جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
....
الفصل الخامس
نشيد النمل والصراصير
كتب حيدرة الخولي يقول:
كانت الأرض المحيطة بأسوار مدينة بيت السلام المستلبة التي أمست بيت حرب قد عجت بمجموعات هائلة من أكواخ القصب والخيام المبعثرة غير المتجانسة هنا وهناك ، والتي أقيمت حديثا في فوضى عارمة على غرار مخيمات المنكوبين المستأصلين من أملاكهم الشرعية التي تعرفها جميع العصور عقب زلزال مدمر أو اجتياح عدو أجنبي مباغت ، وقد انتشر الصبية اليتامى والأرامل والعجائز في الجيوب الفسيحة المحيطة بتلك التجمعات العشوائية البائسة لينهضوا بما يبقيهم على قيد الحياة ، فترى أولئك الأطفال البائسين بين لعب منقبض منغرس في طبيعة النفس البشرية لا يمكن أن يغفل عنها الأطفال الأسوياء من أي جنس كانوا مهما شقوا ومهما أحاط بهم الشقاء والبؤس من كل جانب ، وبين عمل كؤود مضن في حقول صغيرة وسط أرض بعلية عولجت معالجة يدوية بصورة بدائية لإنتاج بعض ما يسد الرمق من الخضر ، ثم لم لا .,و لحمل ما يزيد عن الحاجة وعن الاستهلاك الذاتي إن كان إلى باب المدينة المغتصبة منهم ومقايضته لهؤلاء الغزاة الوافدين المتعجرفين بمدد تافهة من حبوب البر أو الدخن ، أو قبضات من الشحوم التي حرمها عليهم رب الجنود والحروب في بطون كتبهم والواحهم المقدسة ..
وهذا بعد أن سكت عنهم غضب هؤلاء المغتصبين ، وقد مرت سنوات على اغتصاب المدينة وشرهوا لبضاعتهم المتواضعة الفقيرة ، وقد اطمأنوا الآن تماما لخضوع المدينة لهم خضوعا مطلقا حين واتتهم الفرصة صدفة ومن حيث لم يحتسبوا ، وقضوا على جميع جيوب المقاومة بإبادة كل قادر على حمل السلاح أو ركوب حصان ..
وإن بدا أطفال المخيمات الناشئة وقد درجت بهم أعمارهم نحو اليفاعة مشكلين جيلا جديدا من أهل الارض ، مثل شوك الحسك في حلوق العبريين وفي عيونهم ، وخصوصا منهم الربيين و الأحبار .. هؤلاء الأطفال نشأوا يقايضون المحتلين الأوباش الخضار اليومية التي يشتهيها هؤلاء العبيد القدامى ، أو بالأحرى هؤلاء السادة الجدد المتعجرفون الذين كان آباؤهم فيما مضى من الزمن الإول عبيد الأرض في مصر ، فأصبحوا بعد الطرد المهين والفرار المذعور الذي أحاطوه ـ انتفاضا لكرامتهم المهدورة ـ
بسور متين من الأخيلة المنمقة ومن أحلام اليقظة البراقة وسموا حادثة الهروب الفاضح المشين الآبق ب " الخروج.."
ونسجوا حول ذلك أساطير مجنحة حالمة..
وأقرهم رب الحنود والحرب عليها كما تروي كتبهم الملفقة هم رفعا للمعنويات
، وثبها الرواة الشفويون وكذا دسها المدونون في صميم مرويات اللتفاسير التي تتداولها الأجيال جيلا بعد جيل
كما تحدث الأمور دوما في سائر الأزمات والمآسي الكبرى ، حين تتحول الانكسارات الكبرى من واقع هش مرير إلى أساطير مستلذة تتلى ، وإلى انتصارات شهية عظمى من نسج الخيال وهذيان أحلام اليقظة ومن خذر الخيال العذب المسكر المتهافت ..
فاعتراف الجماعات المهزومة بالبطولات الخارقة المتخيلة وترسيمها على جميع المستويات في الموروثات الشفاهية والكتابية جزء من التعويض عن الخسائر ، ولون من المقاومة المنظمة للضمير الجمعي الجامع لتثبت تلك الجماعات
في مواجهة العواصف والأعاصير حتى تستمر في الوجود بشيء من التضامن والتعاضد والارتباط بحد أدنى من أواصر وحدة المصير ، من خلال التواطؤ على التشبث الجماعي بجبل القش المتوارث عن جبل الأوهام والأباطيل والبهتان العظيم والكذب الصراح ..
ذلك الموروث العذب المتواتر المتفق عليه ضمنا ..
وكذلك صنعت جماعة رب الجنود والحرب وأبناء أولئك المقهورين المطرودين ، هم اليوم في بلاد العمالقة من بني كنعان ومن فلستيين أشرس من جند فرعون حين كان أولئك الجند ينكلون بهم فيذبحون أبناءهم أمام أعين أمهاتهم ويستحييون نساءهم أمام بعولتهن كما تروي ألواحهم وصحائفهم ،
وهاهم قد احتلوا عنوة دورهم وحصونهم وصياصيهم ها هنا في بيت السلام الذي أمسى بيت حرب منذ أن دخلوه عنوة ، وقتلوا من قتلوا واستحيوا من استحيوا وباعوا في أسواق النخاسة بننينوى وبابل وصيدون وجلق من باعوا ،
وفر من الصبية والنسوة من فر تحت جنح الظلام الحالك خوف الذبح والافتضاح والاستحياء إلى خارج أسوار المدينة ، وهم ما نجوا من المذابح ومن نير العبودية إلا بفضل هروبهم ذاك المبكر بجلودهم بتسلق الجدران والقفز خارجها رغم علوها الشاهق وقد مات منهم الكثير جراء ذلك ، ، أو عبر الأنفاق السرية قبيل سقوط المدينة نهائيا وقبل اكتشاف الأنفاق ..
فهم يقايضونهم اليوم الخضار الموسمية التي تنتجها هذه الأرض التي كانت مقدسة قبل أن تطأها أقدام هؤلاء الغزاة الرعاة الأجلاف ، مثلما تنتجها مصر أيام كان آباء هؤلاء الغزاة عبيدا بها ملتصقين بأديمها التصاق ريش نبات الشوكي بأزبال البقر الجواميس ، والتي طالما تاقت إليها انفسهم المجبولة على العبودية
، ورفعوا أثناء التيه أكف الضراعة إلى ربهم الذي صوروه قائد جند وحرب ، وهو قائد عنصري ، فتراهم بعنادهم المتأصل فيهم ، يترددون أن ينقادوا لنبيهم المخلص الذي خرج بهم من مصر بأعجوبة وسلك بهم مسالك مهولة مرعبة أهون منها أن ينفلق لهم البحر ليعبروا قبل أن يبادوا جميعهم وعن بكرة أبيهم وغدوة أمهم ،
وها هم صاروا يستنكفون أن يتغذوا بالمن في صخور الجبال ، وبطيور السلوى السماوي في الفلوات والسهول ، ويشترطون على النبي المكافح لأجلهم وعلى ربه المتواري عن الأنظار المؤازر له ،
ويستظهرون صلفهم في وقاحتهم المعهودة ؛ وقد غلظت قلوبهم غلظة الجلاميد شأن العبيد ـ كل العبيد ـ الذين طالت عبوديتهم ، ففقدوا كل حس إنساني
طالبين من النبي أن يتسول متمسكنا او أن يتوسل متضرعا للرب المحجوب عن العيون القصيرة النظر كي يطعمهم الفول المدمس ،
والثوم الحريف ،
والبقنودس المنقوع بالكحول ، والحمص الفائر المنفوخ ،
والعدس المقشر المفروم ،
والبصل المكور المثروم ،
والقثاء الأخضر المنشور ،
واليقطين الأصفر المبرج ،
والشمام المطبوخ في اللبن الرائب المستخلص من ضروع ملكات النحل
والبر المطحون المغمس في دهن شجرة تخرج بواد جاف غير ذي بقل من أودية طور سينين ...
إن هذه الذكرى من صلفهم في أيام التيه الأولى هي التي تدفع اليوم بنسائهم إلى شراء الأبصال من ذر الفلستيين والكنعانيين مقابل قبضات من الشحم المذموم أو مدد من الحنطة أو الدخن..
يتبع
أبو العباس برحايل..
ساحة النقاش