كان موت طاوس  قد حدث  ليلة اربعينية  غسان  بن حيدرة .. لقد  أصرت  ان تحضر الحفل  التابيني  لدى قريبتها  جهيدة ؛  رغم ان هذه العادة  قد بدأ الناس  يهجرونها  باعتبارها  بدعا لا أساس له في الدين ؛ مع ان  وضعيتها  الصحية  لا تسمح لها البتة  بالحضور ؛ فقدمها المبتورة  لا تزال  تحت الدبابيس  وأشرطة امضال العلاج ؛ وارتفاع  السكري المزمن  ما برح  يتهددها في كل لحظة .. وهي  اليوم امست معوقة  لا تنتقل  إلا بمساعة منك يا أيوب  او غيرك  من الزائرات  القرايبات اللواتي  يزرنها للاطمئنان؛ ؛ أو بالاتكاء  على  عكازين  تحضنهما  تحت إبطيها  فيما  يتدلى  ما بقي من القدم  المبتورة  بشعا  ينبئ  عن مأساة  بدنية ونفسية  عميقة لامراة  كانت يوما  مثال الكمال  البدني  والصحة ..

طاووس   التي كانت  حتى وهي  في كهولتها  مثل الفراشة  في الانطلاق  وسرعة الحركة  رغم بعض  البدانة .. طاووس  التي تعطف  على كل شيء  وتنطلق إليه تساعد وتمد يد العون ؛ يحدث  لها هذا.. تبتر  رجلها  وتنفصل  عنها  لتصير عرجاء  معوقة  من ذوي الحاجات الخاصة  كما يقال في الاونة الأخيرة ..

أي تصبح عالة  على غيرها  تتلقى يد العون؟.

بدت صابرة  لهذا المصير  الذي لم تفكر فيه  قط في حياتها  كلها ؛  وإن كنت انت يا أيوب  تستشعر  مأساتها  بصمت  من العذاب عميق  وانت ترى  في عينيها احمرارا  وآثار انتفاخ  وعمش  ينبئ  عن بكاء  في الخفاء  لا تريد المسكينة ان تظهره للآخرين..

بعد المغرب  من أول يوليو  لبست طاووس  فستانا مفوفا  رجراجا  لتستر  عرجتها..وعاهتها  التي لا تزال  لم تلتئم بعد ؛ فهي  لا تريد  أن يرى النساء  قدمها  المبتورة الملفوفة  في ضمادات  وشاشات  أثناء الحفل ؛ واتجهت أنت بها  نحو حي فيض القطوط  حيث  الحفل التأبيني  في مدخل  بيت حيدرة  الخولي ؛ كان ثمة  سلم اسمنتي يتألف  من عدد من الدرجات  لا بد من صعودها ؛  وأردت أنت أن تعينها  على الصعود ؛  لكنها  بكبريائها  المعتاد ؛ أصرت  أن تصعد  بنفسها   مستقلة  مستغنية   عن العالمين  مستعينة بعكازتها تحاول  أن تثبت  لنفسها ولغيرها  أنها لاتزال قادرة  على  الاعتماد على نفسها  كعهدها قبل البتر ؛  وفي لحظة  من غفلة ؛ أو من  ارتباك ؛ والعيون تراقب  في نهم محاولة  المرأة العرجاء  صعود السلم ؛ وبدلا  من أن تنقل العكاز  من درجة لأخرى  ارتكزت بالعكاز  فوق طرف ثوبها  ودارت بها  درجات السلم المشؤوم  وتطايرت العكازتان  ونكأ الجرح  وسالت دماء..

تكلف بشارة  أخو المرحوم  غسان مع عدد من النساء  بنقل  الضحية  بسرعة إلى المستشفى  في سيارتك  وقد  أسلمت المفاتيح ولسبب ما  لم تذهب معهم .. ربما  هو وجود  نساء  أجنبيات في السيارة  وقال لك بشارة: " لا داعي يا خالي  أيوب  لذهابك.. سوف يعاد تضميد الجرح  في المشفى لا غير  وسنرجع بها فورا  معافاة .. لا داعي أن تتجشم انت عناء التنفل  معنا..

للتثب والاصطبار  وقهر السأم  والانتظار  توجهت  أنت يا أيوب  إلى المسجد  الذي يحمل اسم والدك  المقابل لسكنى  الأستاذ حيدرة ؛ كانت الأبواب الثلاثة  للمسجد تعج  بصبية  ونسوة من سوريا  يلحفون  في السؤال وطلب  العطايا..  سوريا التي كانت  في الستينيات  والسبعينبات ترسل إلينا  بالأساتذة والمتعاونين  الفنيين  امثال الأستاذ الخولي  امست  ترسل  إلينا على بعد  حمسة آلاف كيلو متر  جحافل  من مواطنيها  المشردين الذين تركوا  مدارسهم وحقولهم  ومتاجرهم  وحرفهم  ووظائفهم  وتحولوا  بين عشية وضحاها إلى متسولين فاقدين  لكرامتهم البشرية ؛ فيما تتعرض فتياتهم الجميلات  للاستغلال  من أتفه  رجال  بطريقة  أشبه ببيع الرقيق الأبيض  في العصور الوسطى .. ياله  من سيل العرم البشري   الذي وصفه الأستاذ  حيدرة  في قصته عن انهيار  سد مأرب  وتحدث في نهايتها الماساوية  عن سوء توجيه الاصطرلاب  في بلداننا  العربية ..

أرادت المعارضة  أن تكون ربيعا  يسقط نظاما متعفنا  وسلطة متخلفة  غاشمة  فهدت هذه المعارضة الغبية   الوطن كله  على رؤوس  ساكنيه  وتسببت في تشريدهم  في كل  اتجاه  جاعلة من مدنهم  ومساكنهم  محارب وتروسا  ومعسكرات ..

دفعت  أنت على مضض  لطفل  بعض الدنانير التافهة  التي لا تغني  ولا تسمن   من عري أو من مبيت  ؛ ودخلت أنت..

تلوت أنت  ما تيسر  من القرآن ؛ وحين  أذن المؤذن؛ وأقيمت  الصلاة؛  صليت العشاء جماعة ؛ وعدت  لتلقم  مع اللاقمين  ما فاضت به  مائدة حيدرة  من الأطباق؛ صدقة على روح  ابنه  الناحر المنتحر  في دمشق..

لم تكن تلك اللقيمات  التي  سارت بها يدك  الكليلة المرتخية نحو فمك  سائغة  فيما ترقد  رفيقة عمرك  هناك في المستشفى لا تدري  مصيرها..


 مضت  ساعة ... ساعتان...  ثلاث ساعات ... لا أحد ممن رافقها عاد .. وكانت  إجابة الهاتف النقال  من الفتى الخدوم  بشارة  عبارة عن لازمة  غنائية تتكرر من غير إضافة جديدة  " هي تحت  العناية المركزة.."

وبلغ بك القلق مبلغه  وطلبت أنت   مترجيا  من أحد الحاضرين  في حفل التأبين  من أهل الفضل  والطيبة أن يوصلك  بسيارته إلى المستشفى ..  

          في الطريق المتعرج  والسيارة  بأضوائها الباكية  تحاول الإسراع  وقد فرغت ناصية  الطريق من السيارات  تقريبا ؛ انتابتك غفوة  لم تدر كيف  خطفتك  من واقعك  الهائم  الذي ذهب بك  كل مذهب  في خوفك على طاووس . طاووس التي  لم يكن لها  شيء منذشهور قليلة  ما عدا السكري ؛ هاهي  امست بلا قدم ؛ وها هي الآن  تنزف  وترقد فجأة في  المستشفى بقسم الإنعاش  المركز.. إنها الكارثة  ستحل بك  إن قضت  يا فهرست ابن النديم!.وتراءى لك  خلل دموع أنوار السيارة  الباهر

 ذلك الخنزير الذي تعرفه  جيدا ؛

ينبثق بخطمه  ونابيه من صفحات كتاب السحر الذي اخذته تماضر  من غير ان تدفع ثمنه  الكلي؛ ها هو مقبل  في اتجاه السيارة  في عنف لا يلوي على شيء .. وإذ توارى فجأة  كالبرق  دون ان يدهسك ؛ بدا  أنك ترى طاووس  في المحكمة  واقفة  على قدم واحدة  امام قفص الاتهام  وقد  راحت القاضية  عيشوشة  بوسطلة تستنطقها وقد اغلظت  عليها السؤال ؛ لكن  الغريب  ان عيشوشة  تضع على رأسها  ذلك الشعر المستعار  المتموج الذي  كانت تضعه  القاضية الساحرة هيلاري سالازار  في قصة سميث كول  المسماة " القاضية والعفر"

ـ كيف سرقت  من صديقتك تماضر  رجلها الذي  أحبته؟.."


وأجفلت المسكينة  ولم تحر جوابا ؛ خصوصا  وان جرح قدمها قد نكأ  وهو ينزف؛ فهي لا تدري  أتجيب  عن سؤال القاضية  المحرج  ام تهتم بقدمها النازفة..


وطلب المحامي  المعتوه  ماء الدفلى الكلمة  ليتولى الدفاع عن  المتهمة ؛ وراح  يتحدث عن حياة طاووس  وكيف أنها ابنة شهيد  وأنها عاشت طفولتها  الأولى  في بؤس  بمحتشد المسدور  تحت سلطتين غاشمتين  ؛ سلطة الاستعمار  القهار  وسلطة جدها الراهم  المستبد ذي الطباع  الغليظة


 وأوقفته القاضية  الفوضوية  التي بدت  في الجلسة حازمة  مثل  القاضية  هيلاري سالازار  بسبب  ذلك الشعر المستعار  الأمريكي  الذي وضعته  على رأسها ؛ وسحبت منه  الكلمة باعتباره  يلفق   ولا يتحدث  في الموضوع   محل التهمة ؛

وعادت  القاضية إلى طاووس  تلح عليها  أن تجيب عن أسئلتها  وإلا   ستفسخ  عقد  زواجها من أيوب  الصابوري ..

وفي هذه اللحظات  تتحول المحكمة  بقدرة قادر  وتبدو  كما  لو كانت سكناك في أيميس ؛ وها قد أقبل  العفر قزوان بن قزوان  بمئزره  الملطخ بالدم المسود  وبخطمه  ونابيه  اللذين تحولا إلى  ما يشبه أسنان  جرافة  عملاقة  تحطم كل شيء  امامها وتجرفه.. راح  في غيظ  يرفتث  ويزبد ويرعد  وفي  الآن ذاته  يغرس  أسنان  الجرافة  في أساسات سكناك  ؛ فيما انت  وطاووس  تنظران  في ذعر مرتجف  من نافذة  إحدى الغرف  هجمته الغاشمة عليكما  وقد حوصرتما  ولا مجال  لفرصة  طلبالنجدة  او الفرار  وقد انسد  عليكما  كل سبيل  او ممر .. وتريان  تشققات السقف  بأمات أعينكما  وهي تحمل  في تلك التشققات  الفاحشة ؛ وتريان  السقف  يخر  عليكما بأثقاله  ... لتستفيق مذعورا  على صرير  مكابح  السيارة  المسرعة  التي تنقلك نحو المستشفى ×

وقد كادت  السيارة  تصطدم بجرار  عتيق  يقطر  مجرورة  تحمل  ألواح البنائين  الملطخة  بوحل الإسمنت  الرمادي ؛ كان يسير  بمهل في عرض الطريق  في الظلام  من غير إضاءة.

بعد أن ذهب الروع عن  الرجل السائق الطيب ؛ ذلك الروع الناتج  عن خشية الاصطدام  بالجرار ؛ رويت له  بدورك روعك  الناتج عن  كابوس العفر  الذي زارك  في غفوتك الخاطفة  وهد م على رأسك  ورأس  زوجتك  سقف البيت ؛  طمأنك  مرافقك  إن ذلك   العفر إنما هو هذا الجرار  بعينه  الذي كادت السيارة ترتطم به  لولا عناية الله ولطفه؛

ولكن قلبك كان يعلم  أن هذ التاويل  مجرد مواساة ؛ وان الحلم .. حلم مشهد  البيت  المنهد على رأسك  قد تكرر  عليك اكثر من مرة ؛ وما البيت  إلا الزوجة.. إنها  ستقضي نحبها لا محالة ؛ هذا هو التفسير  المنطقي  الوحيد  لهذا الكابوس  الذي يلازمك.

هناك في المستشفى   ؛ أخذك  

المؤبن الشهم  الذي لا تعرف حتى اسمه  واشفقت  أن تسأله عن اسمه؛ من ذراعك  يساعدك؛ وقد لاحظ  ضعفك..وارتباكك وعدم فدرتك  على الحركة  مستقلا .. وجهوك مع المؤبن  المتطوع إلى قاعة الإنعاش  المركز ؛ كانت حلقة  من أعوان  التطبيب  يتحلقون حول  بدن طاووس  الممدد أمامهم جاثيا ؛ ووراءهم يقف  بعض من جاء معهالا في صمم وبكم وكآبة  وذهول.. قالت الطبيبة  المناوبة  للمرضة الالأخرى  التي تعينها في مسك  الأجهزة  في فتور ويأس: " لا امل فات اوان إنقاذها"  .. أخذت  بمقبضي  المحفز الكهربائي  بكلتا يديها  وضغطت  على صدر المحتضرة  بمسامه ومجساته   القوية  الشبيهة  بالمغناطيس ؛ واندفع الصدر  متجاوبا مع الصعق  الكهربي العنيف  مرتين او ثلاث مع كل ضغطة  قوية ؛ لكنه تجاوب  اجوف بلا  تأثير ..  كان القلب قد استقال  عن ضخ الدم ؛ وكانت الأنفاس  في الصدر خامدة  كالرماد ..  وكانت الخطوط البيانية  على شاشة قياس النبض  والحياة قد ارتخت تماما صارت مستقيمة  دون اية نتوءات  وفي بطء شديد  لقد اطمأن الربان  إلى ان الرساة  قد استقرت في مكانها  على أرضية  اليمالصلدة.ز  وألقى بالمجاديف  مطمئنا  على رسو  مركبه  الرسو الصحيح  في الحيزالمرسوم بدقة.ز توقفت الطبيبة  عن الضغط ,, وفي حياد  قاتل  تنهدت الطبيبة   ‘شارة  اليأس  المبرم ؛ وراحت  تنزع  الأنابيب  التي تمدطاووس  بالأكسجين والأمصال  وتجمع  آلات الإنعاش  وهي تقول  للجميع  دون  ان تجرؤ على النظر  في الوجوه  بصوت خافت لا يكاد يسمع:" عظم الله أجركم"

في هذا الأوان السرمدي  كانت عينا  طاووس  مفتوحتين  على الفراغ   جامدتين  بلا حراك  وقد علت  أسنانها وشفتيها  الجافة   وملاغمها المحيطة بالفم  رغوة  الأنفاس

الأخيرة .. وتجمد كيانها  المصفر كله  في حياد مطلق  واستقلال عدمي  عما حولها..

  تمت                                                         سطيف في 27 رمضان 1434 الموافق ل14 /8/ 2012

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 83 مشاهدة
نشرت فى 15 مارس 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968