-----------------------
الإيمان, قضايا في الاعتقاد
الإيمان بالرسل, معجزات وكرامات
-----------------------
فرج بن حسن البوسيفي
بنغازي
الأرقم بن أبي الأرقم
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- من معجزات النبي استجابة الجمادات والحيوانات له. 2- من معجزات النبي البركة في الماء والطعام اليسير. 3- تعظيم الصحابة للنبي وتبركهم به. 4- صور من توقير السلف للنبي .
-------------------------
الخطبة الأولى
وبعد: أيها المؤمنون، من معجزات نبينا أن الجمادات والحيوانات تنطق وتستجيب له، وتتأدب بحضرته الشريفة إكرامًا لمقامه العظيم عند الله عز وجل، فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه حيث ذكر أنس خادم رسول الله كيف كان ينفجر الماء بين أصابع رسول الله ، وكيف كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل.
قال رضي الله عنه: كنا مع رسول الله في سفر فقلّ الماء، فقال: ((أعطوني فضلة من ماء))، فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: ((حيَّ على الطهور المبارك والبركة من الله))، قال أنس: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
وبلغ من فضل رسول الله أنه كان يُسلّم عليه الحجر إذا مرّ عليه أدبًا معه وتعظيمًا لحقّه، فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله : ((إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن)).
ومن معجزات النبي أنه كان يسقي الآلاف من الناس بقليل الماء، ففي البخاري عن جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبية، والنبي بين يديه ركوة، فتوضّأ فجهش الناس نحوه ـ أي: أسرعوا نحوه ـ فقال: ((ما لكم؟)) قالوا: ليس عندنا ماء نتوضّأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
ومن معجزات النبي أنه كان يبصق في البئر فيزداد ماؤه ويعذب، فقد روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية فجلس النبي على شفير البئر، فدعا بماء فمضمض ومجّ في البئر، فمكثنا بخير بعد، ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركائبنا.
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنهم كانوا مع رسول الله في سفر وفقدوا الماء، حتى وجدوا امرأة معها مزادتين، فجيء بها إلى رسول الله ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، والمرأة تنظر ما يفعل بمائها، وبعد أن أكملوا حاجتهم من الماء ملئت مزادتيها بالقدرة الإلهية أشد مِلأة منها حين ابتدئ فيها، معجزة لرسول الله .
وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي وضع يده في قدح فيه ماء فتوضأ من ذلك الإناء الصغير جميع أصحابه ببركته عليه الصلاة والسلام، وقال أنس: كانوا زهاء ثلاثمائة.
ومن معجزات النبي أن الطعام القليل كان يكفي العدد الكثير من الناس ببركته ، فقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة أنه أتى بطعام يسير لرسول الله فدعا بالبركة، ثم قال: ((خذوا في أوعيتكم))، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملؤوه، قال: وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، وكان عددهم ألفًا وأربعمائة.
وفي الصحيحين عن جابر أنه أرسل للنبي بالطعام، وكان ذلك الطعام شيئًا قليلاً لا يكفي إلا النفر اليسير، فأذِن النبي لأهل الخندق كلهم بأن يحضروا الطعام، قال جابر رضي الله عنه: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوا وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو.
من معجزات نبينا في تكثير الطعام والشراب ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه وجميع أهل الصفة شربوا من إناء واحد أعطاهم النبي ، فشربوا أجمعين ولم ينفد القدح، حتى شرب النبي الفضلة.
وفي الصحيحين عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن ثلاثين ومائة من الصحابة الكرام أكلوا مع النبي من صاع طعام حتى شبعوا، وفضلت القصعتان، وحملوا الطعام على البعير.
وفي سنن الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كنا مع النبي نتناول من قصعة من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة، ويقعد عشرة.
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن أم مالك كانت تهدي للنبي في عُكّة لنا سمنًا ـ والعكة الإناء الذي يوضع فيه السمن ـ، وكانت تأكل منه هي وأبناؤها، لا ينفد أبدًا ببركة النبي ، فلما عصرتها نفد، فأتت النبي فقال: ((عصرتيها؟)) قالت: نعم، قال: ((لو تركتِها ما زال قائمًا)) أي: موجودًا حاضرًا.
وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: أتيت رسول الله يومًا بتميرات فقلت: يا رسول الله، ادع فيهن بالبركة، فضمّهنّ ثم دعا فيهن بالبركة، ثم قال: ((خذهن فاجعلهن في مزودك، فكلما أردت أن تأخذ منه شيئًا أدخل يدك فيه وخذه، ولا تنثره نثرًا))، قال: ففعلت، فلقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله ـ والوسق: ستون صاعًا ـ، فكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي ـ أي: لا يفارق إزاره، حزامه الذي في وسطه ـ حتى كان يوم قتل عثمان انقطع.
ومن معجزات نبينا أن الحيوانات كانت تنقاد خاضعة له ومتأدبة بحضرته الشريفة، فقد أخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: غزوت مع رسول الله فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي ـ أي: جمل ـ قد أعيا ولا يكاد يسير، فقال لي: ((ما لبعيرك؟)) قلت: عليل، فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قُدّامها يسير، فقال لي: ((كيف ترى بعيرك؟)) قلت: بخير قد أصابته بركتك.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بعث رجلاً فأتاه فقال: يا رسول الله، قد أعيتني ناقتي أن تنبعث، فأتاها فضربها برجله، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لقد رأيتها تسبق القائد.
وأخرج أحمد وأبو نعيم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: جاء ذئب على راعي غنم فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلّ فأقعى أي: فجلس ـ وقال: عمدتَ إلى رزق رزقنيه الله تعالى فانتزعته مني، فقال الراعي: تالله إن رأيت كاليوم، ذئبًا يتكلم! قال: الذئب أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرّتين ـ وهي المدينة المنورة ـ يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديًا، فجاء النبيَّ وأخبره، فصدّقه النبي .
رعيت الضأن أحميها زمانا…من الضبع الخفي وكل ذيب
فلما أن سمعت الذئب نادى…يبشرني بأحمد من قريب
سعيت إليه قد شمّرت ثوبي…عن الساقين قاصدة الركيب
فألفيت النبي يقول قولاً…صدوقًا ليس بالقول الكذيب
فبشرني بدين الحق حتى…تبينت الشريعة للمنيب
وأخرج أحمد وغيره، وصحح الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لآل رسول الله وحش ـ دابة من الدواب ـ، فإذا خرج رسول الله لعب وذهب وجاء، فإذا جاء رسول الله ربَضَ ولم يترمْرَم ـ أي: سكن ولم يتحرك ـ ما دام رسول الله في البيت أدبًا مع النبي .
وأخرج الطبراني في معجميه الصغير والأوسط والحاكم والبيهقي ـ وللحديث أسانيد ترفعه للحسن ـ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي كان في محفل من أصحابه، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبًّا، فقال: واللات والعزّى لا آمنت بك حتى يؤمن بك هذا الضب، فقال رسول الله : ((من أنا يا ضب؟)) فقال الضب بلسان عربي مبين يفهمه القوم جميعًا: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين، قال: ((من تعبد؟)) فقال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه، قال: ((فمن أنا؟)) قال: أنت رسول رب العالمين وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك، فأسلم الأعرابي.
وأخرج الحاكم في مستدركه وقال: "صحيح الإسناد" وأقرّه الذهبي عن سفينة مولى رسول الله قال: ركبت البحر في سفينة فانكسرت، فركبت لوحًا منها، فأخرجني إلى أَجَمة فيها أسد ـ أي: قصب فيه أسد ـ، إذ أقبل الأسد، فلما رأيته قلت: يا أبا الحارث، يا أسد، أنا سفينة مولى رسول الله ، فأقبل يبصبص ِبذَنبِه حتى قام إلى جنبي، ثم مشى معي حتى أقامني على الطريق، ثم هَمْهم ساعة، فرأيت أنه يودّعني.
إن معرفة السلف لحقيقة رسولنا الكريم أورثتهم الأدب معه ومع سنته، ومع كل شيء يحبّه عليه الصلاة والسلام، ودعاهم ذلك للتبرك به وبآثاره، فقد جاء في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل.
وفي الترمذي بسند حسن غريب عن طلحة أن الصحابة من عظيم أدبهم مع النبي لا يجترئون على مسألته، ويوقرونه، ويهابونه.
قال مالك مخبرًا عن أدب أيوب السختياني عند ذكر رسول الله : ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. وقال: وحج حجتين، فكنت أرمقةُ ولا أسمع منه، غير أنه إذا ذكر النبي بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي كتبت عنه.
قال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي يتغير لونه، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا ويبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد الصادق، وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي اصفرّ، وما رأيته يحدث عن رسول الله إلا على طهارة، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي فينظر إلى لونه كأنه ينزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه، هيبة لرسول الله .
هذه بعض أحوال السلف في أدبهم مع النبي أورثهم الأدب مع رسول الله عند ذكر اسمه وعند سنته، ما جعلهم رمز القيادة والريادة لكل خير موصل لثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
-------------------------
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1/3846)



ساحة النقاش