د. أحمد عبد الحميد عبد الحق | 14-10-2011 2
لا أعلم أقلية في العالم تحظى بما تحظى به الأقلية النصرانية في مصر من نعمة الأمن والأمان والحرية ، فضلا عن الغنى والثراء والمناصب القيادية التي يهيمنون عليها ، فرغم أن نسبتهم تتراوح ما بين 4 إلى 6 % من عدد سكان مصر إلا أنهم يسيطرون على حوالي 40% من اقتصاديات البلد، ويستحوذون على حوالي 25 % من الوظائف الإدارية العليا، ويهيمنون على تجارة المجوهرات والأدوية في مصر، ورغم ذلك لا يوجد مسلم في مصر على الإطلاق ينظر لهم نظرة حسد ـ كما يحدث في الغرب مع المهاجرين العرب ـ على هذا النعيم الذي هو بقدر الله واجتهادهم..
وأنا وغيري لا أريد منهم غير ألا يتبعوا سبيل المفسدين ، وألا يكفروا تلك النعمة فتزول منهم ، وعندها سيندمون ولن ينفع الندم ..
وكفر النعمة له أساليب شتى ، أبرزه فيما يخص بعض نصارى مصر هو عدم شكرهم للمجتمع الذي وفر لهم تلك النعم ، واتباع بعضهم لنعيق المحرضين لهم في الداخل أو الخارج ، والانجرار والاندفاع وراءهم دون التفكير في العواقب ، ودون احترام لحرمة الجيرة والصداقة والعِشرة التي تربطهم بالمسلمين ، وعدم اقتناعهم بقسمة الله سبحانه وتعالى لهم وكرم الوطن عليهم ، والسعي لحرمان الآخرين ( المسلمين ) من حقوقهم في الوطن بحجة أنهم ( أي النصارى ) هم الأقدم ، وبالتالي لا يحق لأحد أن يشاركهم فيه ، وافتعال الفتن والأزمات بين الحين والآخر ، مستغلين دماثة خلق وطيب نفس أشقائهم المسلمين ، الذين لا يمر بأحدهم مناسبة إلا ويدعو جاره أو صديقه أو زميله النصراني في العمل لها ، ولا يجد مناسبة فرح أو عزاء من هذا الزميل إلا ويسارع بمشاركته فيها ، ولا يمر به عيد له إلا ويسارع بزيارته وتهنئته ، وربما يحرص على ذلك أكثر من حرصه على مودة صديقه المسلم..
هو يؤاكله ويشاربه ويجالسه وينادمه ؛ انطلاقا من قول الله عز وجل : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [الممتحنة/8، 9]..
أقول : يستغلون كل ذلك ، ويخرجون مطمئنين إلى الشوارع ليعيثوا فيها فسادا ، ويروّعوا الآمنين ، ويقتلوا جنودنا الذين لا ذنب لهم غير أنهم انضموا لسلك الجندية لخدمة الوطن والدفاع عنه دون أجر أو مقابل ، اللهم إلا جنيهات قليلة تيسر لهم سبل التنقل من منازلهم في قراهم ومدنهم إلى ثكناتهم العسكرية ..
ولم يرض المتطرفون من النصارى بذلك ، بل سعوا للاستقواء بأبناء جلدتهم في الخارج ، ولم يحترموا هيبة الدولة وحرمتها ، ولم يرضوا بقانونها وقضائها العادل، بل تعالوا وتطاولوا عليه ، وسعى نفر منهم لتحقيق مصالحهم بالقوة ، ولو تعارضت مع الصالح العام أو مع قوانين الدولة التي من المفترض أن يحترمها الجميع..
ومن باب أنهم شركاء لي في الوطن ، وأن إسلامي علمني منذ الصغر أن أبذل النصيحة لمن أعرف ومن لا أعرف ، فإني أقول للسواد الأعظم والعقلاء منهم ، وليس لهؤلاء المتطرفين الذين أعماهم الحقد وأبطرتهم النعم: فكروا في مصالحكم وفي مستقبل أولادكم ، واعلموا أن الوطن سفينة وأنتم مع المسلمين ركابه ، وإن غرق لن تكونوا بمنأى عن الغرق ، بل قد تكونوا أول الغارقين ، ولا يستخفنكم الذين لا يعقلون من الساعين للفتنة المحرضين لها النافخين في نارها كي تزداد اشتعالا .. واستمعوا لصوت العقل ، وليجلس كل واحد منكم مع نفسه وليفكر : كيف سيكون مصيره لو اشتعلت نيران الفتنة بمصر ..
ليتذكر كل واحد منكم الودَّ الذي يربطه بجاره أو صديقه المسلم ، ليتذكر كل طبيب منكم ، وكل تاجر منكم ، وكل مدرس منكم ، وكل حرفي منكم ، أن السواد الأعظم من زبائنه هم من المسلمين ، فماذا سيفعل لو نجح دعاة الفتنة في مخططهم وانقلبت مودة المسلمين إلى عداوة ؟!! ألا يفقد كل واحد من هؤلاء زبائنه وينقطع مصدر رزقه لو وصل الأمر ـ لا سمح الله ـ إلى درجة المقاطعة ؟!! وعندها ستتعطل مصالحكم جميعا ، ولن يفعكم الفتات الذي يجود به متطرفو المهجر على كنائسكم ..
إن الكثير من هؤلاء المتطرفين النصارى في المهجر يوهمونكم بأن مصر لكم دون سواكم ، وأن المسلمين دخلاء عليكم ، وأنا ـ بحكم عملي مؤرخا ـ أقول لكم : إنكم والمسلمون ضيوف على مصر ، ولا عبرة بكون المسيحية هي الأقدم دخولا ؛ لأن الشعب المصري لم يدخل كله المسيحية ، وإنما بقيت الغالبية على وثنيتها حتى جاء الإسلام فاعتنقته ، بالإضافة إلى الأعداد الغفيرة التي آمنت به عن اقتناع من نصارى مصر ، وما زال الباب مفتوحا يدخل فيه كل عام الآلاف منهم ..
فمسلمو مصر إذن ليسوا دخلاء غرباء عليها كما يزين لكم هؤلاء ، كما أنكم أنتم ـ معشر النصارى ـ لا يمكن الجزم بأنكم تنتمون جميعا للعنصر المصري القبطي ، ففيكم من ينتمي للعنصر اليوناني الإغريقي ، ومنكم من ينتمي للعنصر الرومي الأوربي ، ومنكم من جاء مع الاحتلال البريطاني واستوطن مصر ، ومنكم بقايا الجاليات الأوربية التي كانت تعمل بالتجارة منذ زمن بعيد ثم صارت جزءا من نسيج المجتمع المصري ، فبأي حق تنسون أصولكم وتنسبون جميعا للعنصر القبطي دون سواكم؟!!!..
إنهم يوهمونكم بأن الغرب وعلى رأسه أمريكا هو معكم وسيتدخل عند اللزوم ، وهذا الكلام إن صدقتموه لن يزيدكم إلا رهقا ، وسيكون عاره وشناره عليكم قبل غيركم ؛ لأنه من كمال البلاهة أن يتخيل الإنسان أنه سيجلب عدوا من الخارج لقتل المسلمين في مصر ، ويبقى عوام الناس يتفرجون كأنهم في مسرح حتى يدخل العدو عليهم الباب ، بل سيثورون ويقطعون دابر من يسعى لجلب هذا العدو إن أقدم على ذلك ..
وسؤال أخير : ماذا ستفعل أمريكا وحلفاؤها من الغرب إن ضلوا السبيل وآثروا الاعتداء على مصر باسم حماية الأقليات ، ماذا ستفعل أمريكا بحلفائها وقد غرقت في مستنقع أفغانستان ودُحرت أمام شباب الطالبان الذين لا يتجاوز عددهم عشرات الآلاف ، والمسلمون في مصر تعدادهم يفوق الثمانين مليون ، ولو استبعدنا العجزة والأطفال والنساء وأصحاب الحاجات سيخرج منهم على أقل تقدير عشرة ملايين من الرجال الفتية الأقوياء ، فماذا ستفعل أمريكا بحشودها أمام هذا العدد الذي سيؤثر وقتها الموت على الحياة ليلقى ربه عزيزا ، ويعيش من يخلفه من أبنائه عزيزا ..
وهذا العدد ـ وقتها ـ لن يقتل إلا إذا قتل مثله من أعدائهم على أقل تقدير ، وإذا كانت أمريكا ومن يحالفها ترضى أن تفقد ما يساوي هذا العدد من رجالها فحيهلا ، وإلا فلتجنب نفسها شر مواجهة المصريين ، ويكفيها أن تقوم العلاقة بينها وبين مصر على السلم وتبادل المصالح التي تقوم بها حياة الشعوب..
وإذا كانت تمني نفسها بمثل ما حصل في العراق فهيهات ؛ لأن مصر ليس فيها شيعة كشيعة العراق يمكن أن تضعهم في المقدمة وتحقق بهم ما تريد ، فمسلمو مصر ـ والحمد لله ـ على قلب رجل واحد ، ومن شذوا بولائهم لأمريكا فهم شرذمة قليلة لا يحسن أحدهم غير الحديث خلف شاشة التلفاز ، ولا يمتلك من الشجاعة ما يجعله يسير وحيدا على شاطئ ترعة بين زروع الريف في ظلمة الليل ؛ خوفا من عواء الكلاء ، فكيف به إن جد الجد ، وحمي الطويس ؟!!..
فأثروا السلامة ، واشكروا نعمة الله يزدكم ، وأحبوا وطنكم يصف لكم خيره !.
*مدير موقع التاريخ الالكتروني



ساحة النقاش