فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم (14)
د. علي الصلابي
إقامة الدولة
من أنواع التمكين التي ذكرت في القرآن الكريم وصول أهل التوحيد والإيمان الصحيح إلى سُدَّة الحكم وتوليهم لمقاليد الدولة, لقد تحدث القرآن الكريم عمن قادوا دولاً وساسوا شعوبًا بشرع الله, من أمثال داود وسليمان عليهما السلام, والحاكم المؤمن والفاتح الصالح, والقائد العادل (ذي القرنين) وجعلهم قدوة ومثلاً رائعًا لأهل الإيمان على مر الدهور وكر العصور وتوالي الأزمان, وسلط القرآن الكريم الأضواء على جوانب هامة من أعمالهم وجهادهم العظيم الذي استهدفوا به التمكين لمثل عليا, ومبادئ رفيعة, وقيم سامية, وأخلاق فاضلة انبثقت من الإيمان بالله واليوم الآخر, بعيدة كل البعد عن الكبرياء الوطنية, والأمجاد القومية, والنزعات العرقية, وتقديس التراب والزعماء, ولم تكن فتوحاتهم وأعمالهم المجيدة تستهدف سيادة عسكرية أو مغانم اقتصادية, أو تطلعات توسعية أو نزوات عنصرية التي يبعث عليها حب التسلط والرغبة في العلو.
إنما خاضوا حروبًا وقادوا جيوشًا استهدفت كرامة الإنسان وتخليصه من الشرك والأوهام والانحرافات العقدية, وإزالة الظلم عن البشر وإقامة العدل, ودعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة, والمنهج السليم, والتصور الرباني.
وكان للنبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده حظ وافر من هذا النوع من التمكين نحاول أن نسلط الأضواء في هذا الفصل على بعض معالمه, وسنعرج على التاريخ الإسلامي القديم والحديث لنضرب بعض الأمثلة الحية بإذن الله تعالى لنستخرج الدروس والعبر من هذه الدراسة المتواضعة.
تمكين الله تعالى لداود وسليمان عليهما السلام
أولاً: داود عليه السلام:
يبدأ العصر الذهبي لبني إسرائيل مع ظهور داود عليه السلام في القتال عندما أكرمه الله تعالى بقتل جالوت, وبيّن القرآن الكريم أن داود عليه السلام كان مجاهدًا في جيش طالوت, وممن نجحوا في الامتحان العسير الذي قرر رئيس الجيش أن يخوضه جميع جنوده فسقط من سقط ونجح من نجح.
لقد رفع داود عليه السلام راية النصر وشرع في إعادة التمكين لبني إسرائيل بعد قتله لجالوت, وكان إذ ذاك فتى, وتم له الظفر, فالتقت على محبته القلوب, وتأكدت له أواصر الإخلاص, وأصبح بين عشية وضحاها حديث بني إسرائيل, يكنون له في نفوسهم الاحترام والمحبة والتوقير, ومنذ ذلك الحين بدأ نجمه يصعد في السماء وينتقل من ظفر إلى ظفر, ويجيئه النصر يتبعه النصر, حتى ولى الملك أخيرًا, وأصبح ذا سلطان وظهرت ملامح الحكم في زمنه في عدله وحكمه, وكان أوابًا رجاعًا إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار.
لقد كان منهج التغيير في زمن داود عليه السلام هو الصراع المسلح بين قوى الخير والشر, والإيمان والكفر, والهدى والضلال, وبالفعل تم دمغ الباطل وإضعافه ووصل بنو إسرائيل إلى قمة مجدهم وعزهم.
إن داود عليه السلام شدّ ملكه بالتسبيح والذكر والطاعة, فكان عليه السلام يسبح بالعشي والإشراق, وتجاوبت الجبال مع ذكره العذب الجميل, وكذلك تجاوبت الطيور, قال تعالى: "إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ" [ص:18], فوهبه الله هبة عظمى ذكرها في كتابه عَزَّ وجل: "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ" [ص:20], أي جعلنا له ملكًا كاملاً من جميع الملوك العظماء, بحيث لا يتمكن منه أعداؤه لكثرة جيوشه, وكثافة حراسه التي قيل إنهم كانوا ألوفًا كثيرة يتناوبون في حراسته, ولم ينكسر له جيش في معركة أبدًا, فقد كان مؤيدًا بعون الله ونصره(1), قال تعالى: "اصْبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ" [ص:17].
أ- إن المتأمل في القرآن الكريم في قصة داود عليه السلام يتعرف على صفات الحاكم المؤمن الذي مكن الله له, وهي تحقق للقائد المصلح كمال السعادة في الدنيا والآخرة.
ومن أهم هذه الصفات:
1- الصبر: فقد أمر الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدي به في الصبر على طاعة الله.
2- العبودية: فقد وصفه ربه بقوله "عَبْدَنَا" وعبر عن نفسه بصيغة الجميع للتعظيم, والوصف بالعبودية لله غاية التشريف, كوصف محمد صلى الله عليه وسلم بها ليلة المعراج: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ" [الإسراء:1].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود عليه السلام وحدث عنه بيَّن فضله واجتهاده في العبادة, قال صلى الله عليه وسلم:«إن أحب الصيام إلى الله صيام داود, وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام, كان ينام نصف الليل, ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا(2)
3- القوة على أداء الطاعة والاحتراز عن المعاصي في قوله: "ذَا الأيْدِ".
4- والرجّاع إلى الله بالطاعة في أموره كلها, في قوله تعالى: "إِنَّهُ أَوَّابٌ", وصف بالقوة على طاعة الله, وبأنه أواب دليل على كمال معرفته بالله التي جعلته يجتهد في العبادة على نهج رباني صحيح.
5- تسبيح الجبال والطيور معه: "إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ" [ص:19،18].
أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار, كما قال عز وجلَّ: "يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ" [سبأ:10].
قال ابن كثير: «وكذلك الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير, وهو سابح في الهواء, فسمعه, وهو يترنم بقراءة الزبور, لا يستطيع الذهاب, بل يقف في الهواء ويسبح معه, وتجيبه الجبال الشامخات, وترجع معه, وتسبح تبعًا له(3)
6- قوة الملك: "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ" [ص:20], أي قوينا ملكه بالجند أو الحرس, وجعلنا له ملكًا كاملاً من جميع ما يحتاج إليه الملوك.
7- الحكمة: "وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ" [ص:20], أعطيناه الفهم والعقل والفطنة, والعلم, والعدل, وإتقان العمل, والحكم بالصواب.
8- حسن الفصل في الخصومات: "وَفَصْلَ الْخِطَابِ" [ص:20], أي: وألهمناه حسن الفصل في القضاء بإحقاق الحق وإبطال الباطل, وإيجاز البيان بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل.(4)
وكان من الطبيعي في سنن الله تعالى أن يتعرض داود عليه السلام للفتنة والابتلاء وكانت عين الله ترعاه, وتقود خطاه, وكانت يد الله معه تكشف له ضعفه وخطأه وتحميه من خطر الطريق وتعلمه كيف يتوقاه. قال تعالى: "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ" [ص:21-24].
وبيان هذه الفتنة أن داود النبي الملك, كان يخصص بعض وقته للتصرف في شئون الملك, وللقضاء بين الناس, ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة وترتيل أناشيده تسبيحًا لله في المحراب, وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل إليه حتى يخرج إلى الناس.
وفي ذات يوم فوجئ بشخصين يَتَسوران المحراب المُغلق عليه ففزع منهما. قالا: لا تخف نحن خصمان بغى بعضنا على بعض, وجئنا للتقاضي أمامك, ونطلب منك أن تحكم بالحق والعدل وتبتعد عن الشطط وتدلنا على الصواب, وبدأ أحدهما فعرض خصومته بطريقة توحي بأن أحدهما وقع في ظلم صارخ, فاندفع داود عليه السلام دون السماع إلى حجة الخصم الآخر وأصدر حكمه, وبعد الانتهاء من إصدار الحكم تنبه داود عليه السلام بأنه لم يتثبت, فربما كان صاحب النعجة الواحدة هو الظالم, فأيقن إنما الحادثة اختبار من الله تعالى فرجع إلى طبيعته واستغفر ربه وخر راكعًا وأناب(5), لقد خاضت بعض التفاسير في هذه الحادثة بسبب التأثر بالإسرائيليات ونسبت لداود عليه السلام ما يتنافى مع عصمته.
إن علماء أهل السنة يجمعون على أن الأنبياء معصومون عن الكبائر.(6)
وقد ذكر العلامة السعدي -رحمه الله- فوائد عظيمة وحكمًا جزيلة من قصة داود عليه السلام, فقال:
1- ومنها أي الفوائد: اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم, وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور, ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى, كما جرى لداود عليه السلام.
2- ومنها: أن الأنبياء معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى, لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك.
3- ومنها: أن داود عليه السلام كان في أغلب أحواله ملازمًا محرابه, لخدمة ربه, ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب, لأنه كان إذا خلا في محرابه, لا يأتيه أحد؛ فلم يجعل كل وقته للناس مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام, بل جعل له وقتًا, يخلو فيه بربه, وتقر عينه بعبادته, وتعينه على الإخلاص في جميع أموره.
4- ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم, فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة, ومن غير الباب المعهود, فزع منهم واشتد عليه ذلك, ورآه غير لائق بالحال.
5- ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي.
6- ومنها: كمال حلم داود عليه السلام, فإنه ما غضب عليهما, حين جاءاه بغير استئذان, وهو الملك, ولا انتهرهما, ولا وبخهما.
7- ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه: «أنت ظلمتني», أو: يا ظالم أو باغ عليَّ ونحو ذلك؛ لقولهما: +خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ".
8- ومنها: أن الموعوظ والمنصوح ولو كان كبير القدر, جليل العلم, إذا نصحه أحد, أو وعظه, لا يغضب, ولا يشمئز, بل يبادره بالقبول والشكر.
9- ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب, وكثرة التعلقات الدنيوية المالية, موجبة للتعادي بينهم, وبغي بعضهم على بعض, وأنه لا يرد عن ذلك إلا استعمال تقوى الله, والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح.
10- ومنها: أن الاستغفار والعبادة خصوصًا الصلاة, مكفرات للذنوب, فإن الله رتب مغفرة ذنب داود, على استغفاره وسجوده(7).
ــــــــــــــــــ
(1) انظر: تفسير القرطبي (15/162).
(2) مسلم, كتاب الصيام, باب النهي عن صوم الدهر (2/816) رقم 189.
(3) تفسير ابن كثير (4/29).
(4) انظر: تفسير المنير, وهبة الزحيلي (23/185،184،183).
(5) انظر: قصص الرحمن في ظلال القرآن (4/36،35).
(6) انظر: تفسير المنير (23/190).
(7) انظر: تفسير السعدي الذي اختصر في مجلد ص 559، 660.
نشرت فى 9 يونيو 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش