-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب, موضوعات عامة
الموت والحشر, جرائم وحوادث
-----------------------
محمد بن سليمان المهوس
الدمام
25/1/1427
جامع الحمادي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- كثرة الفتن والمصائب. 2- كارثة عبارة السلام. 3- الإيمان بالقضاء والقدر. 4- دروس وعبر من الكارثة. 5- من شهادات الناجين. 6- سفينة المجتمع.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: أيّها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله حق التقوى، فإن تقوى الله تعالى خيرُ زادٍ يُتزوّدُ به للدار الآخرة، وهي أساس النجاة، وبها يحصل التفاضل بين العباد، وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء:131].
عباد الله، إننا في زمن قد كثُرت فيه الفتنُ والمحن، وعمَّت فيه الكوارثُ والبلايا بشتَّى أنواعِها؛ حربٌ ودمار، اغتيالاتٌ وخطف وتفجير، تعذيبٌ وانتهاكاتٌ لحقوقِ البشر, حرائقُ وزلازلُ وفيضانات، عواصفُ ثلجية وانهيارات أرضية وتحطمُ طائرات وتصادمُ قطارات، انتشارٌ لأمراضٍ لم تكُن في أسلافِنا، وآخِرُ تلك الكوارثِ ما شاهدَهُ الصغيرُ والكبير والقريب والبعيد عبْرَ وسائلِ الإعلام المختلفة، ألا وهي كارثةُ غرَقِ العبَّارةِ سلام؛ تلك الكارثةُ التي خلَّفت وراءَها ألفَ غريقٍ في مشْهَدٍ تقْشَعِرُّ منه الجلود، وتَحْزنُ له القلوب، وتدْمَعُ عند مشاهدتِهِ العيون، ويعْجِزُ اللسانُ عن وصْفِ ذلك المشهد.
نارٌ تحترِق، وأمواجٌ كالجبال، وأنفسٌ تتساقط، كلٌ يريد النجاة، رجال ونساء وأطفال؛ منهم القويُّ الصحيح، ومنهم المريض والكفيف والمعاق، غَرِقَ منهم من غَرِق، ونجا منهم من نجا بعدما أمضى أيامًا في البحر يصارِعُ لأجْل البقاء؛ نجا ليَقُصَّ علينا قِصَّةَ نجاتِهِ، وكأنها من نسجِ الْخَيال.
عباد الله، لستُ بِصَدَدِ ذِكْرِ أسبابِ غرَقِ السفينةِ؛ فقضاءُ الله وقدرُهُ فوق كلِّ سببٍ؛ إذْ لا يحدُثُ شيءٌ في هذا الكوْنِ من خيرٍ وشرٍّ إلا بإرادَتِهِ ومشيئتِهِ؛ مشيئتُهُ نافِذةٌ، وقدرتُهُ شامِلَةٌ، إذا أراد شيئًا فَلَنْ يحولَ دونَهُ شيءٌ، كتب في اللوح المحفوظِ قبل أن يخلُقِ السموات والأرضَ بخمسِينَ ألفَ سنةٍ ما سيكون إلى يوم القيامةِ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، كتب الله لهؤلاءِ أن يموتوا في هذا المكان وفي هذه الساعةِ، فلا نقولُ: لو كان كذا لكان كذا، فيَضْعُفُ عندنا الإيمانُ بقضاء الله وقدرِهِ؛ ولكن نقولُ: قدَّر الله وما شاء فعل، وما حدث فهو مقدَّر ومكتوب.
عباد الله، من هذه الكارثة نستخْلِصُ دروساٍ وعِبَرًا، من أهمِّها أنَّ الموتَ يُلاقي من انتهت أيامُهُ في برّ أو بحْرٍ أو جوٍّ، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ، وأنَّ الله بقدْرتِهِ سوف يجمعُهم في ساحةِ المحشر عند حشْرِ الخلائق، ولو تفرَّقت أجسادُهُم في بطون السباعِ أو الحيتانِ أو الديدان أو الأشجار، قُل إِنَّ الأوَّلِيِنَ والآخِرِيِنَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيِقَاتِ يوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة:49، 50].
ومن الدروسِ والعِبَر: أسرةٌ كاملة لا ينجو منها أحدٌ، وأُخرى لا ينجو منها سِوى طِفْلٌ رضيعٌ على الرغم من كثرة الأمواج وشدّتها وكثرة الأسماك وخطَرها؛ نجا لأنَّ اللهَ لم يكتب له الموت، فأيامُهُ لم تنته بعد، ويذكّرنا هذا الطفل بقصة موسى عليه السلام وهو طفل رضيع ولدتْهُ أمُّهُ في ذلك العام الذي أمر فرعون بقتْل كلِّ مولودٍ ذكرٍ يولد بهذا العام، وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم عن إبراهيم عليه السلام أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل؛ حذرًا من وجود هذا الغلام، فأمر الله تعالى بقولِهِ: وَأوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاِعلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَاْلتَقَطَهُ آلُ فرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وَحَزنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامانَ وَجُنُودَهُمَا كانوا خاطِئِينَ. وكتب الله لهذا الطفل أن يمر على دار فِرْعونَ ويراه فرعون ويأْمُر بقتلِهِ، فيُقَيِّض المولى من يدافِعُ ويحمي هذا الطفل من القتل، وَقاَلتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِى وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرونَ [القصص:7-9].
ومن الدروس والعبر: تفاوُتُ الناس في أفكارِهِم وتصرُّفاتِهِم أثناء الكارثة كما سمع البعض منَّا مِمَّنْ نجوا مِن الغرق؛ فبعضُهُم ينادي أُمَّهُ، وآخر ينادي زوجَتَهُ وأولادَه، وبعضُهُم ينادي ربَّه وخالِقَه.
يقولُ أحدُ الناجين: "أمضيْتُ عِدَّةَ ساعاتٍ أصارعُ الأمواجَ التي كالجبال، أمْضيْتُ ساعاتٍ طِوال فتذكّرتُ أنني في يوم الجمعة، فقلتُ: اللهمَّ إنِّي مُؤمنٌ برسولِكَ ، ومُصَدّقٌ بما أخبر، وقد أخبرنا أن في يوم الجمعة ساعة لا يُوافِقُها عبْدٌ مسلم يسْألُ اللهَ شيئًا إلا أعطاهُ إياه، اللهم إني أدْعوكَ وأرجُوكَ أنْ تُعَجِّل لي ولإخواني الفرج"، يقول: "فما هي إلا لحظات حتى انتشلني قاربٌ، فنجوتُ بفضل الله، ولم أفقد أيَّ شيءٍ من ممتلكاتي الشخصية: مِحفظتي ونُقُودي وساعتي وهاتفي وسواكي".
وآخرُ كُتِبَ عليه الغرق فيقولُ من شاهدَهُ قبل موته: "كان رحمه الله يؤذّن ويصلي إذا حان وقت الصلاة وهو يصارِعُ الأمواج".
ومِمَّن كُتِبَ له النجاة شابّ مُعاق لا يستَطِيعُ المشيَ على الأرض فضلاً في البحار العميقة ذات الأمواج المتلاطمة، أراد الله له النجاة لأنّ أيامه لم تنته، يقول: "لقد أنقذت بفضل الله أحدَ النصارى من الغرق طمعًا في اعتناقِه الإسلام".
فالذي أنقذَ هؤلاء هو الذي أنقذَ موسى عليه السلام ومن معه مِنْ فِرْعون وجنده عندما لحِقوا بموسى ومن معه، البحرُ أمامهُم والعدوّ من خلفِهِم، فتفاقم الأمرُ على موسى ومن معه، وضاق الحال، واشتدّ الأمر، واقترب فرعون وجنوده في جِدِّهِم وَحَدِّهِم وحديدهم وغَضَبِهِم وجَبَرُوتِهِم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم الكريم ربُّ العرش العظيم إلى موسى الكليم: فأوْحَيْنا إلى مُوسى أَنِ اضْرِب بِعصاكَ الْبَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظِيم وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَريِنَ وَأنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعهَ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنا الآخَرِينَ إِنَّ في ذلك لآيَةً وَمَا كان أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْرَّحِيمُ.
ومن الدروس والعبر: أن الله يثبّت أهلَ طاعتِهِ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ويربط على قلوبهم، فالحياةُ غاليةٌ، والقلوب عند مفارقتِها ضعيفة، والشبهات خطافة، والشيطان بالمرصاد، فهو مفتقِر إلى تثبيت الله تعالى لا سيما في اللحظات الأخيرة من حياتِهِ، فالالتزام الصادق في الظاهر والباطن والمنشط والمكره هو أعظم أسباب التثبيت على الصالحات، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66]، وقد كان أكثر دعاء النبي : ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد.
اللهم إنا نسألُك الثبات في الدنيا والآخرة، اللهم أفْرِغْ علينا صبرًا وثبِّت أقدامنا وانصُرْنا على القوم الكافرين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلّم تسليما كثيرا.
عباد الله، هذه كلمات مختصرةٌ نبحِرُ فيها على سفينة النجاة؛ سفينةٌ اختار الله رُكابَها، وطهَّر أصحابَها، سفينةٌ تبْحِرُ في مهب الشهوات وتهُبُّ عليها رياحُ الشُّبُهات، من ركِبَها نجا، ومن تخلَّف عنها هلك، إنها سفينةُ النجاة.
رُكَّابُها أقوامٌ طهَّروا أنْفُسَهُم من الفساد، وابتعدوا عن ظلم أنفسهم وظُلْمِ العباد؛ شِعارُهُم فيها: وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها، ومبدؤهُم: وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفسَادَ. يشعُرُ كلُّ واحِدِ منهم أنه مسؤول عن أمن هذه السفينة، وأنهُ سِرُّ نجاتِها من الغرق؛ لا يرضى أن يَخْرِقَها فاسِدٌ، ولا يقودُها حاقِد؛ لأنَّ في شريفِ عِلْمِهِ أنَّ الفساد إذا وقع عمَّ الصالِحَ والطالِح.
روى البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: قال : ((مَثَلُ القائمِ على حدود اللهِ والواقِعِ فيها كَمَثَلِ قوْمٍ اسْتهَمُوا على سَفينةٍ، فصار بعضُهُم أعلاها، وبَعْضُهُم أسْفلِها، وكان الذينَ في أسْفلِها إذا اسْتقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَنْ فَوْقِهِمْ فقالوا: لَوْ أنّا خرقْنا في نصيبِنا خرقًا ولَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا على أيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)).
فنبي الله يضرب لأمّته هذا المثل حين يشبّههم بركّاب السفينة، فهذه سفينة النجاة تبحر وسطَ أمواج الفتن والشبهات والشهوات، وكلّما كانت السفينة سليمة وركابُها عقلاء يمنع عاقلُهم سَفَهَ سَفِيههم كانت حَريّة بالسلامة والنجاة، ولكن الخوف إنما يأتي من قبل أناس قلَّت عقولهم وهانت عليهم سلامةُ مجتمعهم وغَلَّبوُا أهواءَهم وحَكَّمُوا شهواتِهم، فتنادوا إلى الوقوع في المحرمات والولوغ في المعاصي والسيئات، ودافعوا عن أمثالهم ممن رتع في الموبقات أو تساهل في أداء الواجبات، فهؤلاء هم الذين يخرقون سفينة المجتمع بمعاول شهواتهم ما لم تردعهم البقيةُ الباقية من المجتمع.
وإنَّ أمضى سلاح يُصان به المجتمعُ المسلم وتحفظ به كرامته أداءُ شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبها تُصَانُ الأعراضُ ويُحْتاطُ للدين، وبها يأمنُ المسلمُ على عِرُضِهِ، وأما إن تُرِكَ الحبلُ على الغارب وانطلق كلُّ مفتون بشهواته بِلاَ حياء ولا خوف وكَثُرَ الخبثُ وعمّ فهنالِك تأتي السُّنَّةُ الربانيةُ التي تستوجبُ العقوبةَ والهلاكَ للمجتمع الذي يفشو فيه المنكر، وصار مصيرُ سفينةِ النجاةِ الغرق، وهلك الجميع، نسأل اللهَ السلامةَ والعافِيةَ.
ألا فصلوا وسلموا على من أمر الله بالصلاة والسلام عليه...

المصدر: المنبر
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 38 مشاهدة
نشرت فى 9 فبراير 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,466