فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم (17)
د. علي الصلابي
فقه التمكين عند سليمان (2)
فقه سليمان عليه السلام في إدارة الدولة
إن القصص القرآني في سيرة سليمان عليه السلام أشار إلى أساليبه في إدارة الدولة والمحافظة على التمكين, وأهم هذا الفقه يظهر في النقاط الآتية:
1- دوام المباشرة لأحوال الرعية, وتفقد أمورها, والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها, فهذا كان حال سليمان عليه السلام: "وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ" [النمل:20] وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك, والاهتمام بكل جزء فيه والرعاية بكل واحدة فيها وخاصة الضعفاء(1).
ولا شك أن القيادة تحتاج إلى لجان ومؤسسات وأجهزة حتى تستطيع أن تقوم بهذه المهمة العظيمة, إن سليمان عليه السلام كان مهتمًا بمتابعة الجند وأصحاب الأعمال وخاصة إذا رابه شيء في أحوالهم, فسليمان عليه السلام, لما لم ير الهدهد بادر بالسؤال: "مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ" [النمل:20] يعني (أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له) (2) , ثم قال: "أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ" [النمل:20] سؤال آخر ينم عن حزم في السؤال بعد الترفق, فسليمان عليه السلام أراد أن يفهم منه أنه يسأل عن الغائب لا عن شفقة فقط ولكن عن جد وشدة, إذا لم يكن الغيب بعذر(3).
2- لابد للدولة من قوانين حتى تضبط الأمور بحيث يعاقب المسئ, ويحسن للمحسن, ولابد من مراعاة التدرج في تقرير العقوبة, وأن تكون على قدر الخطأ وحجم الجرم, وهذا عين العدالة, ولهذا لم يقطع سليمان عليه السلام بقرار واحد في العقاب عند ثبوت الخطأ؛ بل جعله متوقفًا على حجم الخطأ: "لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" [النمل:21] وقد استدل أهل العلم بهذه الآية على أن العقاب على قدر الذنب, وعلى الترقي من الشدة إلى الأشد بقدر ما يحتاجه إلى إصلاح الخلل(4)
3- لابد للدولة المسلمة أن تهتم بالأجهزة الأمنية وتحرص أشد الحرص على الاهتمام بالأخبار والمعلومات حتى توظف لخدمة الدين, وعقيدة التوحيد, ونشر المبادئ السامية, والأهداف النبيلة, والمثل العليا, وأن تحرص على تحبيب الجهاد لأبنائها بواسطة الأجهزة الإعلامية والوسائل التربوية, وأن تهيئ النفوس للظروف المناسبة لإقامتها للدين وإعلاء لكلمة الله, وهكذا كان شأن سليمان عليه السلام-كما قال القرطبي -رحمه الله-: «فإنما صار صدق الهدهد عذرًا له, لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد, وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد»(5).
4- لابد للقيادة في الدولة المسلمة أن تهتم بنصر دعوة التوحيد, وبذل الوسع في تبليغها لكل مكلف, فإن سليمان عليه السلام لما استمع إلى خبر القوم المشركين شمر عن ساعد الجد في إيصال البلاغ إليهم, وبدأ معهم بالحجة والبيان: "اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ" [النمل:28], قال القرطبي -رحمه الله-: «في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة ودعائهم إلى الإسلام, وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار»(6).
ومن المهم عرض الدعوة بعزة الإسلام وبشرف الإيمان وهيبة القرآن لا بتذلل واستخذاء, وعدم مداراة للناس في أمر الاستجابة لله, وترك مداهنتهم فيما يغضب الله, ولقد كان كتاب سليمان عليه السلام لملكة سبأ يبدأ بالرحمة, وتتخلله الكرامة, وآخره الدعوة إلى الاستجابة لله والاستسلام له سبحانه: "إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" [النمل: 31،30].
وعلى الدولة المسلمة أن تهتم بتعظيم اسم الله تعالى, والتشرف بذكره في المحافل والمناسبات والكتابات, فهذا شعار المؤمنين, وتنزيه هذا الاسم المقدس عما لا يليق به, والحفاظ عليه من جهل الجهال؛ ولذلك قدم سليمان عليه السلام اسمه, خوفًا من أن تتلفظ ملكة سبأ بكلمة لا تليق فيكون اسمه وقاية لاسم الله عزَّ وجلَّ(7).
وعلى الدولة المسلمة أن يكون خطابها الدعوي ملتزمًا بالجدية في دعوة الناس, وأن تراعي شمولية الإسلام, وتتوخى الاقتصار على المقصود منها, وهكذا كان خطاب سليمان عليه السلام: "إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" [النمل: 31،30].
فالمطلوب من الخلق إما العلم أو العمل, والعلم مقدم على العمل, فقوله: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات صفاته سبحانه, وقوله: "أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ" نهي عن الانقياد لغير الله عزَّ وجلَّ اتباعًا للهوى أو طاعة للنفس, وقوله: "وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" فيه الحث على الإيمان بالقلب والإسلام بالجوارح(8).
وعلى القائمين بأمر الدعوة إلى الله أن يكونوا متعالين على حطام الدنيا, فعندما تعرض عليهم رشوة في الدين, أو رهانًا على المبدأ ليكن الشعار ما قال سليمان عليه السلام: "أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ" [النمل:36].
فملكة سبأ عندما عملت الحيلة لاختبار سليمان عليه السلام, وتفتق ذهنها عن بعث هدية له تمتحن بها حبه للدين, فأظهر عليه السلام عدم الاكتراث بهذا المال, وأعلم من جاءوا به أن الله تعالى آتاه الدين الذي هو السعادة القصوى, وآتاه من الدنيا ما لا مزيد عليه, فكيف يستمال مثله بمثل هذه الهدية؟! وصارحهم بأنهم هم الذين من شأنهم الفرح بتلك الهدية التي ظنوا أنه سيفرح بها, أما هو فلن يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف(9).
5- المقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب للمكان المناسب, وعدم التردد في القرار الصعب للتغلب على الحال الأصعب, فعندما وجد سليمان عليه السلام, أن القوم ما زالوا على الشرك, بل يريدون استمالته وتنحيته عن صلاته في الحق, قال للوفد الذي جاء بالهدية: "ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ" [النمل:37].
ولا مانع من ركوب الشدة مع المعاند, واستعمال القوة في إرهاب من يصد عن الدعوة, فإن ذلك قد لا ينفع غيره في إنقاذ الناس من الشرك, بل من المعادن البشرية ما لا يلين إلا تحت وهج السيف وسنابك الخيل, وكان هذا الأسلوب سببًا في إسلام ملكة سبأ وانقيادها وجنوده لسليمان عليه السلام, ولا مانع من استعمال الذكاء والعقل النير, ودقة التدبير, في استجلاب قلوب المدعوين إلى الدين واستخدام نعم الله في دلالة الخلق على الله, ومخاطبة الناس بالكيفية التي تستهوي قلوب عوامهم وتجلب احترام خواصهم, فسليمان عليه السلام لما بلغه خبر مجئ ملكة سبأ في جمع من حاشيتها وجنودها, أراد أن يعلمها مدى ما أعطاه الله من قوة حتى إن عرشها الذي تركته في حماية عظيمة وحرس كثيف يسبقها إليه(10).
6- وعلى الدولة المسلمة أن تستفيد من المهارات والمواهب وإمكانات الخاصة في أفراد الرعية, ووضع الفرد المناسب في مكانه الصحيح, إن مملكة سليمان كان فيها من الإنس والجن وغيرهم ما كان يمكن أن يؤدي مهمة الهدهد, ولكن سليمان اختاره مع ضعفه وصغره لتأدية هذه المهمة, فـ(تخصيصه عليه السلام إياه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن الأقوياء على التصرف والتعرف؛ لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة)(11).
أبرز صفات سليمان عليه السلام كحاكم لدولة
إن الآيات الكريمة عرضت صفات سليمان عليه السلام كملك وحاكم ممكَّن له في الأرض, وفي هذا إشارة من الله تعالى إلى الصفات القيادية المطلوبة للإشراف على تمكين شرع الله تعالى:
1 - الحزم: ويظهر ذلك عند القيادة إن غلب الظن أن هناك تقصيرًا, أو تكاسلاً عن الحضور وقت الطلب أو التأخر وقت العمل: "لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ" [النمل:21] فإنه قد تبين لسليمان عليه السلام أن الهدهد غائب, فتهدد بذلك أمام الجمع الذي يعلم أن الهدهد غائب, حتى لا يكون غيابه -إن لم يؤخذ بالحزم- سابقة سيئة لبقية الجند(12).
2- التريث والتأني قبل الحكم, فلعل للغائب عذرًا, أو للمقصر حجة تدفع الإثم, وترفع العقوبة, ولهذا قال سليمان بعدها: "أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" [النمل:21] أي (بحجة تبين عذره في غيبته) (13), وهذا هو اللائق بالحاكم والقاضي إذا كان عادلاً, وسليمان عليه السلام الذي اشتهر بالعدالة هو وجنوده حتى عند النمل, لا ينتظر منه مع الهدهد, أو ما دونه أو ما فوقه, إلا أن يكون عادلاً لا يعاجل بالعقوبة قبل ثبوت الجريمة ولا يبادر إلى المؤاخذة قبل سماع الحجة.
3- سعة الصدر في الاستماع إلى اعتذار المعتذر, وحجة المتخلف, وسليمان عليه السلام أنصت لاسترسال الهدهد حتى انتهى من قوله, رغم أن فيه نوع معاتبة لسليمان, وفيه نسبة عدم الإحاطة إليه: "أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ أَلاَّ يَسْجُدُوا للهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" كل هذا وسليمان لا يقاطعه, ولا يكذبه, ولا يعنفه, حتى ينتهي من سرد الحجة, التي كانت مفاجأة ضخمة لسليمان عليه السلام.
نشرت فى 9 يونيو 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش