قصة : "ليلة مقمرة"

نجوم فى السماء لامعة..قمر فوق السحاب يمرح..جمال نوره يخلب الالباب..بحر ينعش ، شاطئه ذو الرمال اللؤلؤية ، بلهو أمواجه المتلاحقة..نسمة باردة ذات رائحة ، من روائح الجنة العالية ..وقلب منتظر!!!

العيون مرجان أخضر..والفم ياقوت أحمر ، والشعر أبنوس أسود ..ولا هى سمراء..ولا هى بيضاء ، وأنما لون بشرتها لون كمال الجمال ، والحسن والدلال وفتنة العقول ، فبشرتها تميل للون النحاسي المذهب...

كانت تضرب الرمال الناعمة بقدميها الصغيرة ، وهى تنتظر زوجها الذى تركها وحدها فى أحدى "شاليهات" ، الساحل الشمالى البعيدة عن العمار والناس والزحام ..تركها وذهب ليحضر لهما أكلة "سمك وجمبرى" ، للعشاء..ومن طول أنتظارها وقلة صبرها ، خرجت من "الشاليه" المطل على شاطئ البحر ، الممتد أمامها بلا بداية أو نهاية ، وهى حافية القدمين ، مرة تسعى ومرة تهرول ، وكأنها تريد قتل الوقت بأى شكل..وأتعبها ما تفعل ، فجلست على الشاطئ الساحر ، تستريح وتعبث بالرمال ...

وإذا بها تجد نفسها دون وعى منها ، ترسم على الشاطى باصبعها،الرقيق..رسمت صورة لطفل أجمل من القمر الذى يضئ السماء ، ومن شوقها للامومة ، رسمت نفسها تحمل هذا الطفل البديع ، ورسمت زوجها يحتضنها من الخلف ، وهى تحمل الطفل..صورة ما أجملها بالنسبة لها لو تتحقق ، لو يصبح لديها طفل فعلا ، لتحقق حلم عمرها ، ولكن كيف؟ ..كيف وزوجها تقريبا عقيم ، فهكذا قال الاطباء ،وأكدوا ، وقالوا أيضا أن كل شئ بيد الله وحده ، أذا ارد شئ فأنه يقول له ..كن فيكون..سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا...

وأتى الموج على أمنية حياتها ودمرها بلا هوادة أو رحمة ، وكأن الموج لم يعرف يوما الشفقة ومحيت الصورة التى رسمتها على الرمال وتألم قلبها وتلوى الما بين ضلوعها فى صمت الليل ، فلم تشكو سوى له .. الله العلى العظيم ...

وبدأت الدموع تتسابق على خدها المرمرى وحمدت الله على أنه ليس هناك أى أنسان فى هذا المكان المنعزل الهادئ ليراها وهى تبكى والضعف قد تمكن من أعصابها التى طالما كانت حديدية لا تقهر ...

هى ليست نادمة بالمرة على حياتها مع زوج عقيم فهى تحترمه .. نعم تحترمه ، والاحترام الذى تكنه لزوجها فى نظرها أقوى من أى مشاعر وأحاسيس حب ورغبة أو أى مشاعر أخرى ...

فهى لم تعرف يوما ما هو الحب أو كيف يكون ولكنها تعرف الاحترام والتقدير ، فما بينها وبين زوجها أحترام متبادل...

فلم يجبرها أى أنسان على الزواج من هذا الانسان الذى تحترمه ولا تحبه ، بل هى من أختارته من بين عشرات تمنوا الارتباط بها إلى الابد...

فأول ما عرفت عن زوجها قبل أن ترتبط به ، هو علاقته بالله عز وجل ، فعرفت أنه يصلى ويصوم ، فأحترمته وبلغ أحترامها له عنان السماء عندما رأت سلوكه الطيب الانسانى الرقيق مع الناس كافة الغنى منهم والفقير ..القوى والضعيف .. الذى يحبه وأيضا الذى يكره...

ليس زوجها بالرجل بهى الطلعة أو الوسيم ، ولا هو أيضا بالرجل المنفر ، القبيح ، وأنما هو وسط .. أنسان عادى جدا فى الشكل له هيبة من أمن بالله وجعله سنده والملابس التى تحسن زوجته أختيارها له جعلته رجلا غاية فى الاناقة والوجاهة ..أجفلت ومسحت دموعها بسرعة البرق عندما وجدت شخصا ما اتيا من بعيد نحوها ...

ظنت فى البداية أنه زوجها ، ولكن عندما أقترب قليلا منها رأت فى ضوء القمر ، قمرا يسير على الارض...

شاهدت رجلا غاية فى الوسامة المبهرة التى قد تحبس لها الانفاس ، كان قادما اليها يسعى ..وأنقبض قلبها وخافت ..لم تخف من أن يكون هذا الرجل لصا أو أنه قد يريد بها سوءا ، أنما خافت أن تضعف أما جماله وحسنه ، أذا أتى يحادثها فى أى شئ كان .. وأقترب منها الرجل ، أكثر فأكثر ، حتى وقف أمامها يتحداها .. نظرت إليه وتأملته مليا ، وليتها لم تفعل ، فهو ذو عينان أخاذتان تسيطران على من ينظر اليهما من اول وهلة ، عندما تراه تحسبه ملاكا من ملائكة الجنة من شدة جماله ولكنك عندما تدقق النظر الى عينيه تشعر بخوف لا تعرف مصدره الحقيقى ...

أبتسم لها..
فأبتسمت له..

لم تعرف لما بادلته الابتسام ، وهى لا تعرف من هو أو ماذا يريد منها ، وعندما لم تعد قدماها قادرتين على حملها ، جلست .. فجلس بجانبها على الرمال اللؤلؤية..،

ثم وجدت نفسها تلقائيا تبعد عنه وتتراجع ولكن إلى أين ؟ ، لا مفر ..عيناه الاخاذتان وفمه المبتسم والبحر والشاليه.. نعم ، الشاليه ، يجب أن تدخله وتحتمى به من هذا الغريب ، الذى بدأ يسيطر على مشاعرها دون أن يتبادل معها كلمة واحدة ولا كلمة نطق بها ، وجعلها هكذا أمامه ضعيفة هشة تريد أن تهرب وتفر من عيناه الاخاذتين ، فهى حتى لا تريد أن تعرف من هذا الرجل أو ماذا يريد منها ..همت لتقف وتهرب فقد قررت أن تركض المترات التى توصلها إلى الشاليه ، ثم تدخله وتحكم أغلاق بابه ..ولن تفتح الباب الا عندما يعود زوجها ...

وقفت على قدميها لتنفذ خطة الهرب ، ولكنها فوجئت بأنه أيضا وقف بجانبها وأختلطت المشاعر والاحاسيس والافكار بداخلها فى صراع محموم ، ولم تعد تعرف ماذا تريد أو ماذا ستفعل فجزء منها يتمنى أن يبقى بجانب هذا الغريب إلى أن يشاء الله ، وجزء أخر منها يتمنى أن يهرب ويخشى من كل ما هو أت..من الضعف الذى يصاحبه الضلال عن الطريق المستقيم ويدور بخلدها الاف وملايين الاسئلة وتسأل نفسها ، ماذا يفعل زوجها الان..أتراه هو أيضا فى موقف ضعف كموقفها هذا .. أتراه يختبر مثلما هى تختبر الان ..تختبر!! .. لعل هذا أختبار من الله ليرى مدى إيمانها وعزمها على ترك ما نهى عنه وحرمه ...

وأخيرا عرفت ما تريد وما يجب فعله فبدأت بالركض نحو الشاليه وعندما دخلته أحكمت أغلاق بابه بالمفتاح ، وعندما فتحت إحدى شرفه التى تطل على الشاطئ ، لم تجد الرجل الذى كان من وقت قريب موجودا..وكأنه الشيطان ، أتى ليغويها ، وعندما ذكرت الله فى نفسها أختفى .


بقلم / مى الحجار
"كاتبة هاوية"



 

WWWsho3raelnel

مجلة شعراء النيل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 74 مشاهدة
نشرت فى 7 سبتمبر 2014 بواسطة WWWsho3raelnel

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

61,661