من عند الله جئت إليكم نعيا، أنعي الذي من بطشه أنتم مرهبون، فما من كفر أجيء به مبشرا، في الزقاق أجهر به وإني لست له من الكاتمين، ولست كهؤلاء الجبناء ألهث مذعورا، وللغالب الفاجر أكون لحافا، فمنذ كنت جنينا لساني لم يكن يوما مخروسا، إني استبق جهر الصدى بما تخشون نطقه، وأنفسكم في خمها راجفات، خوفا من أن يلمسها عقاب جلاد أشد قسوة قلبه من الحجر، إني أريدكم أن تكونوا حمالين على الألواح روحي، وأن لا تسقوا المحل الذي ألقيت به جثتي دمعا، وأن لا تكونوا في صحفي عرضة للشتات، فيأخذوكم مني، كما تأخذ الريح من الأرض نقعا، وتذر بقاء الأزقة على خرابها قائمة، حلقوا من حولي جميعا، ولا تفرقوا، حتى تبلغكم مني صرخة يداوم ارتدادها الصدى زئيرا، وأقيم لكم من يومي يوما، أنزع فيه من الجنانيين أسماءكم التي سلبت، وأجيئكم عبر الإصباح بالذي قتل فيكم العقل، وأنتم تنظرون، وقد عقل العاديات فيكم بما شرع من إرث أسلافه دينا، وأنتم من شرفات أعددتها لكم من صخرة، إليه ناظرون، وفي حارة الجحيم لن أتركه أمامكم مستورا، أنزع ثوبه كاشفا عن سوءته للملأ، فنتضاحك حتى يسمع من بالقبور تضاحك الصدى به هزؤا،
فلقد غطت أوحاله وجه قرية، وصارت أدمتها كبيداء عليها يهب سراب لافح الريح، تستوقد حريقا ناره تأتي على هشيم طفولة، تتصبب من أرحام يعجبها التكاثر في الجهل، ولا تعقل بالعقم شهوة الازدياد، وما تجني على ولد مسقطه بلاد، لن تعطيه مما تخرج الأرض من معادنها حقه، وهم عوام على الحضيض اكتظاظا، يتسولون أمام مخافر الجلادين موتا، والموت يأبى أن يمدهم لحدا، يسكنه شقي شاحب مصفر، ولقد أكل من الجوع ما تبقى فيه من طين، حتى ظهرت عظام صدره بارزة، عليها كساء من جلد مغضن، قد اهترى من حريق الأقراح.
لملمت من أشلائه شيخوختي في الأزقة القديمة، ومن خيالات الفقراء آية كفر بها أرضى أن أكون رسولا، فهذه الأرض مني خلقت، وجلدي الأديم لها كساء، ولن أغادر منها حتى أبلغ الإنسان أغواره، وأجود عليه بما ينقصه من واردات الجمال من ميراثه، وأترك لما تغادر مني الروح، صبابتي تجاعيد على وجه من من الإنسان عن تراثي تولى .
إنه كذب بوجودي وكان به جحودا، وتولى ضريرا لما سمع زئيري في الصدى مجادلا، فمن شيم النسور، لا تبني مساكنها إلا على قمم الجبال الشاهقات، ولا ترضى أبدا أن يكون لها الحضيض مستقرا، كي يبدو لك الكون جميلا، تمرد على عاديات مألوفة في الوجود، ولا تفارق حضن عجوز، يوشك الوقت فيها غسقا تغزل على رحى الموت أعشاب جسدك، وتحشو بها البحر طحالب، ولما يصير ظلي سخاما، ومنه ملامحي تتساقط كأوراق كرمة تين عندما ينفخ فيها الخريف من مداخنه صواعق، أعود من غير ترابي، أحتسي من نهد البحر جماله، ثم أنساب فيه صفاء زرقة، وعلى صخرة من كآبتي أنثر ملحه زبدا، وأسكب ما تبقى في أكوابي نبيذا على الموتى، وأنزع منهم ما كانت الروح من طين له ترتدي، إن الذي يطعمها لا يقدم لها طعاما إلا من المطر، على مائدة الأرض لها يقدم عشاء غثا، إني باصر البحر لما كان دمعة في مقلة رضيع يطالب بالعويل قوتا، فحفرت لدمعه على صخرة من كلس، مجاري منها هدير خريرها بالصدى يسمع .
ذات يوم قالت لي ناجبتي: إنك مني خلقت حقيقة، وفي الوغى بك ألقيت لتقاتل ذلك الرجل الذي اغتصب بكارتي، ومني أخذك طيفا، وفي ضيعته شغلك قنا تفرغ أفران الجحيم من رميم الأجداد .
وقلت لها لما كنت في الرحم صغيرا، لقد رمى بي الزمان في حارة بؤس، وعني تخلى الموت، وكل من كان بداري أطعم جوعه وعلى جوعي أبقي، ولا أنيس يعمر حضني، وينهاني أن أتخذ من الموت رحيلا، قابع في ركن نفسي أتأمل ما تكثم الإناث في كمدهن من أسرار هذا الكون، فانبسطت الأرض أمام عيوني، ورداؤها جلباب عقائد قد اهترأ على حبل غسيل الإنسان، ففتحت كوة في جداره عسى أن أجد مخرجا إلى النور، فلم أبصر سوى نقع الظلام جاثما على مقبرة تلتحف أكفانا قماشها من تقاليد بالية، فأي صرخة يدوي بها الرعد من لفائف الغيوم، تتكسر على ظهر الصدى وتتناثر كزبد عباب البحر تحت أقدام تاريخ ينتعل في يده سوطا من طين، يطعم الحواصل الجائعة مطرا قذرا، تنغمس في أوحاله الأجنة، فإن عقرب زمان القوت من الغيث قد تكسر واندثر، وعهد مآثر الطين قد ولى واندحر، فمن الأفضل أن تحيى عظيما بأفكار تجلب إليك الموت، خير من أن تسعى شقيا تسرف وقتا زائفا في البحث عن رغيف حقير، يلهو به الجوع إبان مواقيت الصلاة، إني أخشى أن ينضب الفقر من جرابي، ويهلك نجلي على عتبة قبري، قبل أن يمضي على قارعة زقاقي شاهرا ردته من مئذنتي، فلقد انصرفت من حارة هذا الكون مبكرا، ولكني سوف ألجأ إليه مرات من رحم امرأة عاقر، ويكون قدومي واضحا كالبدر، أعتقل في جحيمي ساسة متخمين بعلف الجنة، وأنتزع منهم كرامة الأوباش، ومن الصوامع والكنائس حرية الإنسان، وأرفع عنه ما يثقل رموشه من أدوات الإضطهاد، وأسكب دمعا كلون الغسق حين بفيض رقراقا على سواحل المساء، فإن هذا الوجه الذي يكسو الوجود، إنه وجهي قلادة من مرمر تتوسط عقدا على صدر هذا الكون، فإن أدمته ناصعة لا تقوى على خدشها أديان، فالوصل إلى الكارثة قريب، لا يفصلنا عنه سوى خمار من الإنتظار، وتصبح الأرض جحيما، يفر منها الإنسان هلوعا، وأينما رحل وحل وحاول بناء قدر من الاستقرار، أفرغ ما يحمل في نفسه من فجور وجور،كي يدمر من جديد هذا الكون الجميل، فإن الحياة ليست سوى زنزانة يفقد الإنسان فيها صوابه، إلا من استنشق أريج الموت وحمل معه روحه في حقيبة من تراب، وترك لهذا الكون جماله يلدني جمالا من عند الله، والجميل في الرحيل إسقاط الزمان من ساعة اللحد، ولا سلطة ترغمني أن أحمل معي ذكريات هذا الوجود، فلقد أمضيت وقتا لم يكن مضيعة من حضوري، في بناء شمعدان من رحيق زهرة القرنفل، عند الشفق أضع عليه شمعة من شمس لا يقوى الظلام أن يذهب بنورها، فالكون من الجمال خلق، وكل ما يخلق فيه فإن علقته من لذة جمالي قد أزلفت، لذا لن أصبر صامتا في القعر على لسان أخرس، سأنقد عقدة لجامه، ليقول قولا تقتات منه عقول أمة من السبات صنعوا لها وكرا، وتقاليد الأعياد قد كست حاضرها بهيما، فطروها على ديانة وهي في أبشع صورة تكتظ على عتبات معابدهم تتسول قوتا، لا يجودون بنفقة ولو من فائض ما يلقون به من قمامة في مزابلهم، لقد أقعدوا الأزقة خرساء ولا متكلم من الصدى يصرخ، وكأن من بالأرض في غور لحد قد توارى، فإن أفران الأزقة موقدة والأجنة لها لناري حطب، إن نحن بالوغى حضور، جبناء تراهم يفرون من صرخة رضيع إن هي تفرقع كالرعد في الصدى، فتبصرهم وكأنهم أوراق كرمة بالتساقط تتهاوى حين يضرب بها الخريف هلاكا.
على مائدة الإملاق، نسجت من نبرات استهلالي إصباحا للوجود بداخلي، أضيء أدمة بنجم من صنيعي، فتتفجر الأنهر من أنامل الجبال، وأرسم من معينها على لوحة أطرافها اللامتناهية حزن أفكاري، وعلى جدار البدر أعلق نسخة منها، لا يسكتها عن الصراخ جلاد حتى يقوم الغضب من حناجر جيل لم يخلق من الطين كالمآثر، ومن فصل لآخر أغير أمكنتي من رحم إلى آخر كي أنمو خارج جسد الإنسان، ومن غرفة تكاد أن تنقض جدرانها والغروب يتربص لأخذ حجرها منه يرمم ما اهترأ من حيطانها، ألد من حجرها تمثال صبية بلا مهد، على قارعة كفي تلملم بقايا أشلائها، وفي حارة خيالي تبعثر انتظاري، منتظرة أن أنسج لها من جمال الطبيعة فستان أنوثتها تحت شرفة المطر، فتسقط دمعة مزمنة من مقلة زهرة، فانقضت عليها الأرض لاعقة ملوحتها من شدة ما أصابها من ظمأ، فإني أحتسي منها رميم رشفة، لأخرج منها طعاما لجائع لم يتذوق من قبل إنسان طعم لذائذه، فتراه في باحتي مستلقيا من كثرة ما إلتهم من طعام، حتى يخال أن الجنة لا تستحق القتال من أجلها، والأرض محل افتراس، الأقوياء يفترسون الضعفاء، كما تفترسني شهوات امرأة وهي تستلقي على منكب حلمي عارية، والكرى أتربته أصناف مختلفة من ألوان الزهور، والليل يرخي عسعسته على مزارعي، فأهرع من مرقدي رافضا ما أوحى به الكرى، فأوقد مصباح البدر، وأسعى راكضا في طريق لم يسبق أن عرج منها إنسان، أنقب في خلاء الوقت عن مكان أقيم عليه واحة، أحرث بها ما حملت في بردعتي من بذور طعام وأريج أزهار وولدانا أبسط لهم خيالي ساحة لهو ولعب، وعلى مائدة إملاقي أقدم لهم وجبة فطور من أفكاري، التي امتزجت بطهارتي في محراب الولادة، منها تدفقت السواقي بجمال الروح، يسقى ما زرعت من بذوري على شرفة حلم جنين في رحم منه دخلت أبوابها لما كنت يافعا، أرفع عنك الأكمام التي تحجب عني عورتها في الصلاة، وأنطق ما ترك غاصب برحمها من ماء قذر، كقيح القرح تنقبض لرأيته الجفون، فكلما نثرت بنظراتي على مرقدها، أهوي من الإصباح وكأني طيف تاه عن حلم نائم، بنقل قطوفه على لوحة قماشها رث من الثرى، فتنتشر من حول مئذنتي ثريا من الورود، تحمل أكاليلها لون بشرتي الأبلج، والليل بستان حدائقه من نسوة، فما أعظم جنة النساء...بها كل ما تشتهي الأنفس من الفواكه الطيبات، في مضاجعهن حسبت نفسي كائنا من الخيال يجني فاكهة لم يتذوق لذائذها من قبل مخلوق في الأساطير، فمنهن أعيد الفخار لصاحبه، وأنادي ناصية الفجر، وعلى أريكة من سعف النخيل، أنظم عقد إملاقي من دمع كالمطر ينهمر من غمامة بمقلتي تلبدت، قلادة أتوج بها صدر متمرد لجأ إلى خيالي طاهرا، ثم أسمق إلى شرفة البحر، وأنادي بلهجة الصواعق والصدى لسانه لساني، وهدير العباب من حنجرتي تفجر هيجانه، منارتي صخرة اشتكى اليم من صلابتها، وأنادي...، ثم أنادي حتى ينطق الأخرس بردتي، ومعه يحملها في جراب الزمان غيمة تظلل هامته، وتسقي حرثه، وتجعله في غنى عن صلوات الفقيه عندما يأتيه من نصب نفسه على القرية رقيب، يقرؤه ما أوتي من ألواح سطروها له تسطير، وعليه تبليغها بلسان التقوى الذي عهده سبقا حاسما على رقاب المستضعفين، فخرج من التيمم طهورا، ولباسه من زينة ما أبهاها، فصر القرية في صرة ثوبها من كفن ولقد أحكم عقدتها إحكاما، ومن البائسين اصطاد نفرا يكون لرحلته ميسورا، ولقد أعد لهم من الصلاة الوسطى نداء منظوما، وإلى حارة الريف خرج صحبة صبية وغلمان يتأبطون ألواحا، والتمائم حول أعناقهم بحبال من صوف مبروم مشدودة، وأصوات صراخهم مرفوعة، يتلون ما حشا في صدورهم من كلام على الألواح كان مكتوبا، يطوفون على الأبواب سعاة، ومقلهم بالخجل ملبدة، بصرهم يرفع إلى غيمة تمر فرارا، وقلوبهم تستعطفها مزنا، فتجود عليهم بزخات مالحة، وعجزة لا يستطيعون مشيا، من خلفه تعلو راية وسط حشدهم، ثوبها الرث الوسخ كلما نفخت فيه الريح، بصمت عليه شروخا، إلتف من حوله العوام وازدادت أعدادهم وفرة، وكلما قرعوا بالصراخ بابا، خرجت إليهم صاحبته عن أنوثتها كاشفة، تعطي مما تدخر في بيتها من فقر صدقة، وعندما يغطي بنظرة منه جسدها، يدلي بيده ليفرك قضيبه، ثم يمسح بكفه على اللحية، وبنظرة سفيهة يفقع عينها، فتندحر من قبحه وتطبق جفنيها محتشمة قاذفة إياه بلعنة مكتومة، وإذا مر بدار وكانت أنثاها ممن أصابها الخبيث في فراشه، تبسم فاركا عيونه، وكأنه يعيد المشهد ليكون عليه شهيدا، يرخي النفس وكأن همسها يقول: ما أروع حظ امرئ عندما تنضج التينة وتتزبب على عروش كرمتها، وفي حضن فحل تسقط متهاوية، فيقلبها في مضجعه كما يشاء، إنه فظيع في الإفتراس، ينهش أنوثتها كما يحلو له، ويبقى من حصادهن إلا القليل، والفراش للمزيد منهن متسع، له تنبطح النسوة راغبات، وهن في الجهالة ينعمن، وإذا أعجبته إحداهن وكان بها ولوعا، عندما تأتي إليه حاملة ضرا، يكون دخولها إلى قفصه أمرا يسيرا، ويقول لها إن لك في ذلك نفعا كبيرا، وتستسلم لطقوس الوجبة، فتكشف له عن فرجها راضية، عليه يسطر طلاسيما، ويرسب في عقلها اعتقادا تخال أنه صوابا، وإن محبة الغير ستجلب لها لا محال، وأن البعل سيكون لها مطيعا، راكعا بعدما كان لحياتها قاسيا نكورا.
وبنظرة شرسة قاسية يضرب بها على عيون الصبية، فترتجف قلوبهم من بطشه، وتعلوا حناجرهم تلاوة :
طالب، طالب يايوه
ياسعدات امو و ابوه
لالة، لالة اعطيني بيضة
باش انزوق لوحتي
لوحتي عند الطالب
الطالب في الجنة
والجنة محلولة
حللها مولانا
مولانا واصحابو
في الجنة يتصابو .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 45 مشاهدة

مؤسسة الفجر العربى الإعلامية رئيس مجلس الإدارة الشاعر الإعلامى أحمد الببلاوى

WWWarabfjr3
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

30,991