فذهب رأي إلى تعريف حق الدفاعفي مرحلة المحاكمة بأنه تمكين المتهم من أن يعرض على قاضيه حقيقة ما يراه فيالواقعة الجنائية المسندة إليه ، يستوي في هذا أن يكون منكرا مقارفته للجريمة أومعترفا بارتكابها..... (2) .
وأعتقد أن هذا التعريف خلط بين ضمانة من ضماناتحقوق الدفاع ألا وهي التمكين من الرد ، وحقوق الدفاع ذاتها وهي الرد على " المساسبمصلحة محمية قانونا " وشتان بين الأمرين أضف إلى ذلك أن هذا التعريف قاصر حيث ينسبحقوق الدفاع إلى المتهم فحسب ، رغم أنها تكون لكل من يكتسب وصف " خصم أمام القضاءالجنائي ، فهي في الخصومة الجنائية بجانب شمولها للمتهم تشمل أيضا النيابة العامةالتي تدافع عن مصالح المجتمع وتمثله ،كما أن حقوق الدفاع تمارس أيضا من جانب أطرافالخصومة المدنية التابعة لخصومه جنائية ـ مقامة أمام القضاء الجنائي ـ الأمر الذيأغفله كلية التعريف محل الدراسة .
ولقد تفادى مثل هذا الانتقاد أستاذناالدكتور حسنين عبيد ، حال " توصيفه " لحق الدفاع بقوله تكفل الدساتير حق الدفاع لكلمتقاضي فتسمح له لتقديم كل ما يدعم حقه كي تستطيع المحكمة أن تصل بعد تفنيده الوقوفعلى حقيقة الأمر فتصدر حكمها مطمئنة إلى صواب ما استندت إليه (3) وقريب من هذا ماذهب إليه البعض من أن المقصود بالدفاع في القضية بصفة عامة هو إبداء الخصم لوجهةنظره أمام القضاء فيما قدمه هو أو قدمه خصمه من ادعاءات (4) ويمتاز هذا التوصيف ،وذلك التعريف ـ في اعتقادنا ـ عما سبقهما من تعريف بأنهما ركزا على حقوق الدفاعذاتها وحدداها تحديدا دقيقا من سماتهما أنهما ركزا على الجانب العملي أو التطبيقيلهذه الحقوق دون الالتفات إلى الأصول أو الجذور المستمدة منها الحقوق المذكورةويتجه أحد الشراح إلى تعريف حق الدفاع أمام القضاء بمعناه الواسع بأنه ذلك الذييكفل لكل شخص طبيعي أو معنوي ، حرية إثبات دعوى أو دفاع مضاد ، أمام كل الجهاتالقضائية التي ينشئها القانون ، أو التي يخضع لها الأطراف بإرادتهم والذي يضمنوينظم هذه الحرية(5) وميزة هذا التعريف ـ حسبما أعتقد ـ أنه أوضح أن حقوق الدفاع منالممكن أن يمارسها الشخص المعنوي مثله في ذلك مثل الشخص الطبيعي غير انه يعيبه أنركز على ضمانه من ضمانات حقوق الدفاع وهي حرية الإثبات ، كما أنه وسع من هذه الحقوقبحيث جعلها تشمل ـ فضلا عن الجهات القضائية التي ينشئها القانون ـ الجهات التي يخضعلها الأطراف بإرادتهم أي تجاوز هذا التعريف حقوق الدفاع الممارسة أمام القضاءالمنشأ بمعرفة القانون إلى جهات التحكيم وما أشبهها .
• التعريف المقترحلحقول الدفاع :
ومن جماع من تقدم ، يمكننا تعريف حقوق الدفاع أمام القضاءالوضعي ـ بوجه عام ـ بأنها تلك المكنات المستمدة من طبيعة العلاقات الإنسانية والتيلا يملك المشرع سوى إقرارها بشكل يحقق التوازن بين حقوق الأفراد وحرياتهم وبينمصالح الدولة وهذه المكنات تخول للخصم سواء أكان طبيعيا أو معنويا إثبات ادعاءاتهالقانونية أمام القضاء والرد على كل دفاع مضاد ، في ظل محاكمة عادلة يكفلها النظامالقانوني ، ويمكننا تعريف حقوق الدفاع أمام القضاء الإسلامي بأنها كافة المكناتالتي يقرها الشراع سبحانه وتعالى بهدف إتاحة الفرصة للخصم لإثبات ادعاءاته أمامالقضاء والرد على كل دفاع مضاد ، في إطار من محاكمة عادلة .
• حقوقالدفاع و حق الاستعانة بمدافع :
ولئن كانت فكرة الاستعانة بالغير للدفاعباعتبارها مفترض ضرورى من مفترضات حقوق الدفاع ، لم تظهر جلية من خلال التنظيمالقانونى للمحاكمات الفرعونية إلا أنه يمكن استنتاجها من خلال ما عرفناه من اعتمادهذه المحاكمات على المرافعات المكتوبة – أى المذكرات- فعدم معرفة الكثيرون منالمصريين ،حينئذ – للكتابة فضلاً عدم معرفة كل الناس للقانون أمر يدفعنا إلى القولبأن المقاضين كانوا يستعينون بمن يتوافر فيهم تلك المزايا ، بهدف كتابة مذكراتهم فىالدعوى ، ولاسيما وأن اللغة التى كانت تتم بها كتابة المذكرات المقدمة للمحاكمة ،محصورة بين الكهنة وأبناءهم وأبناء الموسرين(6) ، مما يجعل لجوء المتقاضين لهذهالفئة أمراً ضرورياً لحصولهم على خدمة العدالة .
هذا ولقد تأرجح القانونالفرنسى بين إباحة الاستعانة بمدافع فى وقت مبكر من إتخاذ الإجراءات الجنائية وبينتأخير هذه الاستعانة لوقت متأخر من هذه الإجراءات (7).
• المدافعوالمحامى :
يعترف القانون للخصم بالاستعانة بمحام (م83/1 قانون المحاماة المصري ) (8) ( م 3 /أ من قانون المحاماة العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 108/96 )ولكن القاعدة العامة فى هذا الشأن هى أن للخصوم الحرية فى اختيار من يدافع عنهم ،وبه فانه لا يجوز للمحكمة أن تمنع الخصم من الدفاع عن نفسه شخصياً سواء عن طريقالمرافعة الشفوية أو تقديمه مذكرات وأن تتطلب لذلك تمثيله عن طريق مدافع ، لأن هذايعد قيداً على حقوق الدفاع بغير مسوغ قانونى مما يعتبر إخلالاً بهذه الحقوق(9) غيرأن هذه القاعدة غير مطلقة إذ قد يرى المشرع ضرورة الاستعانة بمحام لاعتبارات معينة، وذلك مثل : الدفاع أمام محكمة النقض ( م 249 من قانون الإجراءات الجزائية العماني – الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 97/99 ) (10) أو الدفاع أمام الدائر الإستئنافيةبمحكمة القضاء الإداري ( م 17 من قانون محكمة القضاء الإداري – الصادر بالمرسومالسلطاني رقم 91/99 ) ؛ أو الدفاع عن المتهم بجناية (م214 أ.ج مصري ) (11) .
هذا ، ويعتبر حق الخصم فى الاستعانة بمحام (12) مفترضاً هاماً من مفترضاتحقوق الدفاع ، نظراً لما توفره المعونة الفنية من أهمية كبيرة إذ تساعد الخصم فىممارسة حقوق دفاعه ، بهدف تكوين الرأى القضائى لصالحه (13) .
• تعريف المحامى :
ويمكننا تعريف المحامى بأنه : هو كل شخص يسمح له النظام القانونى بالمساهمة فىتحقيق العدالة فى المجتمع بطريقة سليمة من خلال قيامه بالدفاع عن المصالح الخاصةبموكله . (14)
• المحاماة رسالة :
وفي الحقيقة المحاماة هي : " صوت الحق فيهذه الأمة، وفي كل أمة.. هي رسالة ينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة، ويخوضونفيها الغمار، ويسبحون ضد التيار !.. يحملون راية العدل في صدق وأمانة وذمة ووقار.. يناصرون الحق، ويدرأون الظلم.. يناضل المحامي في القيام بأمانته مناضلة قد تتعرضفيها مصالحه وحريته للخطر وربما حياته نفسها !
سيبقى رائعًا وعظيمًا ومنشودًا،أن يكون العدل مهجة وضمير وغاية ولسان وقلم القاضي فيما به يحكم، بيد أنه ليس يكفيالمحامي أن يكون العدل مهجته وضميره وغايته، وإنما عليه أن يكون مفطورًا على النضالمن أجله وأن يسترخص كل عناء ومجاهدة وخطر في سبيل الوصول إليه – القاضي حسبه أنيقتنع بالعدل فيحكم به، فالكلمة به صادرة من لسانه وقلبه، ثم هو محصن بالاستقلالوبالحصانة القضائية وبالمنصة العالية التي إليها يجلس، أما المحامي فيخوض غمارًاعليه أن يقف فيه شامخًا منتصبًا رغم أنه بلا حماية ولا حصانة، يكافح من أجل الحقالذي ينشده ويستصغر في سبيله مصالحه ويستهين بما قد يصيبه في شخصه وحريته، وربما فيحياته نفسها، وتاريخ المحاماة شاهد في كل العصور على ذلك ! " . (15)
" المحاماةرسالة، تستمد هذا المعنى الجليل من غايتها ونهجها.. فالمحامي يكرس موهبته وعلمهومعارفه وقدراته لحماية (الغير) والدفاع عنه.. قد يكفي المهندس أو الطبيب أوالصيدلي أو المحاسب أو المهني بعامة أن يملك العلم والخبرة، والجد والإخلاصوالتفاني، وعطاؤه مردود إليه.. معنى (الغير) والتصدي لحمايته والدفاع عنه ليسحاضرًا في ذهن المهني أو الحرفي، ولكنه كل معنى المحاماة وصفحة وعي المحامي.. الداعية الديني – مسلمًا كان أو مسيحيًا – يجلس إلى جمهور المتلقين المحبينالمقبلين الراغبين في الاستماع إليه، لا يقاومون الداعية ولا يناهضونه ولا يناصبونهعداء ولا منافسة، أما المحامي فإنه يؤدي رسالته في ظروف غير مواتية، ما بين خصميناوئه، ورول مزحوم قد يدفع إلى العجلة أو ضيق الصدر، ومتلقي نادرًا ما يجب سماعهوغالبًا ما يضيق به وقد يصادر عليه ويرى أنه يستغني بعلمه عن الاستماع إليه !! لذلككانت المحاماة رسالة، الكلمة والحجة أداتها، والفروسية خلقها وسجيتها... " . (16)
يستطيع المهني أن يؤدي مهمته متى دان له العلم والخبرة بتخصصه – بالطبإذا كان طبيبًا فذلك يكفيه للتشخيص وتحديد العلاج، وبالهندسة إذا كان مهندسًا فذلكيكفيه لإفراغ التصميم ومتابعة التنفيذ – وهكذا، أما المحامي – فلا يكفيه العلمبالقانون وفروعه، ولا تكفيه الموهبة – وهي شرط لازم، وإنما يتوجب عليه أن يكونموسوعي الثقافة والمعرفة، لأن رسالته قائمة على (الإقناع)، يتغيا به التأثير فيوجدان، والوصول إلى غاية معقودة بعقل وفهم وضمير سواه، وهذه الغاية حصاد ما توفرهالموهبة ويدلي به العلم وتضافره الثقافة والمعرفة – مجدول ذلك كله في عبارة مسبوكةوشحنة محسوبة لإقناع المتلقي. وما لم يصل المحامي إلى هذا الإقناع، فإن مهمته تخفقفي الوصول إلى غايتها.. لذلك في المحامي لا يمكن أن يكون من الأوساط أو الخاملين،وإنما هو شعلة نابهة متوقدة متيقظة، موهوبة ملهمة، مزودة بزاد من العلوم والمعارفلا ينفد، مستعدة على الدوام لخوض الصعب وتحقيق الغاية مهما بذلت في سبيلها ما دامتتستهدف الحق والعدل والإنصاف " . (17)
" هذه الرسالة الضخمة، تستلزم استلزاموجوب أن توفر للمحامي وللمحاماة الحصانة والحماية الكافية، حصانة المحامي وحمايتهفي أداء رسالته وحمل أمانته، هي حصانة وحماية للعدالة ذاتها، لأن النهوض بها عبءجسيم، ولأن غايتها غاية سامقة يجب أن يتوفر لحملة رايتها ما يقدرون به أن يؤدواالرسالة في أمان بلا وجل ولا خوف ولا إعاقة ولا مصادرة !!
ومع أن المدونةالتشريعية المصرية، لا تزال إلى الآن دون المستوى المطلوب في حماية المحاميوالمحاماة، فإن علينا أن نقر بأن كثيرين منا لا يلتفتون - أو بالقدر الكافي - لماحملته المدونة التشريعية من عناصر يتعين على المحامين، وعلى النقابة - أن يلموا بهاوأن يتمسكوا بإعمالها إلى أن ترتفع المدونات ومعها الحماية إلى المستوى الذي تنشدهالمحاماة والمحامون. - هذا ويمكننا أن ستخلص من المدونات التشريعية الحالية بعضالخطوط العريضة التي نأمل أن تزداد عراضة واتساعًا وعمقًا. (18)
• تعريف حصانةالدفاع (19) :
يمكننا تعريف حصانة الدفاع(20) بأنها رخصة بمقتضاها لا يسأل الخصمأو مدافعه أو مدافعيه عما تنطوي عليه أقوالهم الشفوية أو المكتوبة المطروحة أمامالقضاء- و المتعلقة بخصومة معروضة عليه- من إسناد أفعال أو أقوال تعد قذفا او سبااو بلاغا كاذبا ضد الأخر أو الغير . (21)
وفي الحقيقة " لا يعرف صعوبة المرافعةإلا من يكابدها، فهي حاملة الرسالة التي ينهض بها المحاماة في ظروف عسيرة لبلوغالغاية وإحقاق الحق وإرساء العدل. ولا غناء في مرافعة - شفوية أو مكتوبة - تحوطهاالمخاوف والهواجس، وإلا فقد الدفاع حكمته وغايته جميعًا " . (21م)
وحمايةالمحامي في أداء رسالته، هي فرع من حماية حقوق الدفاع، سواء باشرها أطراف الخصومة،أو نهض بها المحامون.
ومن الملائم أن يتطرق الحديث عن حصانة الدفاع ، إلىإيضاح شرط وجودها ، وآثار هذا الوجود .
نشرت فى 30 أكتوبر 2017
بواسطة Tamergoodlife
Tamergoodlife
محامون نعمل من اجل ارساء مبداء العدالة »
أقسام الموقع
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
71,035


