سيمياء التناص في نصوص جنوبية

 

      تطرح هذه الورقة النقدية محورين أساسين، الأول مفهوم التناص في النقد الدبي من الناحية النظرية، والثاني محاولة البحث عن مناطق التناص المتنوعة لدى شعراء الجنوب، ومن هؤلاء الشعراء مصطفى عباس مدني، عمر صابون، وجامع صالح.

 

مهاد : التناص : Intertextuality

     يبدو أن مفهوم التناص فى النقد الأدبى الحديث الأوروبى / العربى ، من المفاهيم التى طرحت بقوة إبان النصف الثانى من القرن العشرين ، وتحديداً عندما طرحت الناقدة البلغارية جوليا كريستيفا هذا المصطلح فى مجلتى " تيل  كيل " " Tel – Quel " وكريتيك " Critique "، ثم قامت بنشر مجموعة من البحوث فى كتابيها " السيميوطيقا " ونص " الرواية "[1] ويشير رولان بارت إلى أن " التناص " L'intertextuel هو الذى يجد نفسه فيه كل نص ليس إلا تناصياً لنص آخر لا يستطيع أن يختلط بأى أصل للنص : البحث عن " ينابيع " عمل ما أو " عما أثر فيه " هو اسـتجابة لأسـطورة النسب ، فالاقتباسـات التى يتكون منها نص ما مجهـولة ، عديمة السمة ومع ذلك فهى مقروءة من قبل : إنها اقتباسات بلا قوسين"[2] .

فالتناص إذن فى أبسط مفاهيمه هو تداخل النصوص بعضها البعض ، وتشابكها ، بحيث تسهم هذه النصوص المستدعاة فى عملية إقامة النص الشعرى / النثرى على حد سواء ، ومن ثمَّ فإن القول بأن التناص " هو حقل إعادة توزيع اللغة ، وإن تبادل النصوص أشلاء نصوص دارت أو تدور فى فلك نص يعتبر مركزاً ، وفى النهاية تتَّحد معه ، هو واحدة من سبل ذلك التفكك والإنبناء : كلُّ نص هو تناصٌ ، والنصوص تتراءى فيه بمستويات متفاوتة وبأشكال ليست عصية على الفهم بطريقة أو بأخرى إذ نتعرف نصوص الثقافة السالفة والحاليـة : فكل نص ليس إلا نسـيجاً جديـداً من استشـهادات سـابقة ، وتعرض فى النص قطع مدوِّنـات، صيغ ، نماذج إيقاعية ، نبذٌ من الكلام الاجتماعى .. إلخ ؛ لأن الكلام موجود قبل النص وحوله .

فالتناصية ، قدر كل نص ، مهما كان جنسه ، لا تقتصر حتماً على قضية المنبع أو التأثير ؛ فالتناص مجال عام للصِّيغ المجهولة ، التى يندر معرفة أصلها؛ استجلابات لا شعورية عفْوية مقدمة بلا مزدوجين . ومتصوَّر التناص هو الذى يعطى أصوليا ، نظرية النص جانبها الاجتماعى "[3]. والذى لا شك فيه أن التناص فى مفهومنا النقدى يرجع إلى احتمال قوى فى وجود شائج مباشر بين النصوص السابقة واللاحقة أو بمعنى آخر بين الكلام سـالفه وحاضره ، ويشـير الناقد الفرنسى رولان بارت إلى أن الكلام كله : " سالفه وحاضره ، يصبُ فى النص ، ولكن ليس وفق طريقة متدرجة معلومة ، ولا بمحاكاة إرادية ، وإنما وفق طريق متشعبة – صورةٌ تمنح النص وضع الإنتاجية ، وليس إعادة الإنتاج "[4]. صحيح أن التناص له دوره الفاعل فى عملية إثراء النص من الناحية الدلالية والمعرفية هذا من ناحية أما الأخرى : فهى القيمة الجمالية التى يبعثها التناص فى داخل النص الشعرى " المنتج " ؛ لأن الإنتاجية توحى بشكل أو بآخر إلى القيمة الحقيقية وراء هذا النص الذى يستدعى مقولات السابقين / اللاحقين بصورة ضمنية ، ويشير الدكتور صبرى حافظ إلى " أن التناص هو الذى يَهَبُ النص : قيمته ومعناه . ليس فقط ؛ لأنه يضع النص ضمن سياق يمكننا من فض مغاليق نظامه الإشارى ، ويهبُ إشاراته وخريطة علاقاته معناها ، ولكن أيضاً ؛ لأنه هو الذى يمكننا من طرح مجموعة من التوقعات عندما نواجه نصاماً ، واستجلاب أفق للتلقى نتعامل به معه . وما يلبث هذا النص أن يشبع بعض هذه التوقعات"[5].

ومن بين الدراسات[6] التى اهتمت بنظرية التناص اهتماماً شديداً ، دراسة فاطمة قنديل التى جاءت بعنوان التناص فى شعر شعراء السبعينيات ، وقدمت فصلاً تنظيرياً حول مفهوم المصطلح وإشكالاته وقضاياه وأهم أهدافه ، ومن ثمَّ فقد أشارت فاطمة قنديل إلى أنه " يبدو مصطلح التناص واحداً من تلك المصطلحات التى تعرضت – ولا تزال – للتحولات وتعدد التعريفات والسياقات والانتقادات ، مما يجعل دارس التناص أمام إشكالية تحديد هذا المصطلح المراوغ الذى لا يتحدد مفهومه (اته) إلا إذا أخذنا فى الاعتبار السياقات المختلفة التى أفرزت هذا المصطلح وتشعب دلالاته حسبها ، ولعل أبسط مفاهيم التناص أنه يعنى تلك العلاقات التى تنشأ بين نص أدبى وغيره من النصوص ، غير أن هذا المفهوم ، البسيط إلى حد الاختزال ، يشير إلى ظاهرة العلائق بين النصوص أكثر مما يشير إلى مصطلح التناص ، بكل ما يتطلبه المصطلح من دقة ووضوح واكتمال ، فللمصطلح معنى محدد "[7].

والذى لا شك فيه أن مصطلح التناص متعدد المفاهيم والرؤى. وأظن أن أقرب مفاهيم التناص كما يتبدى للباحث هو أن التناص عبارة عن تفاعل بعض النصوص الشعرية / النثرية تفاعلاً يقترب من الامتزاج ، ينتج عن هذا الامتزاج والتفاعل نصاً قائماً بذاته له سماته ومعاييره الفنية والدلالية واللغوية ، هذا النص الذى أسهمت فى وجوده مجموعة نصوص سابقة / لاحقة ، إحياءً لها من جانب وإثراءً للنص نفسه من جانب آخر . وتعزيزاً للتعريف السابق الذى ذهب إليه الباحث ، نجده متصلاً بتعريف الناقد مارك أنجينو الذى جاء فى مقال  بعنوان التناصية فيقول : " يندرج مصطلح التناصية عند كريستيفا 1966 . فى إشكالية " الإنتاجية النصية " ( ديدن Tel - Quel ) فى ذلك العصر وأعيدت صياغتها بعد ذلك كـ ( عمل للنص) ( نسخ للنشاط الأحلامى Tramarbiet لعمل الحلم ) ولا يتحدد إلا فى سبيل أن يدمج كلمة أخرى هى إيديولوجيم ideologéme (الذى يمكننا أن نظن بقراءة سريعة كل السرعة أنه قد نسج على نمط موينم ومورفيم وفوينم ).

تقول كريستيفا : إنَّ الايديولوجيم هو عينة تركيبية ، تجمع لتنظيم نص معلوم مع المؤديات التى يستوعبها أو يحيل إليها . فالتناصية إذن هى " ان يتقاطع فى النص مؤدى مأخوذاً من نصوص أخرى ، وإن العمل التناصى هو اقتطاع وتحويل ، ويولد تلك الظواهر التى تنتمى إلى بديهيات الكلام انتماءها إلى اختبار جمالية تسميها كريستيفا اعتماداً على باختي " حوارية " وتعددية الأصوات "[8]. ومن ثمَّ فإن التناص يمثل إحدى البؤر المركزية فى النص الشعرى / النثرى لأن التناص على حد قول صبرى حافظ: " يلفت اهتمامنا إلى النصوص الغائبة والمسبقة ، وإلى التخلى عن أغلوطة استقلالية النص ؛ لأن أى عمل يكتسب ما يحققه من معنى بقوة كل ما كتب قبله من نصوص . كما أنه يدعونا إلى اعتبار هذه النصوص الغائبة مكونات لشفرة خاصة يمكننا وجودها من فهم النص الذى نتعامل معه ، وفض مغاليق نظامه الإشارى . لكن ازدواج البؤرة هنا هو الذى لا يجعل التناص نوعاً من توصيف العلاقة المحددة التى يعقدها نص ما بالنصوص السابقة ، ولكنه يتجاوز ذلك إلى تحديد إسهامه فى البناء الاستطرادى والمنطقى لثقافة ما وإلى استقصاء علاقاته بمجموعة الشفرات والمواضعات التى تجعله احتمالاً ، وإمكانية داخل ثقافة ما ، والتى تبلور احتمالات هذه الثقافة بالنسبة له"[9]. وتحدد جوليا كريستيفا ( Julia Kristeva ) مفهوم النص فتقول : نحدد النص كجهاز عبر لسانى يعيد توزيع نظام اللسان بواسطة الربط بين كلام تواصلى يهدف إلى الإخبار المباشر وبين أنماط عديدة من الملفوظات السابقة عليه أو المتزامنة معه . فالنص إذن إنتاجية وهو ما يعنى : أنه ترحال للنصوص وتداخلٌ نصى ، ففى فضـاء نص معين تتقاطع وتتـنافى ملفوظات مقتطعة من نصـوص أخرى "[10]. ويقترب من هذا التعريف،الدكتور صلاح فضل فيشير إلى أن النص " يمثل عملية استبدال من نصوص أخرى ؛ أى عملية "تناص " "Intertextualite" ففى فضاء النص تتقاطع أقوال عديدة ، مأخوذة من نصوص أخرى ، مما يجعل بعضها يقوم بتحييد البعض الآخر ونقضه "[11].

إن الذى لا شك فيه أن التناص ( تداخل النصوص ) بعضها ببعض كان نتيجة للثقافة المتشبعة التى يمتح منها الشعراء أو الأدباء بوجه عام .

لاشك أن الشعر العربي الحديث، احتفى احتفاءً شديداً باستدعاء آليات التناص وذلك من خلال الاقتباس والامتصاص والإشارات النصية الواضحة إلى نصوص سابقة، تقوم بإثراء النصوص اللاحقة ومن ثَّم فإن التناص بمفهومة الواضح هو عملية من عمليات تفاعل النصوص وتداخلها بعضها البعض، وقد تكشف
عن القراءة الأولى / المعايشة القرائية مع هذه النصوص الشعرية التي جاءت في صورٍ مختلفة، منها ما حافظ علي الشكل الكلاسيكي للقصيدة العربية، مثل ديوان عروس الشط، للشاعر عمر صابون الأنصاري، ومنها ما هو تفعيلي متحرر من القافية مكتفياً بالوزن وصانعاً إيقاعه الخاص به، مثل ديوانى تصريحات قروية للشاعر مصطفى عباس مدني  وديوان بلاد الصمت للشاعر جامع صالح علي، و في حقيقة الأمر إن مناطق التناص لدي هؤلاء الشعراء اختلفت اختلافاً واضحاً، ولذلك فإنني أقدم في هذه الدراسة المتواضعه رؤية نقدية حول الأعمال الثلاثة لهؤلاء الشعراء الذين احترقت قلوبهم بنار الشعر العربي عبر مراحله وعصوره المختلفة، و تبدأ القراءة النقدية بديوان الشاعر عمر صابون "عروس الشط" هذا الديوان الكلاسيكي
الذي صدره الشاعر بمجموعة من المقدمات التي تقترب من النقد متضمنةً المجاملات التى لا تفيد الشاعر شيئاً؛ لأنه أكبر من هذه المجاملات إذا كان مخلصاً لفنه الشعرى متحرقاً به. إن هذه المقدمات سلاح
ذو حدين؛ لأنها توجه المتلقي إلى تحديد أفق التلقي لديه، ومن ثم فإن النص يحمل رؤية أحادية الشكل والدلالة. أما الأخرى فإنها ترضي غرور الشاعر، وتحاول أن تضعه في مكان يرتضيه لنفسه؛ لأن مَنْ تكلموا عنه شعراء / كتاب، إنما هو نوع من التقديم الصحفى لا النقدي. ومن ثم فقد سيطر الإيقاع الكلاسيكي سيطرة قوية علي نصوص الشاعر، حيث إنه يميل إلى التكلف اللفظي الذي ألزم الشاعر
به نفسه كثيراً. الشاعر عمر صابون تروق له القصيدة التقليدية ويطمئن إليها، وتسيطر الرومانسية سيطرة كبيرة علي قصائد الديوان مثل ( مليكتى، غناء، بيضاء، وعروس الشط، وغيرها ) من القصائد التي يضيق المجال عن ذكرها.

يتكئ الشاعر أيضا علي بناء قصائد المعارضة، أو فيما أسميه بقصائد التناص الشكلي الذي يحاول
فيه الشاعر الكلاسيكي أن يحاكى الشعراء القدامى، من خلال نصوصهم من حيث الشكل والبنية، وأحياناً يقترب من المضمون، لكن الرؤية تختلف اختلافاً واسعاً، وقد تجلى ذلك في قصيدة يا مَنْ بالعين، التي يقول فيها :

يا من بالعين أشاهــده           نغمـًا في الكون تردده

والورق تداعت في طرب           رقصت في الجو تؤيده

يسترجع القارئ عند تلقي هذا النص قصيدة من عيون الشعر الأندلسي للشاعر العربي الحصرى القيروانى:

ياليل الصب متى غده              أقيام الساعة موعده

رقد السمّار و أرقـه              لله البيــن يـردده

و نلاحظ أيضا في قصيدة أبتاه يقول :

أبتاه إن نضب المعين بمائنا       أين السبيل لرية الظمآن

ويعارض الشاعر عمر صابون قصيدة الشاعر الراحل هاشم الرفاعي التي جاءت بعنوان رسالة في ليلة التنفيذ :

أبتاه ماذا قد يخط بناني            والسيف والجلاد ينتظراني

ومن ثم فإن الشاعر عمر صابون يطرح من خلال ديوانه الشعري " عروس الشط " قضايا متعددة كان التناص كما ذكرنا إحدى هذه القضايا الفنية و الجمالية ، و قد طرح الشاعر من خلال هذا الديوان بعض القضايا المتعلقة بالذات الشاعرة مثل القضايا الاجتماعية و السياسية و الثقافية فيقول في قصيدة بعنوان " شكراً لشوقي " :

شكراً لشوقي إذ يقول مجاملاً             قم للمعلم وفه التبجيــــلا

و أراك أعطيت المعلم رفعـة             و جعلته بين العباد رســولا

شتان بيـن معلـم و معلـم             ذاك العزيز و ذا تراه ذليــلا

أنا لا أعلم غير علم ناقـص              أما الرسول يعلــم التنزيـلا

هلا جلست بجانبي لو ساعة              و رأيتني وسط الصفوف كيلاً

يتكئ الشاعر علي المفارقة بين حال المعلم في العصر الحديث و المعلم في العصر القديم ، بل إنه ينتصر للقديم حتى إنه يرثى للحال التي آل إليها معلم اليوم .

 

      و تأتي القراءة الثانية لديوان " تصريحات قروية " للشاعر مصطفى عباس مدني ، من الملاحظ أن الشاعر لم يضع عنوان الديوان وضعاً عشوائياً لكنه – فيما أظن – يريد أن يجعل من العنوان " تصريحات قروية " عتبة أساسية يلج من خلالها إلى عالم النص الشعري ، و الدليل علي ذلك يلاحظ المتلقى العلاقة القوية بين عنوان الديوان " تصريحات قروية "  ،الإهداء الذي يمثل عتبة أخرى / مفتاحاً من المفاتيح التي يتكئ عليها الشاعر مدني فيقول : في الإهداء :

إلى قريتى / إلى الأرض حيث يعم العبوس

فلا تستضيف انعكاس السماء

تطاردنى حين يأتى النهار

بفحش السباب

ونبح الكلاب

ويطلق خلفي الصغار

النعوت البذيئة

ولكنها في هدوء المساء

تجيد التمسح في نبض قلبى الشجى

وتطلب حق اللجوء إلىَّ

وتقفز عبر لهاتى البريئة

إلى الصفحات

فيا للخطيئة

إذ أدمنت لحنها نغمتى

من الملاحظ أن الإهداء جاء في صورة تصريح مشاغب ، طرح الشاعر من خلاله علاقته بالقرية و مدى أثر هذه القرية علي أفعاله و تصرفاته اليومية ، و يصور الشاعر مدنى تقلبات هذه القرية ما بين مطاردتها للذات في النهار و مهادنتها في هدوء المساء ،إن التناقض الجلى في النص / الإهداء هو الذي يرسخ لشعرية مصطفي عباس مدنى ، فمن طبيعة الذات الشاعرة التقلب ، لأنها مزاجية – تعيش حالة الاغتراب الداخلي و الخارجي من ناحية أخرى .

      ومما لا شك فيه أن الشاعر مصطفى مدنى احتفى بآليات التناص احتفاء شديداً ، و تجلى ذلك في مطلع ديوانه عندما يقول في المفتتح :

 

للكلمة

بأس لا يوصف

قد تنسف قطرا بالكامل

و تؤجج ناراً

       بين ضلوع البحر

تتحايل حينا فتشيد

أقطارا و منائر تومئ للفجر

و الكلمة لا تستأذن قبل دخول القلب

فتكون الجمرة أحياناً

       و تكون الثمرة

فتعالى الربُّ

يصورها

في أصدق وصف

          بالشجرة ( الديوان ص2 )

يتكئ مصطفى مدني في النص السابق علي التناص مع القرآن الكريم في قول الله عز و جل :" ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ..... "ابراهيم 24-25 .

فالشاعر إذن مفتون بالكلمات ، بل هو صائغ لهذه الكلمات ، يؤلف قلوبها و تؤلف قلوبنا نحن ، من الملاحظ أن الشاعر العربي بصفه عامة احتفى بالكلمة احتفاء شديداً ؛ لأنه هو الذي يعرف قيمتها و أثرها في النفوس . افتنَّ الشاعر عباس مدني بجواهر الكلم ففي البدء كان الكلمة . كما جاء في القرآن ، و كما جاء في الإنجيل و من ثم فقد احتفت النصوص التراثية بالكلمة احتفاءً خاصاً .

          و طرحت قصيدة " تصريحات قروية " -و هي القصيدة / العنوان الذي اختاره الشاعر ليكون العنوان الكلى / الأم (إن جاز القول) – مناطق التناص القرآني ، و قد تجلى ذلك في قوله :

 

" يا رجائي

       أيها الزيت الذي يقتاته ضوء ضئيل

       لن تداوي كلَّ أعمدة الإنارة

لن يدوى ما تود أن تقول

إنهم لم يفهموا الدرس الذي

قد اقسمت به نباتات الحقول

(إن ضوء الشمس أصلٌ في النضارة )الديوان  

قد أصم القوم عنه الأذن واستغشوا الثياب ".(الديوان ص5) .

   تكمن آلية التناص هنا من خلال استدعاء الشاعر لقول الله عز و جل في سورة نوح :" و إنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم و استغشوا ثيابهم و أصروا و استكبروا استكبارا" نوح 7 . فالشاعر المعاصر إذن يمتح من تراثه بشتى أنواعه ، و لا يخلو هذا من دلالة مفادها أن الشاعر المعاصر مرتبط ارتباطاً قوياً بتراثه ينهل منه ، و يوظفه و يتناص معه في مناطق متعددة ، لكي يثرى نصه الشعري من ناحية ، و يحيل القارئ / المتلقى إلى هذه النصوص من ناحية أخرى ، لأننى أزعم أن هذه الإشارات النصية / السيميائية إنما تفجر رؤية الشاعر إزاء تراثه الذي يملكه .

لا شك أن مصطفى مدنى مفتون بالتناص الشعري بخاصة ، فنلاحظ استدعاءه لبيتي المتنبي داخل نصه الشعري الذي جاء بعنوان خلف فتاةٍ تتحاشاني  يقول :

" ياء

ينظر في سنوات بهتت

       بين أصابعه و يقول :

" أود من الأيام ما لا توده

              و أشكو إليها بيننا و هى جنده

أبى خلق الدنيا حبيباً تديمه

فما طلبى منها حبيباًَ ترده

أمَّن سربُ النورس خلف القائل

قصَّ الأجنحة المسكونة بالترحال

و أغفى

لمْ .....

إظلامْ .............  ص21.

     وضع الشاعر هامشاً في نهاية الصفحة التي كتب فيها النص أشار فيه إلي أن هذين البيتين للمتنبى ؛ لكي يبرئ نفسه من شبه ، و إن كنت لست معه في ذلك ، فليدع القارئ يبحث عن الشاعر ؛ لكي يجيب عن أسئلة تقلقة من صاحب البيتين ؟ ، و لماذا قالهما ؟ و لماذا استدعاهما الشاعر المعاصر مصطفى مدنى ؟ جل هذه الأسئلة هي المحك الرئيسي الذي يجب أن يفزع الشاعر المتلقى بها من آن لآخر ؛ و أظن أن هذا الاستدعاء /التناص لم يخلو من دلالة و هى احتفاء الشاعر بالحال التي يصورها جعله يحتفى أيضا بشعر المتنبي ، لأن فيما أتصور أن المتنبي شخصية من الشخصيات التى احتفى بها الشعراء العرب المحدثين احتفاءً واسعاً ؛ لما لها من أثر واضح في الشعرية العربية كلها . و من النصوص تجلى فيها التناص القرآنى بصورة واسعة قصيدة بعنوان " لقاء "يقول :

" تراودني

و ليس الباب ناحيتى

فأسبقها و ينفرج

و ألقى لديها متسعاً

و متكأ يذوب نعومة و رضا

لمن ينجو

و يسقى ربه خمرا

و يستلقى"  (الديوان 75 ) .

  من الملاحظ في المقطع السابق أن الشاعر مصطفى مدنى يتكئ علي امتصاص النص القرآنى ، و ذلك من خلال قصة نبى الله يوسف عليه السلام و امراة العزيز ، فعنوان النص(لقاء) يشي بذلك ، و مطلع النص جاء ليؤكد هذا الامتصاص في قوله : تراودني ؛ و ليس الباب ناحيتى و من ثم فإن الشاعر يحاول أن يتناص مع أجزاء قصة نبى الله يوسف عليه لاسلام كقوله :

" تراودنى

فأشعر أننى الثاني

الذي يوماً

سيصلب في رعونتهِ

و يأكل رأسه شئ

       من الصدق

أراها الآن ترمقنى

و تجعل من ستائرها حجاباً يمنع الأحداق

أن تأتى تحاصرنى

إذا جاءت لتسرقنى .

..................

و ( هيت الآن ) قالتها

بإيقاعات خطوتها

التي صيغت من الإغراء والنشوة

بوهن الطرف مدفوعاً به السيل

و هذا الليل يمنحنى شفافية

لكى أصغى لما يُتْلَى . (ص76 )

     يتجلي التداخل النصي / التناص في مناطق عدة في النص السابق " لقاء " ؛ لكنه اتكأ بشكل كبير أدى إلى الإفراط في استدعاء قصة نبى الله يوسف و امرأة العزيز التى راودته عن نفسه ، فاستعصم . و كان ينبغى أن يكتفى بالإشارة فقط ، و المتلقى يستدعى من الذاكرة التراثية أجزاء القصة ؛لأن التناص فيما أزعم يقوم على الإحالات و التداخلات النصية المتعددة ، التى تحيل القارئ إلى استرفاد التراث و معايشته من خلال النص الشعري الذي يقرؤه.

ويبقى أن أشير إلى نص مهم كتبه الشاعر مصطفى عباس، وهو نص قصاصات شعرية. اتكأ الشاعر في بناء هذا النص على تقنية المفارقة بشكل كبير، كما جاء بناؤه محكماً يميل إلى ما عُرف في الآداب اليونانية والأوربية بالإبيجراما التي تعتمد على الصدمة الإداركية التي يحققها الشاعر من خلال نصهِ ، فيقول :

1- حوصلة

أتعرف ما تحتوي الحوصلة ؟

قنطار ٌ

من أدوات النفي

وحمل بعير من الأسئلة. ( صــ 72 ) .

يبدأ الشاعر من السؤال الموجه إلى الذات الشاعرة نفسها والآخر أيضاً، ثم ينهي سؤاله بإجابة لا تخلو من مفارقة قوية، كثيراً ما تؤرقنا أدوات النفي، والأسئلة التي لا نستطيع أن نجيب عنها، فالشاعر إذن يعيش في دائرة السؤال؛ هذا السؤال الذي يوجهه لنفسه تارة وللآخر تارة أخرى. ويطرح الشاعر في إبيجراما انكسار تلك الذات القلقة أيضاً، التي تحاول أن تهرب من الخديعة، فيقول :

في تلك المرة

لن تخدعك المرآة

مرآتك ملَّت من تزييف الصورة

مكسورة أنت

وإلا فالمرآة المكسورة ( صــ 74 ) .

إن الذات الشاعرة تعيش مرارة المخاتلة والقلق النفسي الذي تحاول أن تتخلص منه؛ لأن الذات تطمن إلى هذه الخديعة أحياناً رغبة في التزييف الذي أشار إليه الشاعر، وعندما تجابها الذات نفسها بالحقيقة، تحدث المفارقة ( مكسورة أنت ، وإلا فالمرآة المكسورة ).

وتتجلى علاقة الذات بالآخر في إبيجراما بعنوان إمضاء مهتز فيقول:

مشكلتي تكمن في التوقيع

هل أكتبُ أسمي

فأداري ؟

أم أكتب ذاتي

فأضيع ؟

يتجلى القلقُ والتمزق الذي حدث للذات الشاعرة بصورة واضحة، حيث إنها تطرح قضايا الذات الإنسانية بمفهومها العام لا الخاص، هل يكتب الشاعر اسمه / الواقع أم يكتب الذات ، إن الذات هي مركز الوجود الإنساني، بل صاحبة لهذا الكيان الإنساني الذي عبَّر عنه الشاعر في قوله أم أكتب ذاتي، فأضيع، إن الشاعر يصنع مراوغة لا تخلو من خبث فني، هو أن يجنح بالمتلقى بعيداً عن الذات، لكنه في حقيقة الأمر كتب عن الذات؛ بل كتبت الذات الشاعرة نفسها، وطرحت قضايا بشكل واسع، وتعد نصوص الشاعر مصطفى عباس مدني، من النصوص الشعرية التي تمتلك أدواتِ فنية وجمالية تجعلنا نحترق بماء الشعر، بل إنه يعلم أن الشعر نارٌ للحياة الإنسانية.

وجاءت القراءة الثالثة لديوان ( بلاد الصمت ) للشاعر جامع صالح علي. لا شك أن الأستاذ جامع يمتلك موهبة شعرية متدفقة، وذلك من خلال صوره وأفكاره، ويتجلى ذلك من المفتاح الأول للديوان (العنوان) بلاد الصمت، يثير العنوان تساؤلاً مهلاً في الحقيقة الأمر ألا وهو ما المقصود ببلاد الصمت؟ هل البلاد العربية / البلاد الأوربية أم بلادنا نحن نجوعنا وقرانا التي تصمت منذ أن خلقها الله، لا حول لها ولا قوة.
ثم يأتي المفتاح الثاني للديوان وهو الإهداء فيقول:

إلى شهداء الانتفاضة

إلى والدي

رسالة حب وعرفان

أهدي ديواني هذا

أظن أن الشاعر جامع صالح علي لا يملك شجاعة الحذف، إنه يريد أن ينشر على الناس كل ما تجود به القريحة الشعرية، كان من الممكن أن ينتهي الإهداء عن إلى والدي، ويكتفي بذلك. إن الأستاذ جامع يخصص إهداءه إلى شهداء الانتفاضة، وهذا لا يخلو من دلالة، وهي أن الشاعر يريد أن يشارك بقلمه في القضية الفلسطينية، قد طرح الشاعر من خلال ديوانه القضايا السياسية والاجتماعية والرومانسية بشكل كبير، فمن القضايا السياسية قضية فلسطين كما أشرنا، فيقول في قصيدة بعنوان أيا قدس :

أيا قدس يا كعبة في الضمير

براها الله لكل الحقب

أيا قدس تفديك منا القلوب

ويفديك منا شموخ العرب

وتفديك منا دماء الشهيد

ومن القضايا الرومانسية قصيدة بعنوان يا مَنْ سكنت القاع، فيقول :

 كم أعين التاريخ ناظره إليك ولا

تجيب

يا من سكنت القاع

كم دمر الأعداء مأوى العاشقين

كم خلفوا طفلاً جريحاً

أرجع لنا الأيام زاهية الفصول

اكتب لنا الأشعار من بحر جديد

في الشارع المهجور قافية تئن

وأنت فارسها الوحيد .

ويقول في قصيدة بعنوان إني أحبك :

إني أحبك من صميم كياني

والحب أيقظ في الكرى ألحاني

فكتبت شعراً من بديع قصائدي

كم ذا أحبك والهوى أضناني .

يتكيء الأستاذ جامع صالح على القضايا المتعلقة بذاته هو، يحاول أن يعبر عنها من خلال نصوصه التي اعتراها التدفق المباشر والتقريرية الجافة، التي لا تجد فيها روح الشعر، بل إنه لا يمتلك الحس الشعري الدفين الذي يتميز به، بل إنه يردد أصوات آخرين امتلأت بهم الحياة الثقافية في مصر والوطن العربي (أعني الأدعياء)، وقد جاء كتابه هذا(بلاد الصمت) مفعماً بالأخطاء الإملائية واللغوية، وهذا يمثل إهانة كبرى للغة العربية؛ لأن الشاعر يكتب بالعربية الفصحى، فكيف يخطيء؟ ولا يهتم بالتنقيح والتدقيق، إنه لا يوقر قرَّاءه، فكيف ينتظر من القاريء أن يغفر له أخطاءه.

أتمنى أن يدون هذه الملاحظات بجد حتى تتقدم تجربته الشعرية ويمتلك صوته الخاص.

أحمد الصغير المراغي

                                                                                                  الجيزة-الهرم

المصدر: انظر : مارك أنجينو : التناص ، مقال فى : أصول الخطاب النقدى الجديد ، ترجمة وتقديم ، أحمد المدينى ، بغداد ، دار الشئون الثقافية العامة ، ط1 ، 1987 – صـ 102 ، وانظر : Laurent Jenny, The stragetegy of form, in french literary theory today, edited by tzvetan to dorov, trans, by R. Carten combridge unir. Press, 1982 P. 39 Also sel, Intertextuality, the eroies and practices, edited with introduction by, machad worton and judith still, manch ester univ, press, 1990, P.1. [2] رولان بارت : من العمل إلى النص : ترجمة محمد خير البقاعى ، مقال ضمن كتاب دراسات فى النص والتناصية ، مركز الإنماء الحضارى ، سوريا ، صـ 16 ، 2004 . [3] السابق : صـ 38 . [4] السابق : صـ 39 . [5] صبرى حافظ : أفق الخطاب النقدى ، دراسات نظرية وقراءات تطبيقية ، دار شرقيات القاهرة ، 1996 ، صـ 57 – 58 [6] يرى الباحث أن هناك بعض الدراسات التى عنيت بمصطلح التناص مثل دراسة الدكتور مجد توفيق ، مفاهيم النقد ومصادرها عند جماعة الديوان ، ودراسة الدكتور محمد عبد المطلب " التناص عند عبد القاهر الجرجانى " وكتابه النص المشكل ، ودراسة حسن حماد ، تداخل النصوص فى الرواية العربية ، ودراسة الدكتور صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النص ، ودراسة الدكتور يوسف نوفل ...." . التناص و التناصية في كتاب استشفاف الشعر . [7] فاطمة قنديل : التناص فى شعر شعراء السبعينيات ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة كتابات نقدية ، صـ 29 – 30 . [8] مارك أنجينو : التناصية : ترجمة : محمد خير البقاعى ، ضمن كتاب دراسات فى النص والتناصية ، صـ 60 – 61 . [9] صبرى حافظ : أفق الخطاب النقدى ، صـ 58 – 59 . [10] جوليا كريستيفا : علم النص ، ترجمة فريد الزاهى ، ومراجعة : عبد الجليل ناظم ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 1991 ، صـ 20. [11] صلاح فضل : بلاغة الخطاب وعلم النص ، عالم المعرفة ع ( 164 ) الكويت ، 1992 ، صـ 229 .
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 84 مشاهدة
نشرت فى 31 يوليو 2012 بواسطة alameltasweq

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

2,030