صادق الطريحي

موقع يهتم بالشعر والأدب ، ويرمي للحوار والتواصل الإنساني

مستشفى الأمراض الشعرية

صادق الطريحي

 

    استطاعت المجتمعات في فترات متباينة إقامة المستشفيات العقلية والنفسية ، ووضعت لها الضوابط العلمية والأخلاقية ، وذلك لحماية المجتمع والأفراد من ضغوطات الحضارة والتقنية التي صنعها الإنسان بنفسه ، فضلاً عن الحروب التي يتقن الإنسان صناعتها بطبعه. ولم يعد الدخول إلى مثل هذه المستشفيات يشكل حرجاً للفرد ، فللاضطرابات النفسية والعقلية أسبابها الفسيولوجية ، ولها عقاقيرها العلاجية أيضاً ، وقد توقع فرويد أن يأتي يوم تغني فيه حبة واحدة عن علاج نفسي طويل.

  وعلى الرغم من أن الشعرية صناعة بشرية ، اشترك في صناعتها الكهنة والشعراء والكتاب ، وذلك لإضفاء درجة من القدسية على نصوصهم ، وهي صناعة لها عيوبها وآثارها الجانبية بلا شك ، إلا أن المجتمع لم يستطع إقامة مستشفى يعنى بتشخيص الأمراض الشعرية ، أو ابتكار العقاقير المناسبة لها.

 

   وقد توهم جماعة من النقاد أنهم يمتلكون نوعاً من العلاج للنصوص من خلال الحكم عليها، بوصفهم خبراء كالصيارفة الذين يتقنون فن تمييز الدرهم الزائف عن الدرهم الحقيقي، ولكنهم تناسوا أن كتاباتهم تخضع أيضاً لمثل هذه الأمراض، فهم جزء من الشعرية بكل تأكيد.

   ولكي نكون أكثر دقة، علينا أن نفرق بين الأمراض الأدبية والأمراض الشعرية ، فالأمراض الأدبية تصيب الكتاب أنفسهم، أو تصيب العصر الذي يعيشون فيه، فهذا أستاذنا عبد السلام هارون يقرر أن النقد كان حياً في وقته، لا يستثير حفيظة ولا يوغر قلباً، فالعلامة حسن كامل الصيرفي مثلاً، رحب كل الترحيب بالنقد الذي قدمه حول تحقيقه (ديوان البحتري) وعلق عليه في الباب الثاني من الكتاب ، ولكنه في الوقت الذي يكتب فيه هذا الحديث لا يراهم كذلك.

 

    أما الشيخ محمود محمد شاكر، فقد عقد فصلاً في رسالته في الطريق إلى ثقافتنا أسماه ” فساد الحياة الأدبية ” عندما وجد أن البعض قد سطا على جهوده العلمية في دراسة المتنبي دون أن يشيروا إليه!! غير أن الشيخ نفسه قد انغمر في فساد الحياة الأدبية عندما قلل من شأن محمد علي باشا ورفاعة الطهطاوي ، ومدرسة الألسن ، وأعلى من شأن آخرين، تقرباً لجهات سياسية ترعى الأدب خدمة لتوجهاتها العقائدية!!!

    أما الأمراض الشعرية فهي أمراض تصيب الوظيفة الشعرية، فتحرفها عن مسارها من الابتكار إلى العقم، أو تجعلها معطلة، أو تجعل البعض يستخدمها دون أن يشعر أنها لم تعد صالحة الآن، وكأنه يستخدم مطبعة حجرية لنشر كتبه!! أما أسباب هذه الأمراض فمتعددة، ومن أسباب الأمراض الشعرية: الأدباء والنحاة والفقهاء والنقاد وآخرون بلا شك، ونستطيع التعرف إلى بعضها من خلال من يرتاد هذا المستشفى من الأدباء وغير الأدباء للعلاج!

   فبعض النحاة نظر إلى اللغة وفكر فيها تفكيراً معيارياً وكأنها نظام أصم على المتحدث أن يحتذيه؛ لأن الأوائل في نظرهم قعدوا اللغة وأتموا هذه العملية!! متناسين أن الشعرية هي لغة اللغة.

 

    وحاول جمع من أصحاب العقيدة أن يبرهنوا على وجود الله تعالى من خلال بيت لأبي العتاهية أشتهر كثيراً (وفي كلّ شيءٍ له ُ آية ٌ * تدل ّ على أنه ُ واحد ُ ) ففضلاً من أنه منهج ٌ لا يحرم مخالفيهم من استعماله، فإن البيت نظم عقلي تقريري بارد، خال من الايحاء والعاطفة، انحرفت فيه الشعرية من الحدس إلى العقل، وإن لاتخاذ الشعر أداة ً للبرهان أثراً سلبياً في الذوق الأدبي لمن يتعاطون كتب العقيدة.

ولعلنا نجد الله في هذه الأبيات للحلاج :

والله ِ ما طلعت شمس ٌ ولا غربت      إلاّ وحبك َ مقرون ٌ بأنفاســــــي

ما لي وللناس ِ كم يلحونني سفهاً       ديني لنفسي ودين ُ الناس للناس ِ

أفضل مما نجده في بيت أبي العتاهية القريب من أولي الأمر، ولكن الحلاج غير مقبول عند الفقهاء، فهو من الذين أغضبوا أولي الأمر، وهو من الذين وصلوا إلى الله بنفسه ، والفقهاء يأبون ذلك ، ويعتقدون أن الناس تستطيع معرفة الله عن طريقهم.

    وتعنى الشعرية باستثارة الخيال، والقدرة على إحداث الأثر، والتخلص من عبودية المعنى إلى حرية الإشارة، ولكن البعض من أرباب النقد القديم كما يرى الدكتور محمد النويهي سيطر عليهم سحر المنهج المنطقي والجدلي، فكبت حاسة التذوق الفني في طبائعهم ، ولم يتلمسوا الأثر الجمالي في النص ، فذهبوا إلى آرسطو وما ترجم من الفلسفة اليونانية، وما نتج عنها من كلام وفقه وأصول، فشغلوا بالجدل الفكري المحض أكثر ما شغلوا بالنص وما يتركه من إشارات.

    ثم إنهم لم يفهموا من مطابقة الكلام لمقتضى الحال إلا مطابقة الكلام لحالة المستمع لا حالة المتكلم، فلم ينظروا إلى انسجام الكلام مع حالة قائله الفكرية والشعورية ، وكأننا نريد أن نرضى الآخرين بغض النظر عن رضاء أنفسنا، والأدب علاقة بين شريكين ، وعلى كل شريك أن يتحسس اللذة فيما يعطي أو يأخذ!!

   وتدخلت النوازع الذاتية ونوازع أخر في انتاج الشعرية ، فهذا شيخنا الآمدي الذي لابد لنا من درسه في النقد الأدبي القديم كان يؤثر طريقة البحتري في الشعر ويميل إليها ومن أجل ذلك جعلها ((عمود الشعر)) ونسبها إلى الأوائل وصرح بأنه من أهل هذا الفريق ، وهنا يسأل الدكتور احسان عباس ” هل يستطيع الموازنة المنصفة من كان لديه مثل هذا الميل ابتداءً؟ “

 

   وعندما درس الجاحظ الشعر نظر في العرق!! وظن أن غير العرب لا يحسنون الوزن ” فتضع موزوناً على غير موزون ” وذهب إلى أن العرق العربي أشعر من العرق المولّد!! وهي قضية لا يحتشم منها ولا يهاب الخصومة فيها … كما يقول في كتابه (الحيوان) وأيم الله ، إنها لقضية لا يستطيع أن يقولها اليوم؛ لأنه سيتهم بالعنصرية بلا شك، وستوصي الأمم المتحدة بعلاجه في مستشفى الأمراض الشعرية، لأن المستشفى سجل فيها، ولأن الجاحظ وهو الناثر الكبير كان يدافع عن رأيه وينشر معتقده بالقلم لا بالسيف!.

 

   فعسى ولعل أن يساعدنا هذا المستشفى في العلاج، فيكون التجاوز، ومن أساليب العلاج التي عرفها الانسان هو الاعتراف، وجذر الاعتراف من عرف الشيء، ويعنى المستشفى باختيار الداخل فيها إلى الأسلوب العلاجي الذي يناسبه، فلا إكراه في العلاج.

   فقد اعترف جابر عصفور مثلاً أنه كان واقعاً تحت تأثير منهج الدكتور عبد العزيز الأهواني في النتائج التي توصل إليها في أطروحة الماجستير (الصورة الشعرية عند شعراء الإحياء) لأنه لم ير في هذا الشعر سوى علاقته السلبية بالماضي، وأنه شعر لا يعبر عن شخصية الشاعر الفردية، ولا عن انفعالاته الداخلية التي أصبحت مقياساً للشعر، لذلك أخذ يعيد تذوق هذا الشعر في بحوث جديدة أعقبت أطروحة الماجستير.

   ويلحظ على اعترافات جابر عصفور هذه أنها جاءت في نهاية مقالة بعنوان      ” نقض النظرية الإقليمية ” تناول فيها تجربة أستاذه الراحل عبد العزيز الأهواني، وكأن جابر عصفور أبي أن يفرد لاعترافه هذا مقالة خاصة!!

فهل لأحدنا الشجاعة أن يعترف ولو على طريقة جابر عصفور!!

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 20 مشاهدة

صادق الطريحي

Sadiqaltryhi
صادق الطريحي الحلة / محلة المهدية / 1964 شاعر وأكاديمي وقاص ـ قصائده منشورة في معظم الصحف والمجلات العراقية والعربية. ـ نشر عدداً من المقالات النقدية في الصحف العراقية والعربية. ـ منعت بعض قصائده من النشر في تسعينيات القرن الماضي، وحذف الرقيب بعض أجزائها. أعماله: ـ تجربة في سيمياء الخلق »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

902