موقع الأستاذ عبد الفتاح أمير عباس أبو زيد

موقع لغوي أدبي تربوي قبمي

أنوار آية : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ

كتب: د. علي بن عمر بادحدح18 يناير, 2012 - 24 صفر 1433هـ

 

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين والدعاة، أما بعد:

سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته،

أنوار آية تجمعنا في كل جمعة بعد الصلاة لنستضيء بالمعاني والآداب والأحكام في آيات القرآن العظيم واليوم نقف مع قوله جل وعلا (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [آل عمران/26].

وهذه آية عظيمة واسعة في دلالاتها ومعانيها، ولفظة (اللهم) -باختصار شديد- هي من ألفاظ الدعاء مثل: يارب وياالله،  الله.

ولفظ الجلالة (الله) فيها عند أهل اللغة تفصيل ليس هذا مقامه، ثم يقول الحق -جل وعلا-: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) فالنداء هنا لله -جل وعلا- بهذه الصفة، أو بهذا الوصف الشامل للمضاف والمضاف إليه نحن نعرف الملك، وأنه غاية ما يمكن أن يصل إليه الإنسان، والله -جل وعلا- هنا يصف نفسه في هذا النداء المتعلق بدعائه -سبحانه وتعالى- بأنه مالك الملك، فالألف واللام للجنس أي: جنس الملك الذي يستغرق كل أنواعه وأشكاله، نحن لدينا ملك في بلد وملك في بلد آخر، ولدينا ملكية أموال، ولدينا ملكيات فكرية، كل هذا يدخل في شيء واحد اسمه الملك، والله -جل وعلا- مالك الملك.

 والملك الذي نعرفه نحن في الأمور المعتادة يقتضي الاقتناء والحيازة والتصرف والتدبير والحماية والوقاية، فإن قلت إنك تملك بيتا، فمعنى ذلك أولا: أنك تقتنيه وتحوزه عندك، ثم ثانيا: لك الحق في التصرف فيه، تغلق باباً، أو تفتح باباً، أو تكسر جداراً، أو تفتح نافذةً، فهو ملكك لا ينازعك في التصرف فيه أحد. وثالثا: إذا جاء أحد ليعتدي عليه فإن لك الحق في أن تدفعه وترده عنه. هذا هو المُلك المعتاد الذي نعرفه ولكن الملك هنا -كما ذكر أهل التفسير- يشتمل على أنواع كثيرة كلها مندرجة في أن الله -جل وعلا- هو مالكها، وصيغة الفاعل مالك هي أقوى الصيغ دلالة على التمكن من الشيء، فأنا إذا كتبت كتاباً قد أسمى كاتباً لكن يقولون: كاتب جديد، أو كاتب مبتدئ، أو يقولون: كتب كتاباً فقط، ولا يصفونه بأنه كاتب، لكنه إذا كتب عدة كتب في فنون مختلفة، وكانت كتبه جيدة، قيل إنه كاتب، فلا يطلق اسم الفاعل أصلاً إلا على من تمكن من الفعل تمكناً كاملاً تاماً.

 الْمُلك: ذكر أهل التفسير أقوالاً في معناه، فقيل : ملك النبوة والرسالة، لماذا تسمى النبوة أو الرسالة ملكا؟ لأن من دلائل الملك كما قالوا - يعني الملك الذي نعرفه بمعنى السلطان والحكم - هو التصرف في طائفة من الناس ووطنهم تصرفا كاملاً تدبيراً ورعاية، فالناس ينصرف ذهنها إذا قلنا الملك أنه ملك  يحكم في بلد من البلاد، وبالتالي هو مسؤول عن هذه الرعية، وقائم على مقدراتها وعلى ثرواتها وغير ذلك، ولذلك قلنا أيضاً: الملك يدخل فيه قدرة الإنفاذ.

 وفي معاني الملك هناك ملك المال وهو أيضاً ملك، وملك الجاه ملك، وملك السلطان ملك ،كل هذه من أنواع الملك المعروفة، فملك المال فيه قدرة على الإنفاق.

 الذي عنده مال يستطيع أن ينفق المال فيحقق ما يريد إلى حد كبير، والذي عنده ملك الجاه عنده هيبة الجناب فيخشى الناس أن يسيئوا إليه أو يعتدوا عليه. وكذلك القوة والسلطان هي التي فيها القدرة على الغلبة والمغالبة.

لم سميت النبوة والرسالة ملكاً؟

 لأن الناس ينقادون للنبي والرسول انقيادا باطنا وظاهرا، أما الملوك فلا ينقادون لهم -في الغالب- إلا انقيادا ظاهرا، والله أعلم بالبواطن، فقد ينقاد الناس لملك باغ ظالم ويستجيبون لأمره ولا يخالفونه، لكنهم يكرهونه ويبغضونه، ويودون لو تخلصوا منه أو استطاعوا أن يخرجوا من سلطانه، إما أن يذهب هو أو يذهبوا هم كما نرى في عالم الناس اليوم.

 (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) روى الواحدي في أسباب النزول سبباً لنزول هذه الآية قال فيه:إن ابن عباس وأنس بن مالك -رضي الله عنهما- قالا: لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة وعد أمته مُلك فارس والروم، فقال المنافقون: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ إنهم أعز وأمنع من ذلك. ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله هذه الآية، ولو لم يكن ذلك أيضاً ثابتاً.

وكذلك الحادثة المشهورة في يوم الخندق عندما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يضرب المعول في تلك الصخرة، ثم يذكر أنه أضيئت له قصور كسرى وقيصر والحيرة وغير ذلك.

 وبعضهم قال : إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر بذلك سراقة بن مالك -رضي الله عنه- عندما لحق به في أثناء طريقه للهجرة .

 ثم هنا ندخل في قضية من قضايا الاعتقاد.

الناس اليوم يزيد عندهم اليقين أو الإيمان بالمحسوس الملموس إذا قوي وظهر، وإذا استمر ودام وغلب وبقي ، على سبيل المثال -وإن كان مثالاً بعيداً- اليوم لما ظهر الطب وظهرت آثاره، وظهرت مكتشفاته وغير ذلك، ودامت واستمرت وكل يوم تزيد علينا، ماذا حصل؟

 ركَن بعض الناس إليه ركوناً أشبه ما يكون تاماً، وكأنه قد ضعف يقين الناس بأن الشافي هو

الله -سبحانه وتعالى- (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) [الشعراء/80] نعم نؤمن بذلك، لكن أين واقعه في حياتنا؟ ضعفت آثاره، واليوم لما ملَك الملوك، ولما حكم الحكام، ولما تسلط الأقوياء، ولما ظهرت مصطلحات القوة العظمى وحاملات الطائرات وراجمات الصواريخ وغير ذلك، غلب على الناس هذا المحسوس الملموس الذي دام واستمر حتى كأن قائلهم يقول ما قاله فرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات/24]، وكأن الناس أصبحوا إلى حد ما لا أقول يسلمون لكنهم كأنما يستبعدون أن يزول شيء قد وقع ودام واستمر واستقر، والأمر هذا له في الآية معنى عظيم.

 الله عز وجل هو مالك الملك، ولذلك تأكيداً لهذا المعنى جاء قوله -سبحانه وتعالى- تتمة الآية (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) وإتيان الملك قد لا يظهر للناس؛ لأننا ربما ولدنا وهناك من ملك قبلنا، لكن العبرة الأبرز تظهر في نزع الملك؛ لأن الملك غالباً ما يُحمى ويُستمات في حمايته، وغالباً ما يُحفظ بشيء من الحيلة والمكر أو القوة والغصب، وفي الأمثال الحجازية يقولون:( الحكم فرحة ولو على فرخة) لماذا ؟لأن من مَلك لا يريد أن يزول عنه ملكه، فلذلك يستبعد الناس زوال الملك، ومن هنا جاء قوله عز وجل (وتنْزع الملك ممن تشاء).

 والنّزع في اللغة: المجافاة والمباعدة من الشيء كأن تنزع ثوبك أي: تخلعه فيفارق جسمك، واستخدمت هذه اللفظة بعد ذلك في المعنويات، كما قال -سبحانه وتعالى-: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا) [الحجر/47] نزع الغل أي: أخرجه من قلوبهم وفارق قلوبهم، إذاً إيتاء الملك ابتداءً هو من الله -سبحانه وتعالى-، وفي هذا المعنى قصة طريفة عن أحد ملوك الأمم السابقة، وأنه كان يزهو بملكه وقدرته، وكأنه يقول مقولة فرعون (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ) [الزخرف/51] أو مقولة النمرود (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) [البقرة/258] كل هذا كان واقعاً، فقال له أحد وعاظه يوما : دعني أطبق معك شيئاً فجعله يأكل ويشرب، ثم لما أكل كثيراً احتاج إلى شرب الماء. قال الواعظ: لو منعتُ عنك هذا الماء هل تعطيني نصف ملكك؟ قال: نعم ؛ لأنه سيموت إذا لم يشرب الماء، ثم لما شرب أراد- أكرمكم الله- أن يخرج البول. قال الواعظ: لو حُبس عنك خروج هذا هل تعطيني نصف ملكك الباقي؟ قال: نعم. قال: فما أبخس هذا الملك! يُعطى نصفه بشربة ماء ويعطى نصفه الآخر بخروجها.

وهذا أمر حقيقي ولذلك لما رأى أحد السلف رجلاً يمشي متبختراً قال: على رسلك إنما أنت من نطفة مذرة وتصير إلى جيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة ، أي: الفضلات.

 ليس هناك ملك حقيقي للإنسان؛ لأن المالك هو الله، مالنا الذي نملكه من ملك الله، ذريتنا وأزواجنا وأبناؤنا من ملك الله ، والذي يظهر فيه القوة والقدرة هو النزع، أحياناً إذا أوتيت أبناء لا تظن أو لا يخطر ببالك أو لا تتعمق عندك قوة اليقين بأن هذا من عطاء الله ، لكن عندما تُسلب أو عندما يُحرم من يُحرم من الذرية بأن يكون عاقرا أو زوجه عاقر، يظهر هنا أثر القدرة الإلهية بالمنع، وفي آية الشمس والقمر عبرة، تشرق الشمس ويظهر القمر حتى ألف الناس ذلك، وظنوا أنه أمر منته، فجاءت قدرة الله جل وعلا بكسوف الشمس أو خسوف القمر حتى يدرك الناس أن الذي أظهرها يمكن أن يخفيها، واليوم لما ظهر العلم وصار الناس يقولون: ستكسف الشمس في الساعة كذا وكذا دقيقة وكذا ثانية غاب عن الناس أيضاً هذا المعنى، ولذلك أيها الإخوة تتبلد المعاني الإيمانية وتضعف آثارها مع التسليم بالمحسوس خاصة إذا دام واستمر، فلذلك لا يدوم شيء على حال أبداً إلا ما أراده الله -سبحانه وتعالى-.

ما بين غمضة عين وانتباهتها         يبدل الله من حال إلى حال

ألم نر في زماننا هذا ملوكاً أو حكاماً كانوا ملء العين والبصر، لا يستطيع أحد أن يرفع إليهم النظر رأيناهم بعد ذلك في بلاد مختلفة صاروا في الأصفاد ، ويحاكمون ويقتلون، وتتبدل الأحوال في لحظات، وفي أسباب لم يكن أحد يقدرها، ولا يستطيع أن يتنبأ بها، وهذا من قدرة الله -عز وجل- حتى يركن الناس إلى مالك الملك -سبحانه وتعالى- (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) والأمر -كما قلت- مطرد، فالعزة بالطاعة والذلة بالمعصية، والعزة بالغلبة والقهر والذلة بالهزيمة والإذلال، كل هذا أيضاً بيد الله -عز وجل- لكن الله جعل لنا فيه سنناً ماضية فمن آمن فقد أخذ بالعزة (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون/8] ولذلك كانوا يعتزون بقوتهم وسمعتهم، وبأنسابهم وأحسابهم فتسحب هذه العزة كلها.

 وقد رأينا ذلك في سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- كيف كان أبو جهل يعتز ويفتخر، ويظلم ويبطش ثم إذا به تحت أقدام معاذ ومعوذ ابني عفراء، ويرتقي ابن مسعود-رضي الله عنه- النحيل دقيق الساقين رغم صغر جسمه على جثة أبي جهل ويحز رأسه، وأبو جهل قد رغم أنفه وسال دمه، وأزهقت روحه وانتهى خبره وطويت صفحته، وظلت لعنته قائمة هو وأبو لهب إلى يوم القيامة، وبقي محمد -صلى الله عليه وسلم- خير الخلق وأشرف الناس عظيماً عزيزاً إلى قيام الساعة.

 وليس هذا في حق الرسل والأنبياء، بل حتى في مجريات الحياة، المسلمون المؤمنون يوم اعتزوا بدينهم ويوم اعتزوا بطاعة ربهم عزوا وأذلوا وملكوا وقهروا، ورأينا كيف كان ملكهم رحمة للناس وخيرا للبشرية، وكان هارون الرشيد يخاطب السحابة فيقول: "أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك" وقال النبي -عليه الصلاة والسلام- :(حتى تسير الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى شيئاً) وفي رواية (لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه) كل ذلك يدلنا على أن مسيرة حياتنا مرتبطة بإيماننا؛ لأن إيماننا هو الذي يوصلنا بقوة مالك الملك الذي يؤتي ويمنع، ويعطي وينزع -سبحانه وتعالى- لا راد لقضائه ولا مانع لحكمه، وإذا أزفت الآزفة وجاء قدر الله فإنه لا ينجي حذر من قدر، وكم رأينا  صوراً لمن حكموا وتجبروا، خرجوا وهم مقيدون في الأصفاد مذلون في الأعناق.

   وهنا ذكر ابن كثير -رحمه الله- تصديق ذلك مما كان يقوله المشركون فيما جاء في قول الله -سبحانه وتعالى- (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف/31] لماذا محمد صلى الله عليه وسلم ؟! هذا ضرب مما اختص الله به الملك وهو النبوة والرسالة (الله أعلم حيث يجعل رسالته) (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) ليس ذلك لكم، ولذلك اعترضوا بهذا الاعتراض، وهذه الآية ترد عليهم، وكذلك قوله سبحانه وتعالى (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الزخرف/32] بعض الناس اليوم يقول: لماذا هذا غير متعلم وعنده أموال، وأنا فعلت وفعلت وليس عندي أموال؟ ونسمع -للأسف- فيما يجري فيه على ألسنة الممثلين وغيرهم في الإعلام: ماذا عملت حتى يحصل لي كذا؟ ولماذا يحصل؟ أليس هذا اعتراضا على قدر الله؟ أليس هذا اعتراضا على تصرف مالك الملك سبحانه وتعالى فهو يؤتي ويمنع -سبحانه وتعالى- بحكمة، وله في ذلك حكمة بالغة، لذلك يقول تعالى:(الله أعلم حيث يجعل رسالته) ، وهذا كله من ظاهر القول الذي ينبغي الإيمان به والتسليم له.

 ومثل هذا الإيمان إذا ملك القلب واليقين حقيقة أصبح الإنسان حراً وعزيزاً لا يذله من يريد أن يعطيه المال، كما قال الشافعي -رحمه الله-:

                     أنا إن عشت لست أعدم قوتا          وإذا مت لست أعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفســي             نفس حر ترى المذلة قهرا

وليس لسلطان أن يذبح أو يزهق الروح والنفس إلا بقدر الله والأجل الذي قدره، ولذا يقول الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه:

أي يومي من الموت أفر                          يوم لا يُقدر أو يوم قُدر

يوم لا يُقدر لا أحذره                        ومن المقدور لا ينجو الحذر

هكذا كان اليقين مؤثراً في واقع الحياة.

ثم جاء قوله -جل وعلا- (بيدك الخير)  وهنا لفظ بديع موجز بليغ.

الخير: هل هو نزع الملك أو إيتاؤه؟ كل ما يأتي من الله هو الخير من أعطاه الملك فبحكمة، ومن نزع منه الملك فبحكمة، وكل أمره -سبحانه وتعالى- خير، ولذا كان من دعاء الرسول -عليه الصلاة والسلام- : (والشر ليس إليك) لا ينسب إلى الله وإن وقع في قدر الله وبأمر الله إلا أن فيه حكمة عظيمة، ويكفي أن نقول إن بعض أهل العلم ذكروا لخلق إبليس الشيطان حِكَماً عظيمة جليلة، لا حباً فيه، ولا نظراً إلى حسن في صفاته، لكن قالوا: إنه به يظهر اسم الله التواب والرحيم والغفور، وبه يظهر ضعف الإنسان وقوة الله -عز وجل-، وبه يظهر الغفلة والافتقار للدعاء، وأمور كثيرة جداً. لذلك قال الله عز وجل: (بيدك الخير) ولماذا جاء قوله: بيدك؛ لأن هذا تعبير بلاغي لغوي عربي فصيح. إذا أردنا أن نصور الملكية نقول: وضع يده على الأرض،لم يضع يده على الأرض يغطيها، لكن المقصود: أنه تملكها وأصبح متصرفاً فيها، ويقولون: مفتاح الأمر بيده، الأمر قد يكون قضية ليس مفتاح باب، ولكن المقصود: تمام القدرة على التصرف، فذلك كله إلى الله -عز وجل- ومرجعه إليه (بيدك الخير).

ثم جاء التوكيد الذي تقرر في القرآن كثيراً، وأنا أحسب أننا لا نتأمله بما ينبغي (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إنّ للتوكيد، والكاف ضمير عائد إلى الله -عز وجل-، ثم حرف الجر (على) وفيه معنى السيطرة والقهر والعلو على كل شيء، وهذا عموم لا يستثنى منه شيء، لا قوى عظمى ولا حكومات ولا غير ذلك. يمكن بهزة أرضية أن يتقوض ملك، بهبة ريح يمكن أن تزول دولة، وقد كان ذلك فيما كان من الرسل والأنبياء كما نعلم فيما خالفهم فيه أقوامهم، فنزل عليهم عقاب الله. وسنة الله ماضية لا تتغير ولا تتبدل.

 (إنك على كل شيء قدير) وقدير: اسم مبالغة على وزن فعيل، أي: في كل الظروف والأحوال، وفي كل الأوقات والأزمنة، وعلى كل أحد ، من عاقل وغير عاقل، قدرة مطلقة لا يحدها شيء، وكل قدرة لبشر فإنها محدودة إما بزمان قدرته ثم يموت ، وإما بقدر قوته فهي محدودة، وإما بغلبة غيره عليه فهو يُقهر بمن هو أقوى منه.

 (إنك على كل شيء قدير) آية عظمية ينبغي أن ندرك من خلالها أن الأمور بيد الله ، وأن ما آتانا الله إياه قادر على أن ينزعه منا، وأن العزة والذلة بيده -سبحانه وتعالى-.

 نسأل الله -عز وجل- أن يعزنا بعزه،ويزيدنا إيماناً به وطاعة له واستجابة لأمره -سبحانه وتعالى-، وأن يذل كل عدو للإسلام والمسلمين، وأن يجعل الدائرة على الكافرين، وأن يجعل العاقبة للمتقين.

والحمد لله رب العالمين ، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

amer123123

اللهم احفظ المسلمين من شر وسوء المنافقين والخونة والعملاء والكافرين يارب

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 39 مشاهدة
نشرت فى 20 يونيو 2013 بواسطة amer123123

ساحة النقاش

عبد الفتاح أمير عباس أبوذيد

amer123123
موقع لغوي تربوي وأدبي وقيمي الرؤية والرسالة والأهداف: رؤيتنا: الرؤية : الارتقاء بالمنظومة التعليمية والتربوية بما يؤسس لجيل مبدع منتمٍ لوطنه معتزاً بلغته فخوراً بدينه رسالتنا: السعي لتقديم خدمات تربوية وتعليمية ذات جودة عالية بتوظيف التقنية الحديثة ضمن بيئة جاذبة ومحفزة ودافعة للإبداع الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها · إعداد »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

11,486,936