الازدواجية اللغوية (Le bilinguisme) 

1-
الازدواجية اللغوية لغة و اصطلاحا:
أ ( لغة: جاء في لسان العرب << الزوج : خلاف الفرد ، يقال : زوج :أو فرد ، وكان الحسن يقول في قول عز و جل : "ومن كل شيء خلقنا زوجين" قال : السماء زوج، 
و الأرض زوج، و الشتاء زوج ، والصيف زوج ، و الليل زوج ، و النهار زوج ، و يجمع الزوج أزواجا و أزاويج...و الأصل في الزوج الصنف و النوع من كل شيء . وكل شيئين مقترنان ، شكلين كانا أو نقيضين ، فهما زوجان ؛وكل واحد منهما زوج>> 
ب (اصطلاحا:
ورد في قاموس Le petit robert تعريف الازدواجية اللغوية بأنها << استعمال لغتين عند الفرد أو في منطقة ما>> 
و عرفها المعجم المفصل في علوم اللغة بأنها: << حالة وجود لغتين مختلفتين عند شعب ما كتكلم يهود أمريكا اللغتين العبرية و الإنجليزية>> .
و بالتالي لم تعد الازدواجية اللغوية مجرد ظاهرة فردية كما ذهب إليه فيرغسون و فيشمان و فنغيش ، و إنما هي ظاهرة اجتماعية أيضا ، و قد سبق لأندري مارتني أن فصل في هذا الأمر عندما انتقد الرأي القائل بفردية الازدواجية اللغوية و بجماعية الثنائية اللغوية ، فتساءل كيف نسمي وجود الفرنسية و الإنجليزية كلسانين في المجتمع واحد ؟ فهل ينبغي أن نتحدث في مثل وضعية )كيباك( عن ثنائية؟
لذا اقترح أن يشمل مصطلح الازدواجية اللغوية كل الوضعيات التي يتعايش فيها مستويان أو لغتان في المجتمع الواحد ، دون الحاجة إلى هذا التصنيف بين الثنائية و الازدواجية


إلا أننا نؤثر الفصل بين الوضعيتين ، فنسمي ثنائية لغوية كل وضع يتعايش فيه مستويان لغويان للغة واحدة، و نسمي ازدواجية لغوية كل وضع يتواجد به لغتان مختلفتان ، وهذا ما ذهب إليه إميل بديع يعقوب و أكده في قوله:<<....فالازدواجية اللغوية الحقة ، لا تكون إلا بين لغتين مختلفتين، كما هو الحال بين الفرنسية و العربية ، أو الألمانية و التركية ، أما أن يكون للعربي لغتان احداهما عامية و الأخرى عربية فصيحة ، فذلك أمر لا ينطبق مفهوم الازدواجية عليه ، إنه بالأحرى ضرب من الثنائية اللغوية diglossie>> 
إذن فالازدواجية اللغوية ظاهرة توجد لدى الفرد كما توجد في المجتمع ، لذا صنف علماء اللغة الاجتماعين الازدواجية اللغوية إلى نوعين:
2-
أنواع الازدواجية اللغوية :
أ (الازدواجية اللغوية الفردية) Bilinguisme individuel ( 
(1
مفهوم الازدواجية اللغوية الفردية:
ونعني بها قدرة الفرد و تمكنه من استعمال نظامين لغويين مختلفين، ولا يعد كل من يعرف لغتين ازدواجيا ، بل لابد من توفر مجموعة من الشروط للحكم على أن الفرد ازدواجي اللغة .
و أهم هذه الشروط هي:
-
التمكن من اللغة الثانية كمتحدث طبيعي ؛ أي كلغة أولى ، و في هذا يقول بلوم فيلد<< امتلاك قدرة المتحدث الطبيعي للغة>> شرط أن يكون هناك استقلال بين النظامين أي؛ أنه يحتفظ بكل نظام بمعزل عن الأخر ، ويمكنه أن يستعمل أحداهما حسب الظروف
وهذا التمكن من اللغتين يكسبه سرعة التحول من نظام لغوي إلى نظام لغوي أخر بتغير الظروف ، بالإضافة إلى<< قدرته على التعبير عن المعنى نفسه بالنظامين >> ،وهو ما عبر عنه ميجل migl) ( و مكايmacky) (بالقدرة على الترجمة.
وهذا الشكل من الازدواجية اللغوية التي تشترط التمكن من اللغتين لا يمكن حسب ميشال زكريا أن تتحقق إلا لدى الأفراد الذين ولدوا نتيجة زواج بين شخصين من مجتمعين مختلفين، و الذين يكتسبون بالتالي ، و بشكل طبيعي لغتين لغة )الأب و لغة الأم( كلغة أم
-
الاستعمال المتساوي للغتين ، أي توظيف اللغتين بنفس الدرجة و في كل الظروف.
فانطلاقا مما سبق يمكننا تعريف الشخص المزدوج اللغة بأنه<< الشخص الذي يتقن لغة ثانية بدرجة متكافئة مع لغته الأصلية و يستطيع أن يستعمل كلا من اللغتين بالتأثير
و المستوى نفسه في كل الظروف>> 
و على الرغم من أن التعريف السابق يعبر عن ازدواجية لغوية مثالية ، إلا أنه حسب رأي ميجل و مكاي يمكن جعله كمقياس و مؤشر دقيق للتعرف على مستوى الازدواجية اللغوية لدى الأفراد.
و تختلف الازدواجية اللغوية الفردية عن الازدواجية اللغوية الجماعية ، كما سيظهر بعد حين ، لذا اقترح بلون و هامرس تسمية الازدواجية اللغوية بمصطلحbilingualité) (
و الذي يعرفانها على أنها<< حلة نفسية لتعلم الفرد لرامزين مختلفين>> 
2(
أنواع الازدواجية اللغوية الفردية:
تتدخل عوامل كثيرة في التمييز بين أنواع الازدواجية الفردية من بينها : مرحلة اكتساب اللغتين ، ظروف الاكتساب ، طريقة الاكتساب...الخ.
و كل عامل من هذه العوامل يفرز أنواعا من الازدواجية الفردية ، وهي كثيرة و متعددة ، لذا سنركز على أهمها و أشهرها فقط.
العامل الأول : مرحلة اكتساب اللغتين:
تختلف الازدواجية اللغوية المكتسبة في مرحلة الطفولة عن التي تم تحصيلها في مرحلة 
المراهقة أو الكهولة، لذا تم تصنيف مجموعة من أنواع الازدواجية اللغوية حسب مرحلة اكتساب اللغتين:


أ( الازدواجية اللغوية عند الطفل ( bilinguisme d'enfance) 
و تكون لدى الأشخاص الذين اكتسبوا اللغة الأولى و الثانية في مرحلة الطفولة قبل 10الى12 سنة، و في هذه المرحلة المبكرة من اكتساب اللغتين ، قد يختلف الأشخاص 
في اكتسابهم للغتين أي إما أن يكون هذا الاكتساب قد تم في وقت واحد أو يفصل بين اكتساب اللغة الأولى و اللغة الثانية وقت قصير
لذا فقد تم تصنيف نوعين من الازدواجية في هذه الحالة:
-
الازدواجية اللغوية المبكرة ( Bilinguisme précoce simultané) و تتعلق بالأفراد الذين اكتسبوا اللغتين الأولى و الثانية في آن واحد، و في بداية اكتسابهم 
الطبيعـي للغة ، دون سيطرة لغة على أخرى
و قد أفادت التجارب << بأن الطفل الذي يعيش عرضة للغتين في الوقت نفسه الذي يبدأ فيه تعلم الكلام يكتسب كلا من هاتين اللغتين بدون جهد يذكر و بالطريقة نفسها التي يكتسب فيها لغة واحدة لو كان أحادي اللغة ، و مثل هذا الطفل لا يكتسب هذين النظامين فقط ، بل و يحتفظ بهما منفصلين بحيث يمكنه التعبير بسرعة من نظام إلى أخر بحسب الظروف>> 
-
الازدواجية اللغوية غير المبكرة( Bilinguisme précoce consécutive) 
و تكون في حالة اكتساب الفرد للغة الثانية قبل سن 5و6 سنوات ، و لكن بعد اكتسابه للغة الأولى خلال 3و4 سنوات ، وفي هذه الحالة يكون التباين واضحا في استعمال اللغتين لكن ليس بشكل كبير.




ب( الازدواجية اللغوية عند المراهق ( Bilinguisme d'adolescence)
و هي خاصة بالأفراد الذين اكتسبوا اللغة الثانية مابين 10 و12 سنة الى16 و18 سنة ، و يكون في أغلب الأحيان اكتساب اللغة الثانية عند الدخول إلى المدرسة ؛ إذ يتعلم المراهق اللغة الثانية ، وقد يكون اكتسابها أيضا في المجتمع الذي يعيش فيه.
ومثل هذه الازدواجية اللغوية توجد لدى الأفراد الذين ينتمون إلى أقليات لغوية أو أسر مهاجرة في بلد له لغة مختلفة ،1و قد تمثل هذه الازدواجية في هذه المرحلة ظاهرة
<<
عميقة نسبيا و لكن عدم التوازن سيكون ظاهرة واضحة بسبب اختلاف الأوضاع الاجتماعية و اختلاف وظائف كل من اللغتين ، وسوف يستمر المراهق في استعمال اللغة الأصلية للأغراض اليومية و الشخصية محتفظا باللغة التي تعلمها في المدرسة للاتصالات الأكثر رسمية و الوظائف الاجتماعية الأعلى>> 
ج (الازدواجية اللغوية عند الراشد ( Bilinguisme d'adulte ) و تحصل هذه الازدواجية اللغوية بعد سن المراهقة ، و تتم بطريقتين << عن طريق الاتصال الدائم و المباشر مع هذه اللغة في المجتمع التي يتحدثها >> مثل المهاجر البالغ الذي يكتسب لغة البلد الذي هاجر إليه،و الطريقة الثانية عن طريق << اكتساب اللغة الثانية عن طريق الدراسة الأكاديمية لشخص ما في مجتمعه>> 
العامل الثاني: علاقة اللغة بالفكر
اقترح اوسغودOsgood) ( سنة 1965 مقياسا جديدا يسمح بالتفريق بين نوعين من الازدواجية اللغوية ، و هو علاقة اللغة بفكر المتحدث،و في هذه الحالة ميز بين نوعين من الازدواجية اللغوية:




أ( الازدواجية اللغوية المركبة ) Bilinguisme composée (
الشخص الذي يتمتع بهذا النوع من الازدواجية ، هو الذي يملك سمتين لغويتين لتمثيل معرفي واحد ، أي لديه نفس المفهوم أو المدلول لدالين لغوين مختلفين ، و لكن على الرغم من ذلك ، فإن أحد النظامين اللغويين يكون راجحا على الآخر.
عرفها ميجل Migle) ( و مكاي(Macky) بقولهما:<< أما الشخص الذي يستعمل الثنائية اللغوية المركبة فإن لديه نظاما لفظيا راجحا بلغة )أ( بحيث عندما تصله الرسالة بلغة )أ( يفهمها و يستجيب باللغة نفسها على عكس ما يحدث عندما تأتيه الرسالة باللغة) ب( فهو يترجمها إلى لغة) أ ( ليستطيع فهمها و يستجيب بلغة ) أ (ومن ثم يترجم الاستجابة إلى اللغة ) ب ( لتوصيلها>> 
ب ( الازدواجية اللغوية المتلازمة: ) coordonnée Bilinguisme (
يتعلق هذا النوع من الازدواجية بالأشخاص الذين يملكون لكل دال مفهومه الخاص به ؛ أي هناك فصل بين المفاهيم ، فيحدث استقلال بين النظامين << أي أنه يفهم الرسالة التي وصلت بلغة ) أ( باللغة نفسها ، و يستجيب باللغة نفسها ، و كذلك يفهم الرسالة التي وصلته باللغة )ب (باللغة نفسها و يستجيب باللغة نفسها>> .
و قد اقترح هامرس (Hamers ) و بلون Blanc ) (النموذج الآتي لتوضيح الفرق بين النوعين
الازدواجية اللغوية المركبة
لغة ( famille ) 1
لغة2 ( family) مفهوم واحد: famille = family الازدواجية اللغوية المتلازمة
لغة1 famille مفهوم واحد famille
لغة2 family مفهوم واحدfamily 
النموذج)1(
العامل الثالث: معيار الكفاءة في اللغتين:
يقيس هذا المعيار قدرة الفرد في اللغتين الأولى و الثانية ؛ أي مقدار الكفاءة في كلا اللغتين ، و في هذه الحالة يوجد نوعان من الازدواجية.
ب ( الازدواجية اللغوية المتكافئة Bilinguisme équilibre ) (
و تكون في حالة وجود كفاءة متساوية بين اللغتين ،إذ يتميز أصحاب هذا النوع من الازدواجية بالانتقال المتبادل من لغة إلى أخرى دون خلط بينهما ، وقد اقترحت ماري (Marie) تسميتها bilinguisme réciproque) ( .
و انطلاقا من هذا الأساس ، عرف فنغيش و مكاي الازدواجية اللغوية بأنها<< الاستعمال التناوبي للغتين أو أكثر من طرف نفس الشخص>> 
بالإضافة إلى الاستعمال التناوبي يتمتع أصحاب هذا النوع من الازدواجية بامتلاك القدرات اللغوية الأربعة خاصة قدرة التحدث و الفهم باللغتين معا، لذا يسمي محمد ملياني هذا النوع من الازدواجية بالازدواجية الفعالة) Active bilinguisme ( .
ب( الازدواجية اللغوية غير المتكافئة ) Bilinguisme dominante (
و تكون في حالة وجود كفاءة عالية في لغة ما على اللغة الأخرى ، سواء كانت ل1 < ل2 في حالة سيطرة اللغة الأم على اللغة الثانية ، أو ل2< ل1 في حالة سيطرة اللغة الثانية 
على اللغة الأم
و تسميها ماري (bilinguisme non réciproque) 






ب( - الازدواجية اللغوية الاجتماعية ) ( Bilinguisme social

1 (
مفهومها
تعرف الازدواجية اللغوية الاجتماعية بأنها << استعمال لغتين كوسيلة اتصال في المجتمع أو المجموعة أو مؤسسة ما>> أي عندما تعم ظاهرة استعمال لغتين مجتمعا أو مجموعة ما ، يمكن في هذه الحالة أن نطلق عليها اسم الازدواجية الاجتماعية أو الجماعية .
و ترتبط الازدواجية اللغوية الاجتماعية بالازدواجية الفردية ، إذ في أغلب الأحيان تتشكل الازدواجية الاجتماعية نتيجة وجود مجموعة أفراد ازدواجي اللغة ، أو العكس فالدولة الأحادية اللغة عندما تفرض لغة أو لغات أخرى في التعليم أو العمل ، أو النشاط السياسي أو الثقافي ؛ فإنه لا محالة سينعكس على لغة الأفراد الذين ينتمون إليه.
و حتى لو لم يصبح الأفراد ازدواجيين ، فإن مجرد الاستعمال المزدوج للغة في المؤسسات و الهياكل التابعة للدولة يدخل هذه الدولة في حكم الازدواجية الاجتماعية.
و لكن ، و على الرغم من هذه العلاقة الوطيدة بين الازدواجية الفردية و الاجتماعية خاصة من حيث النشأة ، فهذا لا يعني أن الازدواجية اللغوية الاجتماعية تعتمد على عدد الأشخاص المستعملين للغتين ، أو كثافة الظاهرة نفسها .
تقول جولييت غرما دي في هذا الشأن << إن تجمعا بشريا ، قليلا عدديا ، معزولا نسبيا ، وعديم التمايز اجتماعيا ، يمكنه بكل وضوح أن لا يستعمل سوى منظومة لغوية واحدة ، ولكن كثافة سكانية مرتفعة جدا وعددا كبيرا من المتكلمين بلسان واحد، ليسا في الظاهر شروطا أولية لوجود متحدات ذات خطاب متعدد اللغات>> 
فظاهرة الازدواجية اللغوية تميز المجتمعات البسيطة كما تميز المجتمعات الضخمة ، و قد تشمل الوطن بأكمله أو جزءا منه فقط.



من هذا المنطلق ، قسم ميشال زكريا الازدواجية اللغوية الاجتماعية إلى أنواع.
2 -
أنواع الازدواجية اللغوية الاجتماعية:
أ (الازدواجية اللغوية على الصعيد الرسمي
وفي هذه الحالة تفرض الدولة أكثر من لغة لإنجاز أعماها ، فتكون أغلب مؤسساتها 
و هياكلها مسيرة بلغتين أو أكثر ، و هي ما يسميها مكاي (Macky) بالازدواجية اللغوية الرسمية (bilinguisme officiel). 
ب (الازدواجية اللغوية المحلية:
و تكون في حالة وجود لغة أخرى- غير اللغة القومية – رسمية على صعيد منطقة جغرافية محددة كما هو الحال بالنسبة للهجة الألمانية في الألزاس في شرق اللورين
ج( الازدواجية اللغوية الخاصة بالأقليات العرقية :
و هذا النوع من الازدواجية اللغوية قائم عند الأقليات العرقية في بلدان تهدف سياستها اللغوية إلى استيعاب هذه الأقليات ، مثلما هو الحال في بلدان أمريكا اللاتينية ، كاللغة الغورانية (guarani)في البرغواي ، و التي تمثل نسبة 34 % من السكان الريفيين يمارسونها ، و لغة الكيشوا (quechua) و التي يتكلمها عشرة ملايين متكلم، و قد كانت لغة بدائية جدا من قبل ، ولكنها بفضل مجهودات المدافعين عنها وضعت لها قواعد كتابة و قوالب خاصة بها ، إلى أن أصبحت لغة رسمية إلى جانب الأسبانية منذ سنة1974
و الجدير بالذكر أن هذه << الأقليات و إن لم تكن تتكلم اللغة القومية فهي تستمر في أغلب الأحيان في استخدام لغتها في البيت و في إطار تجمعاتها>> 
و في الأخير ، يمكننا تعريف الازدواجية اللغوية الاجتماعية بأنها حالة وجود لغتين مختلفتين في المجتمع الواحد ، قد تشمل المجتمع كله أو جزءا منه فقط.
و قبل أن نختم هذه النقطة لابد أن نشير إلى أننا سنستعمل مصطلح الازدواجية اللغوية دون ذكر الاجتماعية أو الجماعية، لنعني بها هذا النوع من الازدواجية.

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 3488 مشاهدة
نشرت فى 8 نوفمبر 2013 بواسطة asmaaelwady

عدد زيارات الموقع

18,144