في حيّ الميدان بالعاصمة دمشق، ينتظر الشباب يوم الجمعة بلهفة عاشق، وفي الميدان تصرخ دمشق: أنا هنا.

كان فتى قبل 15 مارس/آذار العام الماضي، وأصبح رجلاً بعد ذلك التاريخ، ونضجت فجأة رؤاه وأحلامه المرتبطة بطيش عمر الـ 17، لتصبح الحرية أولها وآخرها.
ومن ناحية أخرى، كانت فتاة تذهب إلى المدرسة كل يوم محملة بهموم الثانوية العامة، تلمحه يومياً تحت جسر الميدان في النقطة المشتركة بين طريقهما كل إلى مدرسته، تفتش عن ظل ابتسامة وتلتقطها فوراً فتتحول خطواتها إلى ما يشبه الهرولة.

بعد 15 مارس/آذار، بات لقاؤهما نادراً، فتعود هي إلى منزلها خائفة ومرتبكة تسأل نفسها: لم يذهب إلى المدرسة، لعله مريض. ويجلس هو وراء الكمبيوتر يتابع أخبار ثورة بلاده، مقسماً اليمين تلو اليمين أنه سيشارك الجمعة القادمة بالمظاهرة، كل ما يريده أن تخرج مظاهرة في دمشق لينضم إليها.

يعقد مع أصدقائه اجتماعات "ثورجية" بحسب تعبيرهم، وتنتظر هي أن تراه على أمل أن يعترف لها بحبه بعد كل تلك الابتسامات التي نجحت في التقاطها وخبأتها في بقعة سرية داخل قلبها، لا يعرف أحد مكانها سواها.
الحب والثورة
عندما دخل الميدان في خارطة المظاهرات عاد إلى الحياة الحقيقية "كما يعتقد"، ولكنه اشتاق أن يراها، فتثاقلت خطواته تحت الجسر حنيناً وحباً.

نظرتها المليئة بالرعب عليه والفرحة للقياه جعلته يشعر بأنه بقوة ألف رجل، إذن إنها موافقة على خروجه يوم الجمعة في المظاهرة، رفع يده بإشارة النصر فأدركت ما يريد قوله، وبرمشة عين أخبرته أنها تفتخر به، ومضت.

"لم يبق لدي أكثر من أسبوع في الحياة، ربما سأصبح شهيداً الجمعة القادمة، وعلي أن أقول لها إنني أحبها".. يكلم نفسه قبل أن ينام واعداً حبيبته في خياله أنه سيوقفها في الصباح ليخبرها كم حلم بها، وسيطلب منها أن تراه في المظاهرة الأسبوع القادم "فالحرية لي ولها".

صمته يقتلها، وتكاد هي أن توقفه وتصرخ في وجهه "وبعدين"، ويمر الصباح مع الابتسامة ويمضي كل منهما في طريقه دون أن يملك هو جرأة البوح، وتمضي هي في خوفها عليه ومنه، وتحدث نفسها: "إذا صرلو شي بموت، إذا صرلو شي كيف بدي أعرف أنو كان بحبني".
اعتراف
المكان: الميدان في قلب دمشق
الزمان: 19 ديسمبر/كانون الأول 2011
الحدث: مظاهرة في حي الميدان في دمشق

استيقظت على صوت الشارع ضاحكاً هاتفاً "الله سوريا حرية وبس"، رأت البيوت تقيم العظام على العظام، الصوت الهادر خلع قلبها من مكانه، إنه معهم، انتهى الأسبوع ولم تره، خوفها سيطر عليها، وركضت إلى الشباك لتفتش عنه بين الجموع علها تحميه بعيونها من رصاص الأمن والجيش السوري، "الرصاص الغادر"، تقول في نفسها :"يا رب تحميلي ياه"، وتصرخ وسط الدموع.

هو يحمل في عينيه نظرة ألف ثائر، يسترق النظر إلى أعلى ليخبرها بعينيه أنه كبر وأصبح رجلاً، يحمل لافتة يرفعها إلى أقصى ما يستطيع، يوجهها باتجاه منزلها، تلتقي عيونهما في لحظة، فيومئ لها لتقرأ ما كتب على اللافتة التي يحملها. تبكي وتصرخ "الله سوريا حرية وبس"، وتتعلق عيونها بلافتته التي كتب عليها: "بحبك حرة".

 

المصدر: (العربية نت)
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 25 مشاهدة
نشرت فى 19 فبراير 2013 بواسطة alsanmeen

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

756,273