-----------------------
الإيمان, موضوعات عامة
الإيمان بالرسل, جرائم وحوادث
-----------------------
عبد العزيز بن الطاهر بن غيث
طرابلس
25/1/1427
مسجد نوري باني
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- استنكار المسلمين لجريمة الاستهزاء بالنبي . 2- حقيقة نصرة النبي . 3- صبر النبي وجهاده في سبيل نشر دين الله. 4- شهادات الغربيين للنبي .
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: فيقول الله تعالى في كتابه العزيز: فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، ويقول سبحانه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.
أيها المسلمون، إن مقام رسول الله مقام عظيم، ومكانته مكانة عالية، لم يبلغها ولن يبلغها بشر فيما سبق ولا فيما يلحق على الإطلاق. ولقد آلم المسلمين ما حدث أخيرا من طعن واستهزاء بهذا النبي الكريم، وعبروا عن سخطهم ورفضهم لهذا الأسلوب المتخلِّف الرخيص من دولٍ تزعم أنها تريد أن تصدِّر إلينا العلم والحضارة، فإذا بها تنزل إلى درك لا ينمّ إلا عن الجهل والكبر والانحطاط الأخلاقيّ.
ولكني ـ أيها الأحباب ـ لا أريد لهذه الخطبة أن تكون هجوما حماسيا غير متعقِّل على ما حدث؛ لأنني أعلم تمامَ العلم وأوقن كلَّ اليقين بأن مكان محمد عليه الصلاة والسلام أسمى وأعلى وأعزّ وأشرف من أن يمسّه أو يطاله أو يقترب منه أو يؤثّر فيه حقد أو حسد أيّ مخلوق كائنا من كان.
إنّ هذا الذي فعله المسلمون من استنكار وغضب أمر جميل وغيرة محبوبة، ولكن يجب أن نعلم أن أكبر نصرة لهذا الرسول الكريم أن تسير الأمة على دربه ونهجه القويم، وأن تعرِّف الناس بهذا النبي وسيرته العطرة، كما يجب أن نعلم أن هذا الهجاء وهذا الهجوم على رسول الله وعلى الإسلام لم يتوقف منذ أيام الإسلام الأولى، ومع هذا لم يؤثر على هذه الشخصية العظيمة الرحيمة الفذّة، ولم تزدد مع الأيام إلا توهّجا ونورا وتأثيرا على الناس في كل مكان؛ لأن الذي يسيء إلى أرحم إنسان في الوجود إنما يسيء لنفسه، والذي ينال من أكرم البشر إنما ينال من نفسه، والذي يستهزئ ممن أثنى عليه رب السموات والأرض إنما يستهزئ من نفسه، وقد أحسن وأجاد شاعر رسول الله حسان بن ثابت رضي الله عنه حينما ردّ على أحد المشركين الذين هجوا رسول الله ، رد عليه بأبيات خالدات لا زال التاريخ يسردها والأيام تسمعها، عبّر فيها عن حبه لهذا النبي الكريم، وبين فيها أن محمدًا أسمى من أن يُعاب أو يُذم، يقول رضي الله عنه:
هجوتَ محمّدا فأجبتُ عنه...وعند الله في ذاك الجزاء
أتَهجوه ولست له بكفء...فشرّكما لخيركما الفداء
هجوتَ مباركا برًّا حنيفا...أمين الله شيمتُه الوفاء
فإن أبِي ووالدَه وعرضي...لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لا عيبَ فيه...وبحري لا تكدِّره الدِّلاء
صدق حسان، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.
المطلوب ـ أيها الإخوة ـ أن تنظر الأمة نظرة تعقّل وتبصّر لما حدث، المطلوب أن تؤتي هذه الهزّة أكلها وتبين لنا مواضع أقدامنا وموقعنا من الأرض، موقعنا من التاريخ، موقعنا من الأحداث.
لكم أن تغضَبوا لنبيّكم أيها المسلمون، ولكن لا تخافوا عليه؛ فلم يُنزل الأعداء من مقامِه شيئا، فقد تكفّل الله بعصمته ورَفَع ذكره وتعهّد ببتر شانئه، شاء من شاء وأبى من أبى، يقول سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ. لا تخافوا عليه لأنه بلّغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حقَّ جهاده، بل خافوا على أنفسكم، وانظروا في أعمالكم، علينا أن نخاف على أنفسنا، ما الذي أدّيناه لهذا الدين؟ وما الذي أديناه لهذا الرسول الكريم؟
لقد بلّغ هذا الرسول دين الله سبحانه، ولم يترك هذه الأمة إلا وقد بيّن لها كل أمورها وتركها على أوضح محجّة وأبين سبيل، يقول : ((قد تركتكم على البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) أخرجه أحمد. وشهد على هذا التبليغ أصحابه الكرام، فأقروا بذلك حينما سألهم بماذا سيشهدون يوم القيامة، يقول في حجة الوداع: ((وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة إلى السماء وينكبها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد)) ثلاث مرات. أخرجه ابن ماجه عن جابر.
لقد بلغ رسول الله دين الله، فهل بلغنا دين الله سبحانه كي نعذر أمام الله؟! هل دعونا الناس إلى الله وإلى دين الله؟! لقد قال لنا : ((بلغوا عني ولو آية)) أخرجه البخاري عن ابن عمرو، وقال لنا الله سبحانه قبل ذلك في كتابه الكريم: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33]، بل إن رسول الله عليه الصلاة والسلام يرغّبنا في هذا الأمر ويعدنا بالجوائز الجليلة إذا نحن دعونا الناس إلى دين الله، فيقول كما عند الشيخين من حديث سهل بن سعد، يقول لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وللأمة من بعده: ((فوالله، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)). هذا هو بلاغ رسول الله وتبليغه، وهذا أمره لنا بالبلاغ، فأين نحن من ذلك؟!
لقد صبر هذا الرسول الكريم على البلاء، وصبر على الأذى في سبيل دينه وفي سبيل مرضاة ربه، صبر أمام المغريات وأمام المنغّصات والملمّات، أغراه قومه بالملك والمال والجاه لكي يترك هذا الدين، قالوا له كما عند البيهقي في الدلائل: "إن كنتَ إنما تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنتَ تريد به شرفًا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا"، لكنّه رفض كلّ ذلك من أجل تبليغ الرسالة الخالدة. كما صبر على قومه وهم يؤذونه ويضيقون عليه، لم يتزعزع ولم يتذبذب وثبت ثبات الجبال الرواسي، أغروا به سفهاءهم وغلمانهم في مكة والطائف يؤذونه ويرمونه بالحِجارة فصبر، وعندما عرض عليه ملَك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين وهما جبلان يحيطان بمكة فيهلكهم رفض ذلك وقال قولة الرحيم العفو الكريم: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا)) أخرجه الشيخان. فهل صبرنا ونحن أتباع هذا النبي الكريم أمام مغريات الحياة ومتاعبها ومنغصاتها طلبا لما عند الله؟!
لقد جاهد هذا الرسول في سبيل إبلاغ دين الله، وشج وجهه وجرح وكسرت رباعيته وهو النبي المرسل من الله، وفقد الكثير من أهل بيته وأصحابه لكي تكون كلمة الله هي العليا، كل ذلك من أجل الله وفي سبيل الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل)) أخرجه مسلم. هذا هو جهاده وبلاؤه من أجل أن يخرجَ العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، بينما الأمة الآن تجاهد على ساحات الأسواق والملاعب وصالات القمار ودور الرقص والخلاعة.
لقد جاع هذا النبي وهو الذي عرضت عليه الخزائن وسيقت له الكنوز والغنائم، ولكنه كان يؤثر الناس على نفسه ويضحّي من أجل دين الله سبحانه، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في سنن ابن ماجه: لقد كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته الدخان، يقول الراوي: قلت: فما كان طعامهم؟! قالت: الأسودان: التمر والماء، بل إنه تمر به أوقات لا يجد فيها حتى من رديء الطعام ما يملأ به بطنه، عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟! لقد رأيت نبيكم وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه، والدقل هو رديء التمر. أخرجه الترمذي. نعم لقد جاع محمد من أجل أن يطعم الناس، ومن أجل أن يواسي الفقير والمحتاج، ومن أجل أن يعلمنا الصبر عند العوز والاحتياج، فهل جعنا من أجل ديننا وصبرنا على هذا الجوع؟! هل واسينا الفقراء والمساكين؟!
هذه جوانب مضيئة من حياة هذا النبي، كل جانب منها يبين لنا أن هذا النبي سيظل مرفوع المكانة موفور الجانب مهما حاولت الرويبضات والنكرات، فهل تكون أمته أيضا مرفوعة المكانة موفورة الجانب؟! هل تتحقق فيها هذه الملامح التي كان عليها النبي ؟! هذا متوقف ـ أيها المسلمون ـ على بلاء الأمة وسعيها، هل تبلي ما أبلاه نبيها من صبر وزهد ودعوة وجهاد، أم تركن إلى الدنيا وتتثاقل إلى الأرض وهي المأمورة باتباعه واتخاذه أسوة وقدوة ومثلا؟! يقول تعالى:لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، ويقول عز من قائل: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].
أسأل الله سبحانه بمنه وكرمه أن يجعلنا من المتّبعين الصادقين لنبيهم ، وأن يميتنا على هديه وسنته، وأن يسقينا من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: أيها المسلمون، لا يحتاج محمد بن عبد الله أن نثبت له الفضلَ والخير والإحسان ومكارم الأخلاق إلا إذا احتاجت الشمس في رابعة النهار إلى إثبات على وجودها، ولم يعرف منصف من الغرب أو الشرق من المسلمين وغير المسلمين لم يعرف أحد منهم هذا الرجل العظيم وهذا النبي الكريم وهذه الشخصية الفذة إلا احترمها وأحبّها، فلن تراعوا أيها الناس، واطمأنوا.
وأحب أن أذكّر هنا ثناء بعض المفكرين الغربيين على رسول الله ، ونحن لا نحتاج إلى أن نعرف مقدار نبينا منهم، ولكن أحببتُ أن أبيّن اعترافهم بمنزلة هذا النبي، وأحببت أن أبين لكم أن الكثير ممن يطعن في هذا النبي من سفلة الغربيين هو لا يجهل مكانته ولا تعاليمه، ولكنه يطمسها حسدا وبغيا وظلما وجحودا.
يقول المفكر النمساوي شبرك: "إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيّته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون إذا توصلنا إلى قمّته".
ويقول المفكر الإنجليزي برنارد شو: "إنّ رجال الدين في القرون الوسطى ونتيجةً للجهل أو التعصّب قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصّلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمّن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليهما".
ويقول المستشرق الكندي زويمر في كتابه الشرق وعاداته: "إن محمدًا كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيّين، ويصدق عليه القول أيضًا بأنه كان مصلحًا قديرًا وبليغًا فصيحًا وجريئًا مغوارًا ومفكرًا عظيمًا، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء".
أما جوتة الأديب الألماني فيقول: "إننا أهل أوربا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدّم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى للإنسان فوجدته في النبي محمد".
ويقول الفرنسي ساديو لويس: "لم يكن محمد نبي العرب بالرجل البشير للعرب فحسب، بل للعالم لو أنصفه الناس؛ لأنه لم يأت بدين خاص بالعرب، وإن تعاليمه الجديرة بالتقدير والإعجاب تدلّ على أنه عظيم في دينه، عظيم في أخلاقه، عظيم في صفاته، وما أحوجنا إلى رجال للعالم أمثال محمد نبي المسلمين".
هذا ـ أيها المسلمون ـ قليل من كثير من الأقوال والآراء الغربية المعجبة بشخصية رسول الله ، قالها أناس قرؤوا عن محمد بتمحيصٍ، فاعترفوا بفضله.
نسأل الله سبحانه أن يُبصِّرنا بمكانة نبيّنا، وأن يعيننا على توقيره وتقديره حقّ قدره واتباع سنته ونهجه، اللهم وفقنا جميعا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم انصر دينك وسنة نبيك وعبادك الصالحين في كل مكان.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك وأفضل خلقك نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين...
المصدر: المنبر
نشرت فى 9 فبراير 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش