الحمد لله مُدبِّر الليالي والأيام، ومُصرِّف الشهور والأعوام، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

وبعد..

فهذه وقفات قصيرة في مستهل هذا الشهر الكريم تحيي القلوب، وتذكر النفوس وتقوي العزائم:

الوقفة الأولى: أُذكرك ـ أخي المسلم ـ بأصل الخلق وسبب الوجود، قال الله عز وجل: (وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ والإنس إلا ليعبدون) قال الإمامالنووي: وهذا تصريح بأنهم خُلقوا للعبادة، فحُقَّ عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام.

 

أخــي المســـلم:

تفكر في عظم فضل الله عليك (وإن تعدُّوا نعمتَ اللهِ لا تُحصُوها).. وأجلُّ تلك النعم وأعظمها نعمة الإسلام، فكم يعيش على هذه الأرض من أمم حُرمت شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.. ثم احمد الله عز وجل على نعمة الهداية والتوفيق، فكم ممن ينتسب إلى الإسلام وهم مُخالفون لتعاليمه ظاهراً وباطناً، مفرطون في الواجبات غارقون في المعاصي والآثام، فاللهم لك الحمد.

وأنت ـ أيها المسلم ـ تتقلب في نعم الله عز وجل من أمن في الأوطان، وسعة في الأرزاق، وصحة في الأبدان، عليك واجب الشكر بالقول والفعل، وأعظم أنواع الشكر طاعة الله عز وجل، واجتناب نواهيه، فإن النعم تدوم بالشكر كما قال تعالى: (وإذ تأذن ربُّكم لئن شكرتم لأزيدنكم).

الوقفة الثانية: من نعم الله عليك أن مدَّ في عمرك وجعلك تُدرك هذا الشهر العظيم، فكم غيَّب الموت من صاحب، ووارى الثرى من حبيب.. فإن طول العمر والبقاء على قيد الحياة فرصة للتزود من الطاعات، والتقرب إلى الله عز وجل بالعمل الصالح. فرأس مال المسلم هو عمره، لذا احرص على أوقاتك وساعاتك حتى لا تضيع سدى، وتذكر مَن صام معنا العام الماضي وصلى العيد!! ثم أين هو الآن بعد أن غيبه الموت؟! واجعل لك نصيباً من حديث رسول الله (ص): «اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شُغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك»([1]). واحرص أن تكون من خيار الناس كما أخبر بذلك الرسول (ص) فعن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أن رجلاً قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال (ص): «من طال عمره، وحسن عمله» قال: فأي الناس شر؟ قال (ص): «من طال عمره، وساء عمله»([2]).

الوقفة الثالثةيجب الإخلاص في النية، وصدق التوجه إلى الله عز وجل، واحذر وأنت تعمل الطاعات مداخل الرياء والسمعة فإنها داء خطير قد تحبط العمل، واكتم حسناتك وأَخفها كما تكتم وتخفي سيئاتك وعيوبك، واجعل لك خبيئة من عمل صالح لا يعلم به إلا الله عز وجل.. من صلاة نافلة، أو دمعة في ظلمة الليل، أو صدقة سر، واعلم أن الله عز وجل لا يتقبل إلا من المتقين، فاحرص على التقوى (إنمايتقبل الله من المتقين).. ولا تكون مما يأبون دخول الجنة.. كما ذكر ذلك الرسول (ص) بقوله: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([3]).

الوقفة الرابعةعوِّد نفسك على ذكر الله في كل حين وعلى كل حال، وليكن لسانك رطباً بذكر الله عز وجل، وحافظ على الأدعية المعروفة، والأوراد الشرعية قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحُوهُ بكرةً وأصيلاً).. وقال تعالى: (والذَّاكرين الله كثيراًوالذَّاكرات أعدَّ الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً).. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله (صيذكر الله في كل أحيانه»([4]).

وقال رسول الله (ص): «سبق المفرِّدون».. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»([5]).

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: وبالجملة فإن العبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غَبّ إضاعتها يوم يقول: (يا ليتني قدَّمت لحياتي).

واعلم ـ أخي المسلم ـ أنه لن يعمل أحد لك بعد موتك من صلاة وصيام وغيرها، فهبّ إلى الإكثار من ذكر الله عز وجل والتزود من الطاعات والقربات.

الوقفة الخامسةاحرص على قراءة القرآن الكريم كل يوم، ولو رتبت لنفسك جدولاً تقرأ فيه بعد كل صلاة جزءاً من القرآن لأتممت في اليوم الواحد خمسة أجزاء وهذا فضل من الله عظيم، والبعض يظهر عليه الجد والحماس في أول الشهر ثم يفتر، وربما يمر عليه اليوم واليومان بعد ذلك وهو لا يقرأ من القرآن شيئاً، وقد ورد في فضل القرآن ما تقر به النفوس، وتهنأ به القلوب. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن أقول ألف حرف،ولام حرف، وميم حرف»([6]).

وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه»([7]).

الوقفة السادسةرمضان فرصة مواتية للدعوة إلى الله.. فتقرب إلى الله عز وجل في هذا الشهر العظيم بدعوة أقاربك وجيرانك وأحبابك عبر الكتاب والشريط والنصيحة والتوجيه، ولا يخلو لك يوم دون أن تساهم في أمر الدعوة، فإنها مهمة الرسل والأنبياء والدعاة والمصلحين، وليكن لك سهم في هذا الشهر العظيم، فإن النفوس متعطشة، والقلوب مفتوحة، والأجر عظيم.. قال (ص): «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاًخير لك من حمر النعم»([8]).

قال الحسن رحمه الله: فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد.

الوقفة السابعةاحذر مجالس الفارغين، واحفظ لسانك من الغيبة والنميمة وفاحش القول، واحبسه عن كل ما يغضب الله، وألزم نفسك الكلام الطيب الجميل، وليكن لسانك رطباً بذكر الله.. وهي فرصة للتزود من الطاعة والتفرغ للعبادة، وقد لا تتكرر الفرصة.. بل وقد تموت قبل أن تعود الفرص، واعلم أن كل يوم يعيشه المؤمن هو غنيمة.. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رجلان من بلى من قضاعة أسلما على عهد رسول الله (ص) فاستشهد أحدهما وأُخر الآخر سنة، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيت المؤخَّر منهما أُدخِلَ قبل الشهيد، فتعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي (ص)، أو ذُكر ذلك للنبي (ص) فقال: «أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا ركعة صلاةسنة»([9]).

الوقفة الثامنةمنزلك هو مناط توجيهك الأول، فاحرص أولاً على أخذ نفسك وتربيتها على الخير، ثم احرص على مَنْ حولك من زوجة وأخ وأخت وأبناء؛ بتذكيرهم بعظم هذا الشهر وحثِّهم على المحافظة على الصلاة، وكثرة قراءة القرآن، وكن آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر في منزلك بالقول الطيب، والكلمة الصادقة، وأتبع ذلك كله بالدعاء لهم بالهداية. وهذا الشهر فرصة لمراجعة ومناصحة المقصرين والمفرطين، فلعل الله عز وجل أن يهدي من حولك، فيكون لك الأجر العظيم كما قال رسول الله (ص): «من دل على خير فله مثل أجرفاعله»([10]).

أخــي المســلم:

إن أفزعتك دورة الأيام، وأهمَّتك أمر الآخرة، وأردت أن تعمل، فلا تقصر؛ فاقصد باب التوبة، واطرق جادة العودة وقل: لعله آخر رمضان في حياتي، ولعلي لا أعيش سوى هذا العام، ولا تستكثرعليك هذا التصور. فاحزم أمرك وسر إلى الآخرة، فوالله إنك في حاجة إلى الحسنة الواحدة.. واستحضر عظمة الجبار، وهول المطلع، ويوماً تشيب فيه الولدان، وفكِّر في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، ونارٍ يقال لها لظى: (نزَّاعةً للشَّوى تدعو من أدبَرَ وتولَّىوسترى بتذكر كل ذلك بإذن الله عز وجل ما يعينك على الاستمرار في العبادة، والمحافظة على الطاعة، وإن كنت قد تصدقت بما مضى من عمرك على الدنيا وهو الأكثر، فتصدق بما بقي من عمرك على الآخرة وهو الأقل..

أدعو الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يعيد هذا الشهر علينا أجمعين في خير وعافية، وألا يكون هذا آخر رمضان نصومه.

اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، وتجاوز عن تقصيرنا، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، إنك أنت الغفور الرحيم.. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 


([1])    رواه الحاكم.

([2])    رواه مسلم.

([3])    رواه البخاري.

([4])    رواه مسلم.

([5])    رواه مسلم.

([6])    رواه الترمذي.

([7])    رواه مسلم.

([8])    متفق عليه.

([9])    رواه أحمد.

([10])   رواه مسلم.

المصدر: رابطة شباب مستقبل سوريا

ساحة النقاش

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

756,274