وإذ كانت الأيام دولا؛ لم يدم الحال بمحب مكرب  طويلا ؛ وثار ضده أخواه  غير الشقيقين ثورة سلمية بمساندة نادي الملأ وبمآزرة  كل أبناء العياف الآخرين  من نسائه الأخريات  اللواتي  تخلى عنهن بموجب  العقدالرسمي  الملكي  حين أعرس هو بالملكة بلقيس ؛ بل الأصح  حين أعرست  هي  بلقيس به؛ حرك  الفتى النابه امرؤ القيس  مشروع القانون القديم الذي اقترحه  والده  العياف القتيل ؛ وأصدر مجلس الملأ  أولا قانونا  يمنع أبناء المسبضعات من الأجانب  من تولي العرش ؛ وتم للأخوين  امرئ القيس  وزينب القيس  خلع  محب مكريب  بسلطة القانون؛ خصوصا  وقد تمكن   امرؤ القيس  من أن يتولى  إمرة الجيوش  السداسية  في غفلة من محب مكرب  الذي كانت دماء والده الشهوانية  تسري  في عروقه  ؛ فراح ينسى شيئا فشيئا  نظم  السجعات  على منوال  سجعات معد قيس  العياف  وتحول إلى نظم المزامير  في أجساد الحسان  على منوال مزامير  والده الطبيعي شالمون  وألقى بزمام الملك  على غارب  ناقة عشواء أضلته السبيل ,,   تمت محاكمته في هدوء  على جريمة القتل  قتل ركن الدولة  زوج الملكةالشرعية  الكاهنالعياف معد قيس ؛ ونفذ فيه حكم الإعدام  بالطريقة ذاتها التي  قتل بها العياف المسن ..

وفق  القانون الصارم  الذي يتحرى القصاص بدقة  بالغة  دون تشف أو زيادة أو نقصان ..

وسعدت الرعية  بمجريات  المحاكمة  والقصاص العادل  وانتقال العرش  لامرئ القيس  الذي  بلغت المملكة في عهده أوج قوتها  وازدهارها

وصار  رؤساء القبائل  في ربوع الجزيرة  العربية يطلقون اسم امرئ القيس  على كل مولود ذكر  فألا  حسنا  وأملا في أن يكون المولود  في مستوى هذا الملك  السبإي العظيم..

   وتعاقبت أجيال  من الملوك والملكات  بعد ذلك على العرش ؛ وعاد  أبناء وأحفاد  القيلة المخلوعة  مجد قيس  من منفى زنجبار ؛ ونفوا بدورهم  نسل الملكة بلقيس  والعياف  معد قيس  إلى مملكة أكسوم  وراء بحر القلزم ..؛واستتب لهما الأمر ؛ وامتد  الملك  في نسل  السبط  ذي نواس  نجل  مجد قيس  جيلا  بعد جيل ؛ وضرب الاستقرار  في المملكة بجرانه  وتطاول الجمود  بجذوره ؛ ودبت الشيخوخة  في أوصال الدولة  ذات الغنى المسبطر ؛

كما تدب في البشر  عوامل العجز  وتصهل في أعمارهم دابة الفناء

وتراخت   قوى مملكة سبأ  المتينة ؛ ونبحت في السد العظيم  كلاب الانهدام

 وصاحت ناعقة غرابيب  الخراب

دون ان يتفطن لها  الكهان العيافون القيافون ؛

او يسمع للشكوى ـ التي ترسلها الطبيعة  مع  نسائم كل ريح  وزخات كل غمامة ماطرة ـ الماسكون بأزمة السلطة

أو يتوقعها  ويشيمها اولئك السدنة  الشرهون  والسقاة الذين  لا يشفى غليلهم  

والذين  كان همهم  الوحيد  هو التحايل  على توزيع مياه السد المخزنة  بحيل شيطانية تسمح لهم  بتكوين  فوائض مائية  هائلة  يبيعونها لكبار الملاك المحتكرين  لأخصب الأراضي  مقايضين  المياه بالمنتجات  الفلاحية والحيوانية  ..

كما لم يتفطن  فنيو الصيانة  في السد الهرم  لعوامل تحات  الصخور  وتحلل الكلس  والتآكل الطبيعي  لمبنى السد المترنح  وقد امتد به  السنون دون ترميم ؛حتى حدثت  الطامة الكبرى وكانت  ...

 

وانهار السد  تحت كلكل  مياة سيول  غمامة  من إحدى تلك  الغمائم  المتهاطلة في الموسم تهاطلا طوفانيا..

  جرف السيل  أم المدينة وفؤادها  واقتلع  جناتها  من حذورها  وقضى  في ساعة من المساء  وقبل أفول الشمس  على ثلاثة أرباع  المدينة  ولم يبق  من تلك المباني  الشاهقة ذات الطوابق العديدة  التي تشتهر  بها  مأرب

 ولم يبق  من جناتها الغناء  ومزارعها  الذاهبة في الافاق حولها  غير بعض  تلك المباني  التي شيدت مثل الحصون فوق  الكدى العالية  والصخور الناتئة في أرباضها  البعيدة ؛ ومع ذلك حوصرت  بالطمي والمياه الراكدة لعدة أيام..

ذهبت جنات مأرب كأن لم تكن  وقد غمرها  الطمي  وذهب معها ثلاثة أرباع  سكانهاالكرام  الموسرين إذن .. وما أسرع ماتفشى

الوباء  وما إأسرع  ما تفشى الموت...!.. وما أسرع  ما تفشت عوامل الانحلال  العام في ربوع المملكة كلها.

 وخوفا من أن يزحف الوباء الوخيم على الأقاليم  التي لم يمتد إليها  السيل ؛  مع أن السيل العرم لم يمس غير مأرب  وضواحيها ؛ تفككت  السلطة في المملكة   وسقطت الأنظمة الخاصة  بالقضاء والتجنيد  والغرامات  والخراج  وأسواق التجارة

 ونشطت العيافة المزيفة غيرالمؤهلة  وانتشر  الدمار  المزلزل  في كل الربوع..

وساق الباقون  من بطون القبائل وفروعها  حول  المدينة المنكوبة  بعض ماخلف  السيل من رؤوس الانعام  العجاف ..

وقد أعلن  النفير العام بالرحيل  نحو  تخوم الصحارى  أو نحو القرى المبثوثة  في المسالك التجارية  مثل جدة   وبكة  ويثرب  وبصرى  وجلق  ونحوها من القرى المستعربة

وتداعى داعي الرحيل  وكان موسم الهجرة  نحو الشمال طويلا !..  

لقد امتدت  عدوى  الرحيل والهجرة  إلى قبائل  الأقاليم  التي لا علاقة لها بالسيل  وبالوباء ..

ولم يبق  في بلاد العرب العاربة غير بعض البطون  التي صعب  عليها أن تهجر أراضيها   وإن أمست هذه الأرض اليوم   فقيرة ؛ واستعجمت  وصارت أرضا بورا  غير أرض ؛  ورضوا  بأن يعيشوا على  الفاقة والكفاف ,,  

أجل صارت الأرض  قاحلة   تنبت من شجر  ما هو غير معهود  إلا في أبواب الصحرى  وتخومها  مثل شجر الخمط والأثل والحنظل  ونحو ذلك  من شجر الزقوم  وشيء من السدر القليل.   كان سير العرم إيذانا باندثار  أمة وحضارة  وانطواء صفحة  من تاريخ  البشرية  في الكفاح من أجل التقدم ..


 ولكن  الأمة الحية  تنتكس حينا  ولا تموت فيها  جذوة الحياة نهائيا ..

وهكذا انتفضت في الليل المدلهم  من الخطوب ؛ عنقاء  يعرب ؛ وأخرجت رأسها  ثانية من الرماد  الحار  وانبعثت من بلاد الشام  ببصرى  وفي ماء غسان  وفي جلق ..

واشتهر الغساسنة  بمملكتهم الناشئة  وإن لم يبلغوا بها  مجد سبأ × ولكن مجد سبأ ينبعث واسعا حين تتأسس يثرب  مدينة وعاصمة  لرسالة السماء  في الأرض ؛ فيسير بها الأوس والخزرج  السبئيون  ينشرونها  في كل اتجاه     ثم تتأسس  دمشق عاصمة لخلفاء بني أمية  فيمتد المجد  شرقا إلى أسوار الصين  ويزحف غربا  إلى بحر الظلمات  حيث الضفاف الغربية  لجزيرة إيبيريا  .. وحين تسقط دمشق  تنهض بغداد  وتظل  الفسطاط  والقيروان  وقرطبة  منارات مشعة  على كون الإنسانية   المتقدم  في تلك العصور  المتلمسة للضياء  وتحتفل الإنسانية بالأعلام  العرب في كل علم  وفن ؛ وينتشر الحرف العربي  زاهيا  مكسوا بالعلوم ؛ ناطقا  بكل لغات  العالم.. ولم يعد هناك  عالم هام  في الدنيا إلا  ناطق كاتب  لعلمه بالعربية  ..  حتى  دارت دورة الزمان  ولم يكن هناك سيل العرم  ولكن  كان سيل البشر   من مغول وصليبيين  وعوامل تآكل  داخلية  أصلا ...

جاء عصر يسمى عصر الظلمات  وعصرالانحطاط  وجاء معه  الاجتياح المغولي  والصليبي والتناحر الداخلي .. ثم جاء  الاجتياح الاستعماري  بعد ذلك  كله ليخيم  ليل طويل  دموي  عاصف..

وفقد العرب  كليا  بوصلة التقدم  البشري  ووجهوا  اصطرلابهم  العاطل  المثبت في مقدمة  زورقهم  شبه الهالك  إلى السماء .. متناسين الأرض  وجهاتها الثمانية وآفاقها    فضاع  زورقهم المبحر  في متاهات   من جغرافيا السماء  وأفلاكها .. وحين أصلحوا  بعض الأعطاب  الخطيرة  في الاصطراب  حاولوا إعادة  توجيه البوصلة  مع الظهطاوي  والأفغاني  ومحمد عبده  والكواكبي وميشال عفلق  وابن باديس  نحو  الوجهة الصحيحة  من  جهات الأرض  الثماني ..

وحينئذ ؛ وجدوا شعوبا  كثيرة فاتتهم  بأشواط بعيدة  وكان عليهم  ان يشمروا  على الساعد  للحاق بالركب ..


ولكن الاصطرلاب لم يعد صالحا البتة للملاحة  في المحيطات  والأمر يقتضي  اصطرلاابا جديدا بمواصفات جديدة  يقتضيها الإبحارفي أفلاك العصر المتشعبة ..

ولكن الماسكين  بدفة الزورق  القارئين لمؤشر  الاصطرلاب القديم  الذي لا مكان له  غير المتحف  ما برحوا يصرون  في تعنت  على استعماله  مدعين انهم يقومون  بإدخال إصلاحات عليه  وذلك التعنت  لا يكلف إلا المزيد  من التخلف  عن أسطول البشرية المتقدمة .. وقد ذهب بعيدا  في إبحاره  ولا  ثمن له إلا  المزيد من هدر الوقت  في انشغالات ثانوية  جوفاء..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 58 مشاهدة
نشرت فى 4 مارس 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968