-----------------------
الأسرة والمجتمع
الأبناء
-----------------------
عبد الله العلوي الشريفي
فاس
29/5/1423
الجامع المحمدي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- النفس البشرية مفطورة على حب الذرية. 2- إهمال الوالدين تربية أولادهم في الصغر سبب فسادهم في الكبر. 3- النهي عن الدعاء على الأولاد. 4- تعويد الصغار على الخير من أسباب صلاحهم في الكبر.
-------------------------
الخطبة الأولى
أَمَّا بَعْدُ: فيَا إِخْوَةَ الإِيمَانِ، فَمِنْ عظيمِ فضلِ اللهِ وكبيرِ نعمهِ على خلْقهِ أَنَّهُ سبحانهُ كما قال: يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا [الشورى:49، 50].
وَحُبُّ الذُّريَةِ مفْطورٌ في النَّفْسِ الإنْسانيةِ، وطلَبُها والسَّعْيُ إليْها ليسَ غريبًا على النَّفسِ الإنسانيةِ؛ لأنَّ المالَ والبنينَ زينةُ الحياةِ الدنيَا، كما قالَ اللهُ تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحياةِ الدُّنْيَا [الكهف:46].
وإذا كانَ الإنسانُ يُحِبُّ أنْ يكونَ لهُ ذريةٌ فعبادُ اللهِ المؤمنونَ من طبيعتِهِم وصفاتِهِم أن يبْتَهِلوا إلى اللهِ أنْ يرزقَهُم أولادًا مؤمنينَ صالحينَ مهْديينَ إلى الإسلام، مُطيعينَ للهِ، يعملونَ الخيرَ، ويبتعدُونَ عنِ الشَّرِّ، تَقَرُّ بِهِمْ أعْيُنُهُم، وتُسَرُّ بِهِمْ نفوسُهُم، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].
وكثيرٌ من الآباءِ والأمَّهاتِ يرجونَ برَّ أولادِهِم بِهِمْ واحترامِهِمْ لَهُمْ، وهذا واجبٌ على الأولادِ لِوالِديهِمْ، إلاَّ أنَّ كثيرًا من الآباءِ والأمَّهاتِ يشْكونَ منْ تمرُّدِ وانْحرافِ أبنائِهِم وفسادِ أخْلاقِهِمْ.
ومهما كانتْ أسبابُ ذلك فإنَّ التَّبِعَةَ في الواقِعِ يَبُوءُ بها الآباءُ، فالطِّفلُ يولدُ على الفِطْرَةِ السَّليمَةِ والصَّفاءِ والنَّقاءِ، ولَكِنَّ المُجتَمَعَ هو الذي يُفْسِدُه، والبِيئةَ التي يعيشُ فيها هيَ الَّتِي تُلَوِّثُ فِطْرَتَهُ وتُفْسِدُ خُلُقَهُ ودينَهُ، ولا سِيَما أبَوَيهُ فَهُما سَببُ هلاكِهِ ودمارهِ، وسبَبُ فسادِهِ أو صلاحِهِ، وسبَبُ استقامَتِهِ أو اعْوِجاجِهِ، ففي الحديثِ الصَّحيحِ أنَّ رسولَ اللهِ قَالَ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) رواه البخاري.
ولِهذا جعلَ الإسلامُ من أعظمِ الواجباتِ على الآباءِ والأمَّهاتِ تِجاهَ أولادِهِمْ حسنَ تعَهُّدِهِم ورعايتِهِم، واعْتَبَرَ كلَّ مُفرِّطٍ في أداءِ هذا الواجِبِ ظالمًا لنفْسِهِ وولدِهِ ومُجْتَمَعِهِ وأُمَّتِهِ، فهلْ قُمْنا بواجِبِنا نحْو أبنائِنا؟!
علينا قَبْلَ أن نلومَ أبناءَنا ونشكُوَ منِ انحِرافِهِم وفسادِ أخلاقِهِم أن نَسألَ أنْفُسَنا: هل تعهَّدناهُمْ ورعيْناهُمْ منذ صِغَرِهِمْ كما عَلَّمَنَا الإسلامُ؟! هل غرسْنا ورسَّخْنا الإيمانَ والعقيدةَ الصحيحةَ في نفوسِهِمْ؟! هل عوَّدْناهُمُ الصَّلاةَ وهم صغارٌ كما أمرنا رَسُولُ اللَّهِ : ((مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ)) رواه أبو داود؟! هل ربَّيْناهُمْ على حُبِّ اللهِ ورسولِهِ؟! هل حرصْنا على تحفيظِهِمْ كتابَ اللهِ؟! هل شجَّعْناهُمْ على قِراءةِ السُّنَّةِ النَّبويةِ؟! هل صحِبناهُم معنا إلى مجالسِ العلمِ والمحاضراتِ والنَّدواتِ التي تُعْقَدُ في المساجدِ وغيرِها؟! هل غرسْنا القِيَمَ الحميدَةَ والخِلالَ الكريمَةَ في نُفُوسِهِمْ وأدَّبْناهُمْ بِآدابِ الإسلامِ؟! هل خَصَّصْنا جُزْءًا من أوقاتِنا لأولادِنا وراقَبْنا تصرُّفاتِهِم في المنْزِلِ والشَّارعِ وتتبَّعْنا أحوالَهُمْ في المدارِسِ؟! هل نحنُ قُدوَةٌ صالِحةٌ لأبنائِنا؟! هل قمنا بتربية أبنائنا على الوجه الصحيح أم أننا تركناهم للشارع لكي يربِّيهِم على الأخلاق الدَّنِيئة والألفاظِ البذيئةِ المُنْحطَّةِ؟!
أسئِلةٌ كثيرةٌ كثيرةٌ.، يجبُ أن يطرَحَها كلُّ واحدٍ منَّا على نفسِهِ، ويجيبَ عليها بصِدْقٍ.
الحقيقةُ أننا أهْملْنا أبناءَنا إهْمالاً كبيرًا، لا أقولُ: أهملناهمْ في الطعامِ والشَّرابِ والكِسْوةِ والمسْكنِ، أو في متطلَّباتِهِمُ التَّكْميلية ووسائِلِ التَّرْفيهِ، فهذا أمْرٌ لا نُقَصِّرُ فيه جميعًا، ولكنَّنَا أهْمَلْناهُمْ في تقويمِ نُفُوسِهِم وتطْهيرِ أرْواحِهِم وتدْعِيمِ أخلاقِهِم، وفي تنْشِئَتِهِم على الدِّينِ والعِبادَةِ وضَرْبِ القُدْوةِ الصَّالِحَةِ لَهُمْ. لقد ربَّيْناهم تربيةً بعيدةً كلَّ البُعْدِ عن دينِ اللهِ، لا يعرفون من الدين إلا اسمَه، ولا من المصحف إلا رسمه فقط.
وإذا كُنْتُمْ في شكٍّ من ذلكَ فاسألوا أبناءَكُم عن دينِهِم وعن العباداتِ، اسْأَلُوهُمْ عن الصلاةِ، تجِدونهم لا يعرفون من الصلاة إلا حركاتٍ تؤدَّى ليس فيها خشوعٌ ولا طُمأنينةٌ، اسْأَلُوهُمْ عن القرآنِ وعن الأحاديث النبوية، اسْأَلُوهُمْ عن تاريخ الإسلام العظيم، اسْأَلُوهُمْ عن أسماء بعض أصحاب رسول الله وعن المجاهدين في سبيل اللهِ الذين بنَوْا لهذا الدِّينِ المجدَ والعزَّة، اسْأَلُوهُمْ عنِ العلماء العاملين المخلصين الذين أراد بهم الله إخراجَ الضَّالين من العبادِ من الضَّلال إلى الحقِّ المبين، ستجدون أنهم لا يستطيعون أن يجيبوكم على ما سألتموهم؛ لأننا لم نُرَبِّهِمْ على معرفةِ دينِ الله، ولا على حبِّ اللهِ، ولا على الولاءِ لدينِ اللهِ وحزبِهِ. أفلا يحقُّ لنا أن نقولَ: إننا أهْملْنا أبناءَنا إهْمالاً كبيرًا، وربَّيْناهم تربيةً بعيدةً كلَّ البُعْدِ عن دينِ اللهِ، ربَّيْناهم على حبِّ كلِّ شيْءٍ إلا دين الله؟! كيف نرجو خيْرَهُم وصلاحَهُمْ ونحن نراهم مقيمين على المعاصي فلا ننهاهم؟! وقد نكون أول من يفعل ذلك أمامهم، بل قد نشجعهم على ذلك، وهذا والله لهو الخطأ الفادح بكلِّ المقاييس.
رُوِيَ أن قاضيًا حَكَمَ على سارق بقطْعِ يدِهِ، فما أنْ لَفَظَ القاضي بالحُكْمِ حتى اهتَزَّتْ جَنَبَاتُ المَحْكَمَةِ بِصَوْتٍ يُجَلْجِلُ: اقْطَعُوا لِسانَ أُمِّي قَبْلَ أَنْ تقْطَعوا يَدِي، فلقد سَرَقْتُ في طفولتي بيضةً من جيراننا، فلم تؤنبني، وإنما هشتْ لي وبشَّتْ، مستحسنةً ما فعلتُ، إنني لولا لسانُ أمِّي الذي هَلَّلَ للجريمة في صغري لما كنتُ اليوم سارقًا تقطعُ يدُهُ. وهذا حالنا اليومَ مع أولادنا، نسكتُ عن خطيئاتهم الصغيرة، بل نضحك لهم ونشجعهم على الإساءاتِ.
وعاتبَ بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبت، إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتُكَ شيخًا. لقد أهملنا رعايةَ أولادِنا في أول الطريق فساءت أخلاقُهُم في نهايته.
وماذا كنا ننتظر غيرَ هذا وقد أضعنا أمرَ الله فيهمْ، وغفلنا عن إصلاحهم والعنايةِ بهم ووقايتهم؟! قال تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]. ولا أظن أن أحدا منا لا يخاف على أولاده من النار مثلما نخاف على أنفسنا منها، إننا نخافُ أن يتأذَّوا ولو بشوكة، فهل نقبل أن يتلظى أبناؤنا في النار؟! إذً فاحموهم من النار.
إن مسؤوليتنا في تربيةِ أبنائِنا مسؤوليةٌ كاملةٌ، سنحاسب عليها أمام ربنا، فقد قيلَ: "إنَّ أولَ ما يتعلق بالرجل زوجته وأولاده، فيوقفونه بين يدي الله عز وجلَّ، فيقولون: يا رب، خذ لنا حقنا من هذا الرجل، فإنه لم يعلمنا أمور ديننا"، وقال ابن القيم رحمه الله: "إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولدِهِ يومَ القيامة قبل أن يَسْأَلَ الوَلَدَ عن والِدِهِ، فإنه كما أن للأب على ابنه حقا، فلِلابن على أبيه حق"، ثم يقول: "فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثرُ الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا".
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا إِخْوَةَ الإِيمَانِ، كثير من الآباء والأمهات بمجرد أن يروا من أبنائهم عقوقا أو تمردًا يدعون عليهم بشتى المصائب، وما علموا أن دعاء الوالدين مستجابٌ، وربما وافق ساعة إجابةٍ، فتقع الدعوة موقعها، فيشقى الولدُ بعدها شقاءً عظيمًا.
ولهذا حذر رَسُولُ اللَّهِ من الدعاء على الأولاد فقَالَ: ((لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ)) رواه مسلم، وقَالَ : ((ثَلاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ)) رواه ابن ماجه.
أيها الآباء، أيتها الأمهات، ما دامت دعوتكم مستجابة فلِمَ تحرمون أولادكم فضلَ دعوةٍ صالحةٍ تكون سببًا إن شاء الله تعالى في هدايتهم واستقامتهم؟! فأنبياءُ اللهِ ورسُلُهُ لم يغفلوا عن الدعاء والالتجاء إلى الله أن يهب لهم الذرية الصالحة، فهذا إبراهيم الخليل عليه السلام قال: رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّالِحِينِ [الصافات:100]، وقال: رَبّ اجْعَلْنِى مُقِيمَ الصلاةِ وَمِن ذُرّيَتِى رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء [إبراهيم:40]، وهذا زكريا عليه السلام دعا وقال: رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء [آل عمران:38]، وقال تعالى في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74].
فأَكْثِرُوا من الدُّعاء لأولادكم، واعلموا أن صلاحهم ينفعكم بعد موتكم، وخذوا بأسباب صلاح ذرياتكم بغرس محبة الله ومحبة رسوله في قلوبهم، وبملء أوقات فراغهم بالمفيد، وبتشويقهم إلى الذهاب للمسجد صغارًا وحملهم عليه كبارًا.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ عَلَى أَكْرَمِ خَلْق اللهِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ انْتَصِرْ لِعِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ في مَشَارِقِ الأرْضِ ومَغَارِبِها...
(1/4215)
وبالوالدين إحسانًا
-----------------------
الأسرة والمجتمع
الوالدان
-----------------------
عبد الله العلوي الشريفي
فاس
7/6/1423
الجامع المحمدي
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- صور عقوق الوالدين في واقعنا. 2- الأمر ببر الوالدين في القرآن الكريم والسنة النبوية. 3- كيف يكون بر الوالدين؟ 4- نماذج من بر السابقين بوالديهم. 5- بر الوالدين لا يختص بكونهما صالحين أو مسلمين. 6- عقوبة العاق لوالديه. 7- لا بد من إعانة الزوجين بعضهما على بر والديهم.
-------------------------
الخطبة الأولى
أَمَّا بَعْدُ: فيَا إِخْوَةَ الإِيمَانِ، إنَّ قَصَصَ عقوق الأبناءِ التي أصبحْنا نسمعُها ونراها يَنْفَطِرُ لها الفؤادُ أَسى وتذوبُ النَّفسُ لها حسرةً، فكثيرٌ من الأبناءِ لا يتَّقونَ ربَّهُم في معاملةِ آبائِهِم وأمَّهاتِهِم، فيُسِيئُونَ إليهِم، ويُغْلِظون مَعَهُم، بلْ وَصَلَ الحَدُّ بكثيرٍ منهم إلى ازْدِرائِهِم واحتقارهِم وضربِهِم والعياذ بالله، حتى أصبح غايةُ ما يتمناهُ الأبوانِ من البِرِّ أنْ يأْمَنا شَرَّ أولادِهِمْ وبذاءَتَهُم وفُحْشَهم وسُوءَهُم.
وَهكذا لما قَسَتْ قُلوبُ الأبناءِ وتَمَرَّدَ الأولادُ على الآباءِ أصْبحنا نرى في شوارعنا منْ يسُبُّ أباهُ ويشْتُمُهُ بأَحَطِّ أنْواعِ السِّبابِ والشَّتْم، ومن حينٍ لآخرَ تأْتينا أمَّهاتٍ على الخصوص يشتكينَ من سوءِ معاملةِ أبنائهنَّ وبناتِهِنَّ، فهذهِ تشتكِي من صُراخِ أبنائِها في وجهِهَا ومُخاطبَتِهِم لها بأقْسَى العباراتِ، وتلكَ رَفَضَ أبناؤُها أنْ تعيشَ معهم، وأُخْرى طردتْها بنْتُها من منزلِها، وغيرُها ضرَبَها ابنُها أمامَ زوجَتِهِ، وهذِهِ قاطعها أبناؤُها تأديبًا لها.
هذهِ أحداثٌ ثابتةٌ وواقعةٌ، واللهِ ليستْ أساطيرَ تُرْوَى ولا حكاياتٍ تُتْلى، وعَشَرَاتٌ مِثْلُها في البُيُوتِ، فكلُّ بيْتٍ من بُيوتِ المسلمينَ اليومَ دخلتَهُ إلا وتسمعُ أحاديثَ عن أنواعٍ من العقوق، نعوذُ بالله من العقوق والعاقِّينَ.
إخوة الإيمان، هذا جزْءٌ من واقِعِنا، ولكنَّه ليس من دينِنَا، فنحْنُ أُمِرْنا بِبِرِّ الوالديْن، حتى إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قَرَنَ بَيْنَ عِبادَتِهِ وبَيْنَ الإِحْسانِ بالوَالديْن: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وَقَرَنَ سبحانهُ بين شكرِهِ وشُكْرِ الوالديْن: أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14].
وقد جعلَ اللهُ البرَّ بِالْوَالِدَيْنِ بابًا للفوْزِ برضاهُ سبحانهُ، ففي الحديثِ الصحيحِ أنَّ رسُولَ اللهِ قَالَ: ((رِضا الرَّبِّ فِي رِضا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا)) رواه الترمذي وهو في صحيح الجامع (3507).
وَبِرُّ الوالديْنِ من أحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ وأفضلِها بعدَ الصَّلاةِ، سُئِلَ النَّبِيُّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ((الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا))، قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: ((ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ))، قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) رواه البخاري.
فَبِرُّ الوالديْن مقدَّمٌ حتى على الجهادِ في سبيلِ اللهِ، مما يدُلُّ على عِظَمِ حَقِّ الوالديْن، ويُؤَكِّدُ هذا أنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: ((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)) رواه البخاري.
والجهادُ في الوالديْنِ وبرُّهما يكونُ بِخِدْمَتِهِمَا والإِنْفاق عليْهِما وطاعتِهِما في المعْرُوفِ ومخاطبَتِهِما بأدَبٍ ولُطْفٍ وإِحْسانِ صُحْبتِهِما وتَطْييبِ خاطِرِهِما وقضَاءِ حوائِجِهِما، فقضاؤُها مقدَّم على قضاءِ حوائجِ الأبناءِ والزَّوْجةِ والإخْوانِ والأصْدِقاءِ، ولا تَرْفَعْ صوْتكَ عليْهِما، ولا تنْظُرْ إليْهِما بِغَضَبٍ واحْتِقَارٍ، ولا تَرْفَعْ يَدَكَ عليْهِما عنْدَ تكليمِهِمَا، ولا تُقَاطِعْ حَدِيثَهُما، وكُنْ صورةً كَريمةً للأَخلاقِ الفاضِلةِ، حتَّى تجلُبَ لهُما الدُّعاءَ الصَّالحَ حين يَرَوْنَ أفْعَالَكَ وأعْمالَكَ، ومِنْ بِرِّهِمَا بعْدَ موتِهِما زيارَةُ قبْرِهِما وقضاءُ ديونِهِما والدُّعَاءُ والاِسْتِغْفارُ لهُما.
جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ تُخْبِرُهُ بِمَوْتِ أُمِّهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((صُومِي عَنْهَا))، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: ((حُجِّي عَنْهَا)) رواه مسلم. وَجَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبُرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا)) رواه أبو داود، والحديث ضعفه الألباني.
فما أَحْوَجَ الوَالِدَينِ إذا ماتا إلى دُعَاءٍ صَالِحٍ من ابنِهِما تُرْفَعُ بِهِ درجاتُهُما، ففي الحديثِ الصَّحيحِ أنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى لِي هَذَا؟! فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ)) الحديث في صحيح الجامع (1617).
إِخْوَةَ الإيمانِ، لقد ضَرَبَ السَّابِقونَ أَرْوَعَ الأمْثالِ في البِرِّ بآبائِهِم وأمَّهاتِهِم، فهذا ابنُ الحَنَفِيَّةِ كان يغْسِلُ رَأْسَ أُمِّهِ ويَمْشِطُها ويُقَبِّلُها ويَخْضِبُها، وبكَى إيَّاسُ بنُ معاويةَ حينَ ماتتْ أُمُّهُ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: "كانَ لي بابانِ مفْتوحانِ إلى الجنَّةِ فأُغْلِقَ أَحَدُهُما"، وطلبَتْ أُمُّ مِسْعَرٍ ماءً في ليْلةٍ، فجاءَ بالماءِ فوَجدَها نائِمَةً، فَوَقَفَ بالماءِ عنْدَ رأْسِها حتى أَصْبَحَ، وسُئِلَ عُمَرُ بنُ ذَرٍّ عن بِرِّ وَلَدِهِ بِهِ فقالَ: "ما مشَى معِي نهارًا قطُّ إلا كان خلْفِي تأدُّبًا، ولا ليْلاً إلاَّ كان أمامِي خَشْيَةَ مَكْرُوهٍ يلْقاني، ولا رَقَى سَطْحًا وأنا تحْتهُ حتَّى لا يعلُونِي"، وكان عليُّ بنُ الحُسَيْنِ كثيرَ البِرِّ بأُمِّهِ، فقيلَ لهُ: إنَّكَ منْ أَبَرِّ النَّاسِ بِأُمِّكَ، ولَسْنا نَرَاكَ تأْكُلُ مَعها في صَحْفَة! فقالَ: "أخافُ أنْ تسْبِقَ يَدِي إلى ما سَبَقَتْ إليهِ عينُها، فأكونُ قد عققتُها"، وكان أَحَدُ السَّلَفِ يُقَبِّلُ كلَّ يَوْمٍ قَدَمَ أُمِّهِ، فَأَبْطَأَ يَوْمًا على أصْحابِهِ فَسَأَلُوهُ، فقالَ: كنتُ أتمرَّغُ في رياضِ الجنَّةِ تحْت قَدَمَيْ أُمِّي، فقدْ بَلَغَنِي أنَّ الجنَّةَ تحْتَ قدميْها.
هكذا بَرَّ السَّلَفُ الصَّالِحُ آباءَهُم، وهذِهِ الصُّوَرُ المُشْرِقَةُ الطَّيِّبَةُ التي ذكرناها لا يخلُو منها عصْرٌ.
قد يقولُ بعضُ الأبناءِ اليوم: إنَّكَ تُحَدِّثُنا عن عهودٍ سلفتْ ومضتْ بما لَها وما عليْها، ونحنُ الآنَ في زمانٍ تُحْسِنُ فيه إلى والديْكَ ويُسِيئانِ إليْكَ، ترْحَمُهُما ويعذِّبانِكَ، تُكْرِمُهُما ويُهِينانِك، تُكَلِّمُهُما بكلامٍ لَيِّنٍ وقَوْلٍ طَيِّبٍ فَيَرُدَّانِ عليْكَ بالخبيثِ السَّيِّئ، تَصِلُهُما ويقْطَعانِك.
أقولُ: منِ ابْتُلِيَ بهذا النَّوْعِ من الوالديْنِ فعليْهِ بالصَّبْرِ، فأفْضلُ البِرِّ بِرُّ مِثْلِ هؤلاءِ، فبِصَبْرِكَ يرفعُ اللهُ دَرَجَتَكَ ويُعْظِمُ أجْرَكَ، وإنْ كانا يَجْحَدانِ بِرَّكَ فاللهُ سبحانهُ وتعالى لا يجحَدُهُ.
فَبِرُّ والديْكَ لا يختصُّ بكونِهما صالِحينِ طيِّبَيْنِ، ولا بكونِهما مُسْلمَيْن، بل تبرُّهُما وإنْ كانا كافريْنِ، فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغمة مشركة أفأصِلها؟ قال: ((نَعَمْ، فصِلِي أُمَّكِ)) رواه البخاري. بلْ عليكَ أن تبرَّهُما وتُحْسِنَ إليْهما حتى ولو أَمَراكَ بالكُفْرِ بالله وألْزَمَاكَ بالشِّرْكِ باللهِ، قال تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا إِخْوَةَ الإِيمَانِ، إنَّ عقوقَ الوالديْنِ جحودٌ للفضلِ ونُكْرانٌ للجميلِ ودليلٌ على الحُمْق والجهلِ وحقارةِ الشَّأْنِ.
عقوقُ الوالديْن من كبائرِ الذُّنُوبِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: ((الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ)) رواه البخاري، وَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ من الثَلاثَةِ الذينَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: ((الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ)) والحديث في صحيح الجامع: (3063).
والعُقُوقُ دَيْنٌ ووفاءٌ، فإذا تَولَّيْتَ عن والدَيْكَ وأعْرَضْتَ عنْهُما سلَّط اللهُ عليكَ منْ ذُرِّيَتِكَ منْ لا يُراعِي فيكَ عهْدًا، ولا يحفظُ لكَ وُدًا، ولا يُقيمُ لك وَزْنًا، ولا يعرفُ فيكَ حَقَّ أُبُوَّةٍ ولا واجِبَ بُنُوَّةٍ، فكما تَدينُ تُدَانُ، والجَزاءُ منْ جِنْسِ العملِ.
ذُكِرَ أنَّ عاقًا كان يَجُرُّ أباهُ بِرجْلِهِ إلى الشَّارِعِ، فإذا بلغَ بهِ إلى البابِ قالَ الأبُ: حَسْبُكَ، ما كُنْتُ أَجُرُّ والدِي إلاَّ إلى هذا المكانِ، فيقولُ لهُ وَلَدُهُ: هذا جزاؤُكَ، والزَّائِدُ صدقةٌ مِنِّي عليْكَ.
وحَدَّثُوا أنَّ رَجُلاً منَ الأعْرابِ قالَ: خرجْتُ أَطْلُبُ أَعَقَّ النَّاسِ وأَبَرَّ النَّاسِ، فكنْتُ أَطُوفُ بالأَحياءِ حتى انْتَهَيْتُ إلى شَيْخٍ في عُنُقِهِ حَبْلٌ يَسْقِي بِدَلْوٍ لا تُطِيقُهُ الإِبِلُ في الهاجِرَةِ والحَرُّ شَديدٌ، وخَلْفَهُ شابٌّ في يَدِهِ سَوْطٌ يَضْرِبُهُ بِهِ، قدْ شَقَّ ظَهْرَهُ بذلِكَ الحَبْلِ، فقلتُ: أَمَا تَتَّقِي اللهَ في هذا الشَّيْخِ الضَّعِيفِ؟! أَمَا يَكْفِيهِ ما هُوَ فيهِ؟! قالَ: إنَّهُ معَ هذا أبِي، قلتُ: فلا جزاكَ اللهُ خَيْرًا، قالَ: اسْكُتْ، فهكذَا كانَ هوَ يصْنعُ بأبيهِ، وكذا يصنَعُ أبُوهُ بِجَدِّهِ، فقلت: هذا أعَقُّ النَّاسِ. نعوذُ باللهِ من العقوقِ ومنْ قسْوَةِ القَلْبِ.
كلمةٌ أخيرةٌ لكلِّ زَوْجٍ وزَوْجَةٍ: أعِينِي ـ أيتها الزَّوجةُ ـ زوجَكِ على بِرِّ والديْهِ، وأعِنْ ـ أيها الزَّوْجُ ـ زوْجَتَكَ على بِرِّ والِدَيْها، فهذا منَ العِشْرةِ بالمعروفِ، ولا يقفْ أحدُكُما في طريق الآخَرِ حَجَرَ عَثْرَةٍ في بِرِّ والِدَيْهِ.
نجدُ الزَّوْجةَ تحاسبُ زوْجها فيما اشتراهُ لوالديْهِ من بعضِ الأمورِ الضروريةِ، تُسِيءُ إليْهِما بقولٍ أو فعلٍ، تُديمُ الشَّكْوَى منْهما. الزَّوْجُ يمنعُ زوْجَتهُ من زيارةِ والديْها وصِلتِهِما، ولا يحتَرمُهُما، ولا يجْلِسُ معهما، إنَّ الزَّوْجَ إذا جعلَ زَوْجَتَهُ لئيمةً تَنْسَى معروفَ والديْها سيأْتِي يومٌ منَ الأَيام وتَنْسَى معروفَهُ، والزَّوْجَةُ التي تجعلُ زوْجها يمكُرُ بوالديْهِ سيأْتِي يومٌ من الأيامِ ويمْكُرُ بها. فكونا ـ جزاكما الله خيرًا ـ عوْنًا لبعْضِكُما على بِرِّ والدَيْكُما.
احذروا ثم احذروا ثم احذروا ـ أيها الإخوةُ ـ من العقوقِ، وعاهِدوا اللهَ من هذا المكانِ أنْ تبْذُلُوا وُسْعَكُمْ في بِرِّ وَالِديكُمْ، ومن كان بارًا بهما فلْيُحافِظْ على ذلك، وإذا كانا مَيِّتَيْنِ فَلْيَتَصَدَّق لَهُما ويَبُرَّهُما بدعوةٍ صالحةٍ.
هذا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ عَلَى أَكْرَمِ خَلْق اللهِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ انْتَصِرْ لِعِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ في مَشَارِقِ الأرْضِ ومَغَارِبِها...
(1/4216)



ساحة النقاش