لو أن المجلس العسكرى غسل يديه من الأخطاء التى وقعت وأثارت سخط الناس وغضبهم لما سمعوا ما لا يرضيهم وما لا يرضينا يوم الجمعة الماضى. لا أحب أن استعيد الهتافات التى صدرت ضدهم ولا الجرأة التى مورست بحقهم، لكنى أكتفى بالوصف الذى ذكرت، راجيا أن يتم التعامل مع ما جرى بحسبانه درسا وليس أزمة. 
أعرف جيدا الدور الذى قام به المجلس العسكرى فى مساندة الثورة وإنجاحها. وأعرف جيدا أنهم بذلوا جهدا لا ينكر فى محاولة التقدم بالمسيرة لكى تحقق أهدافها، والإنجاز الذى تحقق بالانتخابات يشهد بذلك. وأفهم أيضا أن البعض تطاول على أعضاء المجلس العسكرى بما لا يليق. لكن الذى لا يستطيع أن ينكره أحد أيضا أن أخطاء وقعت ودماء سالت وإهانات للناس صدرت، وأن ذلك كله نسب إلى المجلس العسكرى ولم يستنكر شيئا منه، فى حين أنه التزم الصمت أو أنكر الوقوع أو حمَّل المسئولية لطرف ثالث.
 
غاية ما سمعناه مجرد تعبير عن «الأسف» صدر فى بعض الأحيان بعد تردد وعلى استحياء. فلا حدث اعتراف بالخطأ ولا حوسب أحد من المسئولين عنه، وأخيرا قيل لنا إن ثمة «تحقيقات» تجرى. ورغم أن بعض الأخطاء تمت دون أن يكون للمجلس العسكرى يد فيها، إلا أن سلوك المجلس الذى اتسم بالإنكار أو المداراة، دفع كثيرين إلى توجيه الاتهام إليه وتحميله بالمسئولية عنها، بالمقابل فثمة أخطاء وقع المجلس فيها، وكان ذلك معلوما للكافة، لكنه التزم الصمت حيالها، الأمر الذى أضعف ثقة الرأى العام فى صدقية بياناته وتصريحات أعضائه.
 
على سبيل المثال فإننا نعرف الآن أن قرار إخلاء اعتصام ميدان التحرير يوم 19 نوفمبر الماضى خرج من المجلس العسكرى. وهو القرار الذى كانت له تداعياته التى أسفرت عن قتل 40 شخصا، لكن هذه المعلومة تم تجاهلها ــ والذين عرفوا الحقيقة تكتموا عليها، وكنت ممن أشار مبكرا إلى هذه المعلومة، بعدما علمت أن وزير الداخلية السابق، اللواء منصور العيسوى، ذكر فى اجتماع مجلس الوزراء أنه لم يصدر أمر فض الاعتصام، وأن رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف لم يعلم به. وقال إن مدير أمن القاهرة هو الذى تلقى الأمر مباشرة من المجلس العسكرى ليتم فض الاعتصام صبيحة ذلك اليوم. وقد أبلغه مدير الأمن بذلك، ولأنه أمر كان واجب التنفيذ باعتباره صادرا عن الجهات الأعلى، فغاية ما اقترحه اللواء العيسوى أن تؤجل العملية إلى مساء ذلك اليوم، وحين رجع مدير الأمن فى ذلك إلى الجهة التى تلقى منها الأمر، جاءه الرد متمسكا بتنفيذه فى الصباح. فكان ما كان يومذاك، الأمر الذى أدى إلى إثارة موجة الغضب التى استدعت ألوف المتضامنين، وانتهت بالمشهد بالصورة المحزنة التى يعرفها الجميع. (كانت عنوان الصفحة الأولى لجريدة «اليوم السابع» الصادرة فى 12/4، وقد نقلها على لسانى الدكتور عمرو عبدا فى الحوار الذى أجراه معى).
 
هذه المعلومة ذكرتها فى حينها دون تفصيل، إلى أن أعادها الدكتور على السلمى فى حديثه إلى جريدة «المصرى اليوم» فى 19/12 ولأنه كان نائبا لرئيس الوزراء ومن بين حضور الاجتماع فإنه قال صراحة إن قرار فض الاعتصام لم يعلم به لا وزير الداخلية ولا رئىس الوزراء. وحين سئل عمن أصدره إذن، فكان رده «لا أعرف». مع أنه يعرف جيدا، لكنه تحرج من ذكر الحقيقة حتى لا يشير بأصابع الاتهام إلى المجلس العسكرى.
 
هذا نموذج لواقعة واحدة أسهمت فى تآكل رصيد المجلس. وكان يمكن احتواؤها بقدر من المصارحة والشفافية والاستعداد للاعتراف بالخطأ ونقد الذات. ولأن ذلك لم يحدث سواء فى هذه الحالة وفى حالات أخرى مماثلة، فلم يكن مستغربا أن يستمر تآكل الرصيد بمضى الوقت. إلى أن سمعنا هتافات وقرأنا كتابات وتعليقات نددت بالمجلس وبالمشير، ودعت إلى رحيل الجميع فى أقرب وقت.
 
فى هذا السياق لا مفر من الاعتراف بأن المجلس لم يحسن مخاطبة الرأى العام، وأن المؤتمرات الصحفية التى عقدها ممثلوه لشرح ما التبس على الناس وحيرهم، لم تقنع أحدا، وإنما صارت مثارا للنقد والسخرية التى تابعا الجميع على مواقع شبكة التواصل الاجتماعى. وبالتالى فإنها كانت إسهاما فى الحيرة وتعميقا لأزمة الثقة، وجاءت نتيجتها على النقيض تماما مما أريد بها.
 
أفهم أن العسكريين لا يجيدون ولا يقبلون نقد الذات، وقد اعتادوا أن يصدروا الأوامر لكى ينفذها المتلقون المستهدفون. لكنهم حين يديرون الشأن السياسى فعليهم أن يتعاملوا بمنطقها، وان يتعلموا أن السياسى يكتسب ثقة الناس واحترامهم إذا اعترف بخطئه واعتذر عنه، وانه بذلك يكبر ولا يصغر. ولأن المجلس العسكرى مارس السياسة بلغة العسكر فقد حدث العكس، إذ بدأ محمولا على الأعناق فى الميدان وانتهى مجرَّحا ومشتوما فى نفس الميدان.

 

 

المصدر: الشروق / بقلم : فهمي هويدي
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 116 مشاهدة
نشرت فى 26 ديسمبر 2011 بواسطة TAHAGIBBA

ساحة النقاش

TAHA GIBBA

TAHAGIBBA
الابتسامة هي اساس العمل في الحياة والحب هو روح الحياة والعمل الصادق شعارنا الدائم في كل ما نعمل فية حتي يتم النجاح وليعلم الجميع ان الاتحاد قوة والنجاح لا ياتي من فراغ »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

589,529

السلام عليكم ورحمة الله وبركات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته