشاف الكون والكواكب.

 

والآن نتساءل ما هو موقف الدول العربية من الحداثة ؟ لقد أصبحنا نتخوف من التجديد ونتمسك بالموروث الثقافي وندافع عنه ، مع رفض مجرد التفكير في مدي توافقه مع متغيرات ومستجدات الحياة المعاصرة ، وترتب علي ذلك أن اصبحنا عاجزين عن مسايرة التقدم العلمي العالمي ، وغير قادرين علي تقديم حلول غير تقليدية لمشكلات الحياة سواء في المجالات الصحية أو الاقتصادية والنفسية والاجتماعية ، و نعتمد اعتماد كلي وجزئى علي الدول الغربية في توفير الدواء ، والأجهزة الطبية، ووسائل النقل ، والاتصالات  وغيرها من المنتجات التي لا يمكن الاستغناء عنها ، بل أصبحنا نلهث خلف الدول الصناعية لشراء الأسلحة والسفن الحربية والمعدات العسكرية الحديثة .

ورغم النقد الذي وجه للحداثة ، إلا أننا نعتقد ان علينا التعرف علي العوامل والأسس التي ساعدت علي تقدم الدول الأوربية والاستفادة منها،  ودون التخلي عن عقائدنا وإيماننا بالله العلي القدير ، ونبحث عن كيفية الانتقال الي الحداثة رغم كونها عملية كبيرة ومعقدة وتحتاج إلى انخراط مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية ومجتمعية متعددة فى عملية التجديد والتحديث ، مع توافر الإرادة السياسية الرسمية ، وأخيرا يجب التأكيد أن الله كرم الإنسان بالعقل والتمييز حتي يتدبر في خلقه ويسعى لتعمير الأرض.  والله الموفق . 

 

Dr.maher elsawaf الأستاذ الدكتور محمد ماهر الصواف

drelsawaf
نشرالثقافة الإدارية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

46,862