محمد يوسف عدس | 25-12-2011 15:03

بعد أربعين عامًا من الزمن أعود إلى ملبورن نفس الموقع الذى بدأت منه حياتى فى أستراليا، ولكن شتان ما بين نقطتى البداية والمآل.. فبينهما محيط من الأحداث والخبرات والتغيرات الهائلة فى النفس وفى العالم..

عندما تهبط من الطائرة على أرض أستراليا بعد رحلة طويلة شاقة تشعر كأنك قد أصبحت فى كوكب آخر.. ولا يفارقك هذا الشعور لفترة من الزمن.. فالنهار الذى اعتدت عليه فى النصف الشمالى من الكرة الأرضية هنا ليل.. والليل نهار.. والشتاء الشمالى صيف هنا فى الجنوب..

 

وموضعك من الشمس والقِبلة عكس مااعتدت عليه.. والساعة البيولوجية التى تسيطر على الدماغ تحتاج إلى وقت طويل لكى تعود إلى الانتظام والتوازن.. وبعد هذا كله يهبط عليك شعور بالعزلة عن العالم فتغوص فى أعماق ذاتك بلا قرار تنتهى إليه..

 

لا يزال بعض الأصدقاء القدامى يدبّون على الأرض.. التقيت بأحدهم دون موعد فعرفنى وأقبل على فلم تسعفنى الذاكرة فى التعرّف عليه.. ربما لتغييرات طفيفة فى ملبسه وغطاء الرأس الذى أخفى بعض معالم الوجه وانحاءة طفيفة فى مشيته.. قلت له مستغربا من أنت؟؟ فلما تحدث قلت له: صوتك مألوف.. لا بد أنك فلان..

لقد جمعتنا صحبة طويلة وزمالة فى العمل بجامعة بندجو.. وصداقة أسرية حميمة.. وذكريات مشتركة مختزنة فى الدماغ والوجدان.. ولكن من بين هذه الذكريات قفزتْ إلى مقدّمة الرأس واقعة بعينها جمعت بيننا فى موقف اختلفتْ فيه آراؤنا تجاه مشكلة من نوع غير معتاد: رأيتها عويصة تحتاج إلى تفكير ورآها سهلة وجوابها حاضر.. فصمتُّ أفكر وتطوّع هو بالإجابة جازمًا.. وهكذا يحدث الاختلاف المشروع بين الناس، وهو اختلاف لا تتأثر معه علاقات الصداقة ولا تنقص المودّة.

كنا فى زيارة لقرية بمنطقة شِبرْتون بولاية فكتوريا.. تسكنها مجموعة من الأسر الألبانية هاجَرَتْ إليها بعد الحرب العالمية الثانية عندما سقطت فى قبضة الشيوعيين..

 

رحبوا بنا ترحيبًا.. وصلينا الجمعة فى مسجدهم.. حيث التقينا بشيخ فاضل من شيوخ الأزهر كان فى زيارة قصيرة لأستراليا.. خطب الجمعة وأمّنا فى الصلاة.. ثم رحل.. وكانت فرصة نادرة وسعيدة فى نفس الوقت.. لم تخل من مناقشات وتقليب لأوجه الرأى مع بعض المثقفين المهتمين بالشأن الاسلامى.

 

التقينا هناك بسيدة ألبانية كانت تعمل فى ملبورن مدرسة بالمدارس الثانوية ولكنها تقضى يومى السبت والأحد فى تعليم الناشئة من أبناء وبنات قريتها شيئا من الدين وشيئا من اللغة العربية.. قالت: "لقد حيّرتنى مشكلة لبعض الوقت؛ فالأطفال لا يجيدون اللغة العربية ويصعب عليهم الصلاة بها.. ويحبون أن يصلوا باللغة الألبانية فهى اللغة التى يفهمونها ويستشعرون المعانى والأحاسيس المقدسة من خلالها.. وهذا أنسب وأقرب إلى تحقيق الغاية من الصلاة.. ومن ثَمّ قررت الاستجابة لمطلبهم وبدأت أعلّمهم الصلاة باللغة الألبانية، فى هذه المرحلة، إلى أن يتقنوا اللغة العربية ويحفظوا بعض أجزاء من القرآن ويفهموا معانيها.. وهذه مهمة قد تستغرق بعض الوقت".

 

اعترض صديقى ابتداءً.. وأصر على أن الصلاة لا تصح إلا باللغة العربية.. مستندا فى ذلك إلى رأى فقهيّ.. أما أنا فلزمت الصمت واحتجت لوقت من التفكير.. ذلك لأن الرأى الفقهى الجاهز هنا ليس هو الحل المناسب.. فنحن أمام مشكلة من نوع غير معهود ولا مألوف.. ورأيت فى موقف السيدة المعلّمة اجتهادًا معقولا تُشكر عليه.. خصوصا أنها تنتمى إلى نفس الثقافة والخلفية التى ينتمى إليها الأطفال.. وهى أقدر منا على فهم مشاكلهم الدينية والوجدانية واستيعابها.. ولها فى اجتهادها وإخلاصها كل مبرر لموقفها.. والعبرة بعد ذلك بما تؤول إليه الأمور وتسفر عنه النتائج العملية بعد أن يتعلم الأطفال اللغة العربية ويحفظوا آيات من القرآن الكريم.. المسألة إذن فى نظرى كانت محسومة على هذا الوجه: خيرًا مافعلته المعلمة فى الوقت الراهن.. ونرجئ الحكم على التجربة إلى سياقها الزمنى..

 

وتمر الأيام والسنون فتنسينا الكثير من الوقائع والأحداث.. حتى واجهتُ مشكلة الكتابة عن الشيشان فى حربها مع ورثة الاتحاد السوفييتى.. فقد أسلمتنى هذه المشكلة لدراسة الصراع التاريخى بين الروس والمسلمين فى القوقاز وآسيا الوسطى.. وإذا بى أرتطم بواقعة بالغة الغرابة.. فجّرت عندى ذكرى مشكلة الأطفال فى القرية الألبانية بأستراليا.. وإذا بى- بعد مايقرب من عشرين عامًا- أجد حلا للمعضلة فى موقف القائد العظيم مسلم ابن قتيبة الباهلى، وياله من حلّ عبقؤيّ، فقد عُرضت عليه نفس المشكلة.

 

خلْقٌ كثيرون دخلوا الإسلام بعد الفتح الكبير الذى حققه فى آسيا الوسطى (كانت تسمى بلاد ما وراء النهر).. وطلبوا إليه أن يصلّوا بلغتهم الفارسية التى يجيدونها ويستشعرون معانيها، فأجابهم لما طلبوا بلا تردّد، وأمر بترجمة معانى القرآن إلى لغتهم.. وبنى أول مسجد جامع فى بُخارى ليؤدى المسلمون فيه شعائر الصلاة ويتعلموا فيه اللغة العربية ويحفظوا فيه القرآن فقد كان المسجد والمدرسة ملتحمين منذ عهد النبوة.. وكان مركزًا حيًا للنشاط الاجتماعى.. ومناقشة المشكلات الجارية..

 

فماذا كانت النتيجة...؟ نجاح تاريخى مبهر.. لا يمكن أن يتحقق إلا فى ظل حضارة الإسلام.. ومرونة قادته ورُوّاده الأوائل وسعة أفقهم.. وقد اكتسبوا هذه الروح من نبيهم العظيم ومن صحابته الذين تعلموا على يديه.. لقد تشرّبوا روح الإسلام ومقاصده العليا ولم يتوقفوا عند الأشكال والظواهر، كما يفعل كثير من المتفيهقين الجامدين اليوم فى أنحاء الأرض فيصرفون الناس عن الإسلام بدل أن يجتذبوهم إليه..

 

كان مسلم بن قتيبة على يقين أنه ليس مجرد قائد فاتح أو فقيه أو منفّذ للأحكام.. وإنما كان يعلم من البداية أنه يؤسس لميلاد حضارة جديدة.. تستوعب كل الفطر الإنسانية وتحتضن كل الأعراق والألوان واللغات، كما تحتضن رحابة الشريعة الإسلامية وقدرتها على مواجهة البيئات المتغيّرة.. واستيعاب مختلف الشعوب والمجتمعات والنزعات الإنسانية..

وقد أثبت التاريخ بُعد نظر قتيبة بن مسلم.. فلم يلبث المسلمون هناك طويلاً حتى أتقنوا اللغة العربية وكتبوا بها.. وظهر من أبنائهم أعظم الشخصيات التى خدمت الفكر الإسلامى والحضارة الإسلامية واللغة العربية نفسها.. عُرف من هؤلاء العشرات بل المئات من علماء الفقه والحديث واللغة العربية.. فمنهم -غير البخارى- ستة آخرون من جامعى الحديث النبوى الشريف..

 

جاء المقدسى بعد ذلك بثلاثة قرون يصف لنا إسلام أهل ما وراء النهر(يقصد بخارى وطشقند وسمرقند) كما ورد فى كتابه "أحسن التقاسيم".. يقول:

"اعلم أن هذا الجانب أخصب بلاد الله تعالى وأكثرها خيرًا وفقهًا وعمارة، ورغبةً فى العلم واستقامةً فى الدين، وأدْوم جهادًا وأسْلم صدرًا، وعلى الجملة؛ الإسلام به طرىّ والسلطان قوى والعدل ظاهر، والفقيه ماهر، ومنابره أكثر من أن توصف...".

 

 

 

المصدر: المصريون
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 34 مشاهدة
نشرت فى 26 ديسمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,853