مقدمة كتاب: (الغيب والشهادة كما تحدث القرآن الكريم)
أقدم للقارئ الكريم هذا العدد من سلسلة تصحيح المفاهيم عن (الغيب والشهادة كما تحدث القرآن الكريم)، وهناك علاقة قوية بين هذا العدد والعدد السادس الخاص بــ(الوحى والإنسان قراءة معرفية) فلقد أشرت فى العدد السادس إلى وظيفة الكون الوجودية كما أشار إليها القرآن الكريم ومسئوليته الدينية عن أداء هذه المهمة، كما سبق أن أشرت فى نفس العدد إلى الخطيئة الكبرى التى وقع فيها البعض حين اختزل مفهوم العلم ومفهوم العبادة الشرعية فى معان ضيقة محددة بالعلوم الشرعية التقليدية من الفقه والتفسير والحديث وممارسة الشعائر الدينية فقط، ونسى هؤلاء أن مفهوم العلم الشرعى أوسع وأشمل مما ظنوه، وأن مفهوم التعبد لله أوسع وأشمل مما حددوه ليشمل العلم كل علم نافع يأخذ بيد الأمة إلى النهوض وكل أمر دنيوى يتوجه به العبد إلى الله.
ويجيء هذا العدد تأصيلاً لهاتين القضيتين وأثر ذلك فى مسيرتنا الحضارية، أردت بذلك أن أنبه إلى مكانة عالم الشهادة فى القرآن الكريم كموضوع للبحث العلمى، والعمل العقلى، واكتشاف قوانين التسخير والتعمير للإفادة منه، كما أراده الله لعباده.
ففى عالم الشهادة تتجلى كلمات الله الكونية (كن) فى شكل القوانين والحقائق العلمية، والمسلم مكلف شرعًا بالكشف عنها والإفادة بها.
وفى عالم الشهادة تتجلى سنن الله فى انتظام الممالك وانهيارها، والحاكم المسلم مكلف باكتشاف هذه السنن من وقائع التاريخ ليعرف أسباب انتظام الممالك وأسباب انهيارها، وهى تدور بين تحقيق العدل وانتفاء المظالم وصون الحقوق وأدائها لأصحابها والحفاظ عليها.
وفى عالم الشهادة تتجلى للمفكرين والفلاسفة صفات الخالق وآثارها فى صنعته من الحكمة والإتقان والقدرة والعلم ... مما ينتفى معها القول بالصدفة أو العبثية.
وفى عالم الشـهـادة تتجـلى مظـاهـر عنـايـة الله بالإنسـان ورحمته به، وقد أشار القرآن الكريم إلى كل ذلك، وكلَّف المسلم بمعرفته كمدخل واقعى للتعرف على الله.
إن اهتمام القرآن بعالم الشهادة يعتبر دعوة ربانية لكل ذى عقل أن يتأمل ويبحث ويكتشف ويسخر ويعمر ويحسن توظيف الكون أداءً لأمانة الاستخلاف، ووظيفة {واستعمركم فيها} .. فهل أجاب المسلمون دعوة الله لهم للبحث العلمى فى عالم الشهادة.
ألا فليعلم المسلمون أن مفاتيح النهضة التى ينشدونها تكمن هاهنا، فى إجابة الدعوة القرآنية للعلم الكونى.
ألا فليعلم المسلمون أن قاطرة التقدم تكمن هنا فى دعوة القرآن للأخذ بمفاهيم العلم الكونى وإنتاج المعرفة.
ألا فليعلم المسلمون أن قراءة الكتاب المنظور أمر إلهى نزل به كتاب الله المسطور ...
والسؤال المحير لماذا تخلى المسلمون عن قراءة هذا الكتاب الكونى، وتركوه لغيرهم فقرأوه واحتكروا قراءته وحرموا علينا الإفادة منه؟
لماذا تركنا أنفسنا عالة على غيرنا نتسول منه لقمة الخبز؟ يتحكم بها فى مصيرنا كما نتسول منه العلوم الكونية.
إن هذه الدراسة المتواضعة والسريعة أشبه بالآهات التى ينفثها العليل تعبيرًا عن إحساسه بالألم يعتصره من وضع الأمة الإسلامية وتخلفها العلمى والحضارى فى الوقت الذى ندين بدين العلم، وتقرأ فيه كتاب ربها الذى يجعل العلم فريضة، وتمتلك فيها مقومات النهضة من العقول الواعية والأرض والثروة والأيدى العاملة، ومع كل هذه المقومات الحضارية يؤثرون التسوُّلَ من على موائد اللئام، ابتداءً من رغيف الخبز وحبة القمح، وانتهاءً بالآلة والمصنع.
أليس فى الأمة رجل رشيد يوجه أصحاب الأموال إلى تأسيس مراكز علمية تقود الأمة إلى المستقبل؟
أليس فى الأمة من يملك الإرادة الفاعلة لتحويل الخطب العصماء وقرارات المؤتمرات إلى عمل علمى تجنى الأمة ثمرته؟
أليس فى الأمة حاكم رشيد يحول إرادة العلماء وجهودهم إلى طاقة فاعلة، فنأكل مما نزرع، ونلبس مما ننسج، ونصنع أدواتنا بأيدينا؟
إنها قضية أمة وليست قضية فرد، وينبغى أن يتحمل مسئوليتها أصحاب القرار السياسى وأصحاب الكلمة من العلماء.
والله من وراء القصد.
المؤلف
22 رمضان 1430هـ
12 سبتمبر 2009م



ساحة النقاش