د. أحمد عبد الحميد عبد الحق | 04-11-2011 22:10
من ثلاث سنوات تقريبا وفي مثل تلك الأيام من ذي الحجة نشرت مقالا بعنوان " تضحية قبل أن تغرق السفينة " ناديت فيه ولاة الأمر من الملوك والرؤساء وقادة الحركات الإسلامية أن يسعوا للتقارب فيما بينهم ؛ لأنه وخلال تاريخنا الطويل لم ينجح العلماء والدعاة في إقامة مجتمع سوي آمن صالح مترابط، عابد لربه، متبع لسنة نبيه دون مشاركة من الأمراء أو الحكام، ولم ينجح الأمراء أو الحكام في إقامة وترسيخ حكمهم، وتقوية قواعده، وحمايته من المخاطر دون مساعدة من العلماء ، فكلاهما محتاج للآخر، بل مكمل للآخر تكملة الرأس للجسد.
وقلت أيضا : إن الشد والتوتر بين قادة الحركات الإسلامية والحكام لن يفيد أياً من الطرفين، وسيظل الحكام قلقين على عروشهم مهما أوتوا من قوة، ومهما بطشوا بالخارجين عليهم، بل سيظل الخوف يجيش بقلوبهم من نجاح المعارضين في التغلب عليهم في يوم من الأيام، وسيظل قادة الحركات الإسلامية في دوامات من الصراع كلما خرجوا من دوامة دخلوا في أخرى دون أن يتفرغوا لإصلاح المجتمعات التي نخرت فيها الآفات نخر السوس في العود الهش...
قلت هذا الكلام ولم يصغ له أحد كما لم يُصغَ لغيره من كلام الناصحين وما أكثرهم ! حتى جاءت الثورات العربية التي لم يتنبأ لها أحد على الإطلاق ، وغيرت موازين القوى ، وأطاحت بعرش ثلاثة من طواغيت العصر ، وسلّم الله عز وجل ولم تغرق السفينة بكل ركابها ، وإنما التقط القدر فقط كبار الظلمة ، واصطفى الله سبحانه وتعالى مجموعة من الشباب والكهول والأطفال ؛ ومع كثرة هؤلاء المصطفين الذين كانوا بمثابة قربان لنجاح الثورات إلا أنني أرى أن الله عز وجل كان بنا رؤفا رحيما ..
والآن أكرر صيحتي التي أطلقتها منذ ثلاث سنوات وبمناسبة عيد الأضحى المبارك أن ضحوا قبل ألا تستطيعوا أن تضحوا ، وندائي هذه المرة أوجهه للحكام الذين لم تثر شعوبهم بعد ليراجعوا أنفسهم ويصلحوا ما بينهم وبين الله أولا ، ويشكرونه على أن أمهلهم ، ولم يعجل بخروج شعوبهم عليهم على حين غفلة منهم ، ليضحوا بقليل من شهواتهم ونزواتهم ومتعهم وانفرادهم بمقاليد الأمور دون شعوبهم قبل أن يضحوا مجبرين بكل شيء حتى بأنفسهم كما حصل للقذافي ، ثم ليصلحوا ما بينهم وبين شعوبهم لتنجو بهم السفينة معا ..
والإصلاح مع الرعية معناه أولا أن يعلم الحكام أنهم ما هم إلا جزءا من تلك الرعية التي يحكمونها ، وكونهم قد وصلوا لسدة الحكم أو الملك ليس معناه أنهم أفضل منهم ، وأن يتخلوا عن النظرات القديمة التي كانت تجعل من الشعوب مجرد قطيع مملوك لهم يسيمونه حيث يرون ، وليس معناه أن ثروات وممتلكات الشعوب هي ملك لهم دون سواهم يتصرفون فيها كيف يشاءون ،ثم ينظرون إلى ما يعطى للرعية على أنه مجرد منة لهم يمنون بها على عوام الناس.
والإصلاح مع الرعية معناه أن يحس كل من هؤلاء الحكام بالأمانة التي حملوها تجاه شعوبهم ، وأن يسعوا في القيام بقضاء مصالحهم ، ومواصلة الليل بالنهار في العمل على توفير المعيشة الطيبة لكل فرد من أفراد المجتمع .
والإصلاح مع الرعية معناه تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية بين الشعوب وعدم السماح للأقلية بالاستفراد بمقدرات البلاد والاستحواذ على خيراتها، وترك الغالبية لا تجد الكفاف ..
والإصلاح مع الرعية معناه الخروج بالبلاد من التبعية للغير ، وألا يكون حاضر البلاد ومستقبلها مرتبطا بالأمم الأجنبية ، وأن يتخلى الحكام عن فكرة أن أمريكا والغرب هم المثبتون لأركان عروشهم ، فتثبيت العروش لا يكون إلا بقدر الله سبحانه وتعالى أولا ثم برضا الشعوب عن أداء حكامهم ثانيا ..
كما أوجه هذا النداء لقادة الأحزاب الإسلامية في البلاد التي تحررت ، هؤلاء القادة الذين تصدروا الساحة فجأة دون أن يجلبوا لتلك الصدارة بخيل أو رجل ، وإنما هو تمكين لهم من الله سبحانه وتعالى ومنة منه وحده كما مَنّ من قبل على من أسلم مع موسى عليه السلام ، فما كان أحد منهم يظن أن يزحزح الجبابرة عن كراسيهم فضلا عن أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه من ذل وصغار وهوان ..
ندائي لهم أن يضحي كل حزب ، لا بمبادئه ولا بقيمه أو معتقده ، وإنما يضحي بأنانيته وشهواته ، وأن ينتصر قادته على أنفسهم التي قد تدفعهم للشطط ومحاولة الاستفراد بالأمور دون غيرهم ؛ بزعم أنهم وحدهم الذين يمتلكون الفكر الشامل والعقيدة السوية والمخرج للبلاد من أزماتها ، وأنهم أصحاب القاعدة العريضة ، ومتخيلين أنهم وحدهم القادرون على القيام بأعباء الرعية في ظل تلك المرحلة الصعبة التي نمر بها ..
وأن يسعى كل فريق للتقارب من الآخر مهما كلفه ذلك ، وأن يرجحوا المصلحة العامة على المصلحة الخاصة والمصلحة الدائمة على المصلحة المؤقتة ،وأن يعلموا أنهم ليسوا الوحيدين على الساحة ، فهناك من ينبغي التعاون والتكامل معهم ، وأن يتحاشوا الصدام مع المجتمع الدولي كي لا ينقلب الرأي العام علينا ، وألا يغلبهم التهور والاندفاع فيقدموا على الحديث عن تطبيق الحدود الإسلامية التي لا تمثل إلا جزءا يسيرا من أحكام الإسلام التي تصلح لكل البشرية بغض النظر عن معتقداتها ، كما أن الحدود الإسلامية التي دأب البعض على الحديث عنها لا تتم إلا في مجتمع إسلامي اقتنع بتلك الحدود ، وبالتالي لا بد من أسلمة المجتمع وتثقيفه بالثقافة الإسلامية التي تجعله يرضى وباقتناع لكل ما تضمنته ..
وأن يرجئوا الحديث عن القضايا الإسلامية التي لا يمكن معالجتها دفعة واحدة ، فما لا يدرك كله لا يترك كله ..
وتلك الأمور مجتمعة سهلة وميسور فعلها والتضحية من أجلها الآن ، وقد يأتي وقت ـ لا قدر الله ـ لا ينفع فيه التضحية لا بها ولا بغيرها ، والعاقل من إذا جاءته الفرصة اقتنصها ولم يتمهل حتى تنفلت منه .
*مدير موقع التاريخ الالكتروني



ساحة النقاش