لتدليـــل الطائـــفي

د. عبد الله هلال | 01-11-2011 01:12

الدولة لا تكون دولة دون وجود قانون فاعل؛ يحكم الجميع ويحترمه الجميع.. وعنما يغيب القانون أو يطبق على فتة دون أخرى فهذا يفتح الباب واسعا لشيوع الفوضى وتحلل الدولة وإلحاق الضرر بكل أفرادها. ويدرك العقلاء هذه الحقيقة ويحرصون دوما على ترسيخ مبدأ سيادة القانون حتى وإن كانوا يستطيعون- في ظروف معينة مثل استغلال ضعف الحكومة- التحايل عليه أو عدم احترامه.. لأن غياب القانون هو الذي يفتح الباب لشريعة الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف وتطغى الأغلبية على الأقليات. وعندما تحرص الحكومة على التطبيق الدقيق للقانون بكل قوة وحزم فهي تمنع الشعور العام بالفراخ السياسي الذي يؤدي إلى نمو الجماعات المتطرفة التي نسعى لملء هذا الفراغ بنفسها وبمفاهيمها، وبطريقتها الخاصة. وعندما يحدث ذلك فلا يختلف اثنان على أن أول المتضررين من هذه الفوضى هم أولئك الذين يصنفون أنفسهم ضمن الأقليات، خصوصا إن كانوا هم أنفسهم لا يحترمون القانون. ويشهد التاريخ بكل فخر أن مصر عاشت جُلّ تاريخها مثالا للتسامح والعيش المشترك المتحضر بين جميع الأديان.. فكل من يعيش على تراب هذا الوطن ينصهر مع الآخرين بصرف النظر عن الدين. وتشهد المدن والقرى المصرية- على المستوى الشعبي- تعاونا وتكاتفا واحتراما وأخوة حقيقية بين المسلمين والمسيحيين، لا يعكرها أحيانا إلا القليل من التعصب الذي طرأ على الساحة مؤخرا بالأفعال الشيطانية المخططة من الحلف الصهيوني الأمريكي، وعملائه بالداخل والخارج، الذي يسعى بكل قوة لإضعاف مصر وعمقها العربي والإسلامي، بتقسيمها. ولا شك أن أغلبية المسيحيين المنصهرين مع إخوانهم المسلمين، يدركون أن الطرفين يعيشون في مركب واحد، وأن وجود معاناة أو مظالم لا يقتصر عليهم.. فالنظام المخلوع كان يوزع المظالم بالتساوي، على الجميع. وإذا كان المسيحيون قد وجدوا في قياداتهم الدينية من يطالب بحقوقهم هم فقط؛ فلا شك أن كل المسلمين يطالبون ويقاتلون من أجل الإصلاح وصيانة حقوق كل أبناء الوطن.. على الرغم من موقف الكنيسة الذي كان مضادا للثورة.

لقد تبين بعد فوات الأوان أن كارثة ماسبيرو كانت مفتعلة ومقصودة ومخطط لها لأغراض شتى، كما ثبت أن الكنيسة التي كانت ذريعة لإشعال نار الفتنة لم تهدم.. وأن هناك تلاعب وتحايل في تراخيص البناء (كما أعلن المستشار حسين عبده نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بأسوان)، مما يوجب المطالبة باتخاذ موقف سياسي وقانوني يمنع تكرار الفتنة. ونحن لا ندعو إلى معاقبة مواطنينا المسيحيين بأفعال المتطرفين منهم، لأنه- كما يعلمنا الإسلام- لا تذر واذرة وذر أخرى.. ولكن ينبغي الأخذ على يد المتطرفين والمتعصبين، دون مجاملة أو تدليل. فرجل الدين؛ سواء كان مسلما أو مسيحيا، مواطن يخضع للقانون العام.. وهو مطالب فبل غيره باحترام القانون وأن يكون قدوة للعامة. أما أن يهدد رجل دين علنا وعلى رؤوس الأشهاد بقتل محافظ أسوان (شر قتلة) إذا لم يخضع لمطالبه الطائفية، ولا يطبق عليه القانون العام فهذا تدليل يفتح الباب للتعصب الأعمى والتطرف. ويكفي أنه لأول مرة في التاريخ، تلوث أيادي مواطنين مصريين بدم ضباط وجنود الجيش المصري دون محاسبة. إن السكوت على هذه الفتنة السوداء سوف يفتح الباب لتكرارها.. إذ يسهل الآن- بهذه الطريقة- هدم أو حرق (عشة) في أحد حقول الصعيد والادعاء بحرق كنيسة، تم يتحرك المتطرفون والمتعصبون بالأسلحة البيضاء والسوداء لمطالبة الدولة ببناء كنيسة بديلة في هذا المكان، مع بعض المطالب الطائفية الأخرى بالمرة، كما حدث مرارا من قبل!. إن السكوت على مخالفة القانون وتدليل المخالفين سوف يعود بالضرر على هؤلاء المدللين أنفسهم.. لأن ذلك من شأنه أن يقدم خدمة جليلة للمتعصبين والمنغلقين ودعاة الفتنة، وهذا لن يكون في صالح الوطن ولا في صالح أي طرف. وإذا كان بعض غلاة المتعصبين قد وجدوا فرصتهم في ضعف الحكومة الانتقالية ليقوموا بالعبث في أمن الوطن.. فليعلم هؤلاء ومحرضوهم أن الوطن بشعبه الأصيل هو الباقي، وأنه لا يصح إلا الصحيح، وأن الشعب المصري الصبور لا ينسى.

لقد هيأت الثورة المصرية الفرصة لحرية الإعلام لأول مرة، ولكن أغلب وسائل الإعلام لا زالت تعيش في أجواء الطغيان الذي تربت عليه لأنها وليدة النظام الأمني المنحل، ويصعب عليها التغير إلى نظام ثوري شفاف بين يوم وليلة. وينبغي الحذر من الاستخدام الخاطئ للحرية الإعلامية بطريقة غير مسئولة، فالشحن والتعبئة بنشر الأكاذيب يجب أن يُمنع فورا، إذ لا علاقة لهذا الهراء بحرية الرأي. من ذلك؛ الترويج لخبر وصورة إلقاء أربع جثث لضحايا مظاهرة ماسبيرو في النيل!، وهو الخبر الذي روّع المصريين جميعا، وأفزعتنا الصورة التي نشرت معه، ثم تبين بعد ذلك أنه خبر مكاذب.. حين كشف أحد المدونين أن الصورة نشرت قبل ثلاث سنوات في صحيفة الرياض السعودية لشخص غرق في أحد الأودية التي غمرتها المياه بالمملكة السعودية. وكان بعض من أعماهم التعصب قد نشروا الخبر والصورة؛ إسهاما منهم في تأجيج المشاعر الغاضبة لما حدث في ماسبيرو، والتقطت الصورة إحدى صحف الإثارة فأبرزتها، الأمر الذي أدى إلى إشاعة الخبر ونقل الصورة في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها حقيقية!. أين الحكومة؟، ولماذا تتخلى عن مسئوليتها في تطبيق القانون وفي اليقظة الدائمة وضبط الأمور؟.. إذا كان أهل الحكم يعتبرون أنفسهم مجرد حكومة انتقالية مؤقتة لتصريف الأعمال؛ فلماذا التخطيط لتمديد هذه الفترة؟. ما لكم، كيف تحكمون؟.

[email protected]

 

المصدر: المصريون
abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 44 مشاهدة
نشرت فى 1 نوفمبر 2011 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

419,849