صلاح فتحى هَلَل | 15-01-2012 15:36
انتشر فى الآونة الأخيرة منهج الدكتور سعد الدين الهلالى، الذى يرى أنَّ الأمانة العلمية تقتضى إيراد جميع الأقوال الفقهية الواردة، تاركًا للسائل حرية الاختيار مِن بين هذه الأقوال؛ إلا إذا طالبه السائل بالترجيح أو سأله عن الصحيح مِن بين هذه الأقوال، فهنا يقوم مقام الناصح، ينصح للسائل بأحد هذه الأقوال.
وقد أكَّد الدكتور التزامه بهذا المنهج مناسبات عديدة، منها: حواره قبل فترة مع الشيخ أمجد غانم، وسأجمل التعقيب على هذه المنهجية فى النقاط الآتية:
أولا: الحق واحدٌ لا يتعدَّد:
وقد وضح الدكتور نفسه بين حالتين: الأولى: أن يرى بعض هذه الأقوال التى يذكرها حقًّا صوابًا والآخر باطلا مرجوحًا فيكون قد خالف الأمانة العلمية التى تُلزمه ببيان الباطل المرجوح للناس حتى وإِنْ لم يسألوه؛ لأن السائل لو مَيَّزَ بين الحق والباطل لانتفت حاجته إلى سؤال الدكتور؛ وإنما يُتَصَوَّر فى السائل الجهل بحكم المسألة، ولهذا يلجأ للسؤال، فهو بحاجة إلى بيانٍ، وقد قرَّر أهل العلم عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فيكون الدكتور بهذا قد ناقض الأمانة العلمية إنْ لم يذكر الجواب موضِّحًا الحق من الباطل.
والحالة الثانية: أن يرى الدكتور جميع الأقوال التى يذكرها فى المسألة الواحدة حقًّا فيكون قد وافق المعتزلة القائلين بتعدُّد الحق، وخالف أهل السنة والجماعة ومَن وافقهم مِن القائلين بأنَّ الحق واحدٌ.
قال ابن عبد البر فى «الجامع» (ص919): «وفى رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضهم إلى بعضٍ وردِّ بعضهم على بعضٍ؛ دليلٌ واضح على أنَّ اختلافهم عندهم خطأ وصواب» أهـ. إلى أن قال: «والصواب مما اختُلِف فيه وتدافع وجهٌ واحدٌ؛ ولو كان الصواب فى وجهين متدافعين ما خَطَّأَ السلفُ بعضُهم بعضًا فى اجتهادهم وقضاياهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشىء وضدّه صوابًا كله» أهـ. وذكر ابن عبد البر طائفة من أقوال الصحابة والتابعين الدالة على هذا، ومنها: قول عمر بن الخطاب لأبى موسى الأشعرى رضى الله عنهما: «لا يمنعك قضاءٌ قضيتَه بالأمس، راجعتَ فيه نفسك، وهُدِيت فيه لرشدك؛ أنْ ترجعَ فيه إلى الحق؛ فإِنَّ الحق قديم، والرجوع إلى الحق أولى من التمادى فى الباطل»أهـ. وقول مُطَرِّف بن الشِّخِّير: «لو كانت الأهواء كلها واحدة لقال القائل: لعل الحق فيه؛ فلما تشعَّبت وتفرّقت؛ عرف كلُّ ذى عقل أنّ الحق لا يتفرّق»أهـ.
ونقل عن أشهب قال: «سمعتُ مالكًا رحمه الله يقول: ما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان صوابًا جميعًا، ما الحق والصواب إلا واحد. قال أشهب: وبه يقول الليث» أهـ.
وروى ابن عبد البر (ص/905) عن أشهب قال: «سُئل مالك عن اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: خطأٌ وصواب، فانظر فى ذلك»أهـ. و(ص/906) عن ابن القاسم عن مالك أنه قال فى اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مخطئٌ ومصيب، فعليك بالاجتهاد» أهـ. ثم روى عن عبد الله بن وهب قال: قال لى مالكٌ: «يا عبد الله! أَدِّ ما سمعتَ وحسبك، ولا تحمل لأحد على ظهرك، واعلم أنما هو خطأ وصواب، فانظر لنفسك فإنه كان يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره»أهـ.
وروى ابن عبد البر (ص/906) عن ابن القاسم قال: «سمعتُ مالكًا والليث يقولان فى اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كما قال ناسٌ: فيه سعة؛ ليس كذلك؛ إنما هو خطأٌ وصواب»أهـ. ونقل نحوه عن كتاب «المبسوط» لإسماعيل بن إسحاق القاضى، ثم نقل عن إسماعيل قوله: «إنما التوسعة فى اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة فى اجتهاد الرأى، فأما أن يكون توسعة لأن يقول الناس بقول واحدٍ منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه؛ فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا» قال ابن عبد البر: «كلام إسماعيل هذا حسنٌ جدًّا. وفى سماع أشهب سُئل مالك عمَّن أخذ بحديثٍ حدَّثَه ثقةٌ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتراه مِن ذلك فى سعة؟ فقال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابًا جميعًا؟! وما الحق والصواب إلا واحدٌ» أهـ.
[email protected]
تعليقات حول الموضوع
التعبد بالخلاف بدعة عصرية
ابو عمار احمد هلال | 21-01-2012 19:07
قال الشيخ محمد اسماعيل المقدم ( التعبد بالخلاف بدعة عصرية )
شُكرًا
عبد الملك | 18-01-2012 16:47
جزاكم اللهُ خيرًا .
صلاح هلل............
علاء رستم | 16-01-2012 15:13
لا أعرف من هو صلاح هلل وما مؤهلاته للحكم فى مثل هذا الموضوع وأرى أن اثارة مثل هذه الموضوعات فى الصحف او المنتديات يخلق نوع من البلبله وبالذات ان لدينا 85 مليون مفتى فى كل شئ ,وان كان من بد ,فيمكن ان يتواصل العلماء مع بعضهم لمناقشة هذه الامور بالهدوء للوصول الى الصواب ولكننى شخصيا معجب جدا جدا بالدكتور الهلالى واسلوبه .
وآسفاه
ابو الحسن المصري | 16-01-2012 14:35
يبدوا ان الأخ صلاح هلل من المبتدأين في علوم الدين ولا شك في هذاالذي يتضح جليا من مقولاته التي نقلها عن ابن عبد البر.. وإلا فهذه النقول صحيحة ولكن الاستشهاد بها باطل .. واحيله فقط علي كتب علم الأصول ليتبين له خطأه وخصوصا ارشاد الفحول ومثله من الكتب ليتعلم منهاواخيرا بمراجعة أداب المفتي والمستفتي للامام النووي ليعلم أنه قد أساء الأدب مع أستاذ من أفضل أساتذة الفقه المقارن..وليتعلم الفرق بين علم الأصول وهل يجوز الاختلاف في مسائله والفقه ومسائله وما يجوز فيها ..علمنا الله من لدنه علما ..آمين
الرخص2
مسلم | 16-01-2012 13:01
عليهِ أنْ يَسْأل أهل العلم المَوْثُوقِينْ، أهل العلم والتَّحَرِّي والتَّثَبُّتْ والوَرَعْ، لا يَبْحَثْ عن الرُّخَصْ وعن المُتَساهِلِين - لا - كونُ الدِّينْ يُسْر - نعم يسر - الحمدُ لله الدِّينْ يُسْر، ما أَلْزمنا بخمسين صلاة في اليوم واللَّيلة! يُسْر، ألْزَمنا خمس صلوات؛ لكن هل تستطيع أنْ تقول الدِّين يُسر وأنا لن أُصلِّي إلاَّ أربع صلوات؟! هل يُمكن أنْ يُقال مثل هذا الدِّين يُسْر؟ و ان ترك المستفتي يختار فانه نفسه ستهديه كثيرا الى الاخذ بالرخص ثم تتبعها و من تتبع الرخص فقد تزندق
الرخص1
مسلم | 16-01-2012 12:59
المسألة راجِح ومَرْجُوحْ، فَعَليكَ أنْ تَعْمَل بالرَّاجِحْ سَواءً ألْزَمَكَ أوْ أَعْفَاكْ، وعلى كُلِّ مُسْلِم أنْ يَعْمَلْ بالقولِ الرَّاجِحْ، سَواءً كان مِنْ أهلِ النَّظر في المسائل العِلْمِيَّة بحيث يَصِلْ إلى القولِ الرَّاجحْ بِنفْسِهِ، هذا يَتَعَيَّنْ عليهِ، أوْ كان من فَرْضُهُ التَّقليد،
رويدك اخي
حسن سلامة | 16-01-2012 08:18
فلا تلقي علي الناس التهم جزافا والاوجب مراجعتة او مراجعه الاعلم منك ومنه لا عرض خلافك معه علي العامة فيدلي كل منا برايه علِم او جهِل .. وللعلم اعتقد ان هناك الكثير من الامور وخصوصا الفقهية التي تحتمل صواب اراء كثيرة متدرجة في الجواز او التحسين او النبذ وليست بالضرورة كل الامور متضادة فاما صحيحة واما باطلة لانك بذلك افترضت في السائل او المسئول انهما يتكلمان عن الشئ وعكسة في كل مسالة
الحق
لاشين | 16-01-2012 06:11
الحق مع الأجماع وعند الأختلاف مع الجمهور
الأمر ليس بهذه البساطة
د/ محمد كمال | 16-01-2012 00:38
لو صدقت نظرية أن الحق لا يتعدد في مجال العقيدة فإنها لا يمكن أن تصدق في الفقه وهو الذي يعالج قضايا تفصيلية لا نهاية لها ويتعامل مع نصوص تتعدد فيها الأفهام ويكفي لنقض هذه القاعدة حادثة بني قريظة (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) فمنهم من صلى في الطريق ومنهم من صلى في بني قريظة بعد ذهاب وقت العصر ولم يخطيء النبي أحداً فما رأيك في هذه الحادثة؟ هل تعدد الحق أم لا
لبس
احمد الجزائري | 16-01-2012 00:28
معروف ان منهج العلماء في ان دائرة الاجتهاد فيما لا نص فيه تسع الجميع..والشاهد في ذلك حديث ابن عمر ..الا لا يصلين احدكم العصر الا في بني قريظة..والتي لم يرد فيها انكار على اجتهاد الطرفين..والحكم فيها اما مصيب فيؤجر مرتين واما مخطئ فيفجر مرة واحدة..اما دائرة الحلال والحرام فلا اجتهاد فيها على الاطلاق لانها تبنى على النص الذي لا لبس فيه والحكم فيها اما حق يثاب عليه واما باطل فيؤثم عليه..اما ما ورد في اقوال الائمة في المقال فالامر متعلق بالمنهج و بقضايا اصولية لا في ذات الحكم..والفارق بينهما جلي
منهجه التصويب لكل الاراء حتى الشاذ منها
ابومصعب | 15-01-2012 18:11
هذا منهج مشبوه لا اصل له من الدين ولم يسبفه اليه حتى الشيطان اذ ان العلماء وخاصة علماء الاصول كالشاطبى فى الموافقات وابن عبد البر فى الاستيعاب والغزالى فى المستصفى نصوا على ان منهج تصويب الاراء منهج باطل ولا يجوز اذ ان الدين والعثل يرفضه اذ كيف يجتمع النقيضان الحلال والحرام فى مسالةواحدة واوجبوا انيرجح العالم للسائل ولا يعرض عليه الاراء ليختار هو اذ ان هذا يفتح باب اتياع الهوى على مصراعيهوقديما قالوا من تتبع رخص العلماء واخذ بها اجتمع فيه الشر كله
و نتذكر
نانسي | 15-01-2012 16:24
قال تعالى "و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك" و هناك حديث منكر وضعيف(إختلاف أُمتي رحمة)و من هنا يتضح أنه حديث موضوع, لو صلى رجل بهيئة معينة و سأل مفيين أحدهما أفتى بصحة الصلاة و الثاني ببطلانها, هل الأثنان مصيبان؟؟؟؟
المصدر: المصريون
نشرت فى 21 يناير 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش