البدوي )
_______
كان أبو محمد الرجل البدوي ذو الثمانية عقود يحبني كأحد أفراد أسرته ، كبرياء البادية ، رونق الريف ، سمرة تعلو شاهقة ، يكتنز الحكايا والروايات في جوفه العميق ، كنت أتمتع يوميا بواحدة أو أكثر من تلك التراثيات التاريخية ، حكايا الليل الطويل لم يوقفها فارق السن الشاسع ، هكذا كانت الرابطة شاب عشريني وبدوي تسعيني ، المساء يرخي بظلاله الحالكة ذات يوم شتوي ، المطر يقذف الأرض دون هوادة ، الرعد يزبد في سماء مستسلمة ، البرق يخترق الظلمة ويرحل كضيف خفيف جداً ، الباب يكاد يبكي تحت وطأة طرقات عشوائية خائفة ، تطل عينان صغيرتان ، والدي يطلبك ، كنت أظن بأن السهرة ستعالج قساوة الليلة الشعواء ، اومأت بالموافقة ، شبح الظلمة يبتلع ظل الصغيرة ، الساعات تمضي متثاقلة ، المطر مازال يمارس هوايته بمداعبة النوافذ الخشبية ، النوم يفرض إيقاعه ، السقف يترنح مكتويا بالمياه الإلهية ، الصمت يعاود مقارعة العاصفة ، الشمس تختلس بعض الثغرات في السماء المدلهمة ، الباب الخشبي يصرصر من جديد ، العينان امتلأت بدموع وحبيبات مطر ، أبي ... أبي ... أبي ... العاصفة تحزم الأمتعة وتعلن الرحيل ...
________
وليد.ع.العايش
10 / 8 / 2015م


