مذكراتى فى نصف قرن

صاحب هذه المذكرات سياسى مصرى بارز لعب دورًا مهمًا فى الحياة السياسية المصرية فى نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقد كان رئيس الديوان الخديوى ووكيل الجامعة المصرية الأهلية. ولد فى 18 مايو 1860 بالقاهرة لأب شغل عدة وظائف مهمة خلال عهود سعيد وإسماعيل وتوفيق. تلقى أحمد شفيق تعليمه الابتدائى فى مدرسة المبتديان ثم مدرسة القبة التجهيزية وتدرج فى عدة وظائف صغيرة ثم عمل فى الديوان الخديوى فى عهد توفيق وفى 1885 سافر إلى فرنسا لإتمام دراسته وعاد إلى مصر عام 1889 حيث واصل العمل فى معية الخديو وتولى وظائف عديدة.

وتعد مذكرات أحمد شفيق باشا من أهم المذكرات التى صدرت لسياسيين مصريين فى تلك الفترة من تاريخ مصر. وقد صدرت فى 3 أجزاء: الأول من 1873 إلى وفاة الخديو توفيق فى يناير 1892، والثانى من 1892 إلى 1914، والثالث من 1915 إلى 1923 عن الخديو عباس والحرب العظمى.

وقد أفاض أحمد شفيق فى الحديث عن الجوانب السياسية والتعليمية والاقتصادية والفكرية فى تلك الفترة إلا أن الجوانب الاجتماعية كانت من أكثر الموضوعات متعة وثقافة فى هذه المذكرات. فقد تحدث عن التعليم والرقيق والمنتديات والمجالس والمتنزهات العامة والتمثيل والموسيقى والغناء والزواج والمآتم وغيرها.

وقد اخترنا بعضًا من الموضوعات التى تضمنها الجزء الأول من المذكرات من طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1999.

الرقيق

كان الرقيق يكاد يعتبر يومئذ جزءًا من الأسرة.وكانت تجارة الرقيق منتشرة فى البلاد، سواء منه الأسود أو الأبيض.

وكانت توجد فى القاهرة بيوت خاصة ببيع الرقيق تعرض بواسطة (يسرجيات أو يسرجيين) فكان يرتاد هذه البيوت من يريد اقتناء الجوارى أو المماليك أو العبيد.

وكان المعتاد أن يكشف عن الجنسين وهم عرايا. وقد يبالغون فى ذلك، خصوصًا بالنسبة للإماء، فيوضعن فى طسوت ملأى بالماء، ثم يخرجن، فإن نقصت كمية الماء دل ذلك على الصحة.

وكان يوجد بين الجراكسة عائلات بتمامها، ذكورًا وإناثًا، كبارًا وصغارًا؛ وقد اقتنى أبى عائلة مؤلفة من رجل وامرأة،وولد وبنت صغيرين.

وكان مالكو الرقيق يستمتعون بالإناث منه (الجواري) وخصوصًا البيض منهن. وكن يملأن بيوت الكبراء. وبذا اختلط الدم المصرى بدم الجراكسة فى بعض الأسر. وكان المصريون يعاملون الرقيق معاملة حسنة، فيرسلون الذكور للمدارس ويعتقونهم. ومن هؤلاء من وصل إلى وظائف مهمة فى الجيش والإدارة، حتى أن شوارع حلوان قد سمى أكثرها بأسمائهم؛ ومنهم من كان يزوج بناته منهم، أما الإناث فكان يعنى بتزويج الكثيرات منهن.

وقد ضعفت تجارة الرقيق على أثر المعاهدة التى عقدت فى شأنه فى عهد إسماعيل ثم انقطعت تجارته بعد ذلك بتاتًا.

أزياء السيدات

نساء الطبقة العالية كن يرتدين لباسًا يسمى "الشنتيان" ـ وهو عبارة عن سراويل واسعة جدًا تضيق عند القدمين أحيانًا بحيث تتمكن السيدة من الجلوس على الشلتة "الحشية" ـ وهى عبارة عن مرتبة أرضية؛ وقد كانت مستعملة قبل انتشار الأثاث الأفرنجى ـ وفوق الشنتيان "السلطة" أو صدار بدون أكمام. ثم "اليلك" وهو رداء طويل وكان هذا الزى غالبًا من الحرير المزركش.أما حين يخرجن للزيارات، فكانت الفراجية ذات الأكمام المفتوحة.

وفوق الرأس ما يسمى "خوطوز" أو عزيزية، وهى غطاء للرأس مبطن من الداخل بقماش فوقه ورد صناعى يسدل عليه "التل" بحيث يرى الورد، ثم تحته "اليشمق" وهو من القماش الشفاف، ومنه تظهر العينان فقط، وكان هذا الزى منتشرًا فى السرايات وعند كبار الأهالى ولا سيما التركيات.

أما نساء الطبقة الوسطى فكن يرتدين الشنتيان والسلطة ولكن من قماش متوسط. وعند الخروج للزيارة يرتدين "السبلة" وهى عبارة عن قميص من الحرير بدون أكمام. وفوقها "حبرة" تغطى الجسم من الرأس إلى القدم؛ وهى فى الغالب من الحرير الأسود. و"البرقع" الأبيض للوجه، والمناديل مطرزة بإطار من "القوية" كغطاء للرءوس تحت الحبرة؛ ويحتذين خفًا أصفر من قطعتين: قطعة تغطى القدم والأخرى تلبس داخل الأولى وتغطى الساق. وعند الخروج يركبن الحمير بعد أن يوضع فوق البرذعة سجادة ويرفع الركاب بحيث تجلس السيدة القرفصاء ويتولى "المقدم" الخادم قيادة الحمار.

المتنزهات العامة

كانت جهة شبرا بمزارعها النضرة، ومناظرها الجميلة، هى المكان المطروق للتنزه والرياضة عادة. فكان يقصد إليها المرتاضون مشاة وركبانًا؛ وكان المار يرى الدواب المطهمة تغدو وتروح، وأحيانًا واقفة فى انتظار أصحابها ممن حضروا إليها للرياضة، مكبلة فى اللجم، صفوفًا على جوانب المزارع. كذلك كانت ترى العربات الفخمة تجرها الجياد المجرية المطهمة تحمل أفراد العائلة الخديوية ومن يدانيها من كبار السراة والأعيان؛ يتقدم هذه العربات قمشجية "سياس" لإفساح الطريق وإتمامًا لمظاهر الأبهة. ويظلل شارع شبرا وقتئذ صفوف من شجر الجميز العتيق المزروع من عهد محمد على باشا.

وكانت مقر كثير من العائلات الكبرى وبها غير قصر. من ذلك: قصر زينب خانم أفندى بنت محمد على باشا؛ وقصر اينجو خانم أفندى أرملة سعيد باشا والى مصر وقصر شيكولانى البديع الزخرفة، الحافل بالتماثيل النادرة، وغير ذلك من قصور كانت تحيط بها حدائق غناء شاسعة ..

وكانت شبرا مشهورة كذلك بقهوة سى خليل، التى يقصدها ذوو "الكيف" ومنهم بعض السراة فيجدون فيها ما يشاءون

وكان هناك طريق الجيزة؛ ولكن كان يقصدها القليلون لبعدها عن المدينة. وكانت خالية من الأبنية تقريبًا. وكان إسماعيل قد عنى بهذه الطريق قبل فتح قناة السويس ليسهل للمدعوين زيارة الأهرام.

الفنون والملاهى

الخديو إسماعيل، هو أول من عنى بالفنون، حتى تصبح مصر قطعة من أوروبا. وقد قال إنها أصبحت كذلك بعد الذى أقامه فى القاهرة من المنشآت الحديثة؛ وبعد أن افتتح قناة السويس فى عظمة وبهاء وبذخ. وكانت الأوبرا أول منشآته الفنية؛ وقد استدعيت بعض الفرق الأوروبية للتمثيل فيها؛ وأول رواية ظهرت على مسرحها هى "عائدة" التى ألفها مارييت باشا ولحن أنغامها "فردي" الموسيقار الإيطالى الأشهر. أما تمثيل الروايات غير الغنائية فقد أنشأ له "الكوميدى فرانسيز" (المسرح الفرنسى الهزلي) وكان موقعه مكان دار البريد الحالية فى شارع طاهر.

ثم بدأت تفد على مصر بعض الفرق السورية؛ فكان ذلك منشأ المسرح العربى الأهلي؛ وأولى هذه الفرق هى فرقة (سليم النقاش) وتلتها فرقة (يوسف خياط) التى مثلت فى الأوبرا أمام إسماعيل. ولكن التمثيل فى هذا الوقت لم يكن قائمًا على أصول فنية، لأن المشتغلين به احترفوه من تلقاء أنفسهم دون تعلم لقواعده.

ومما يذكر عن فرقة يوسف الخياط أنها لم تجد سيدات يقمن بالأدوار فى الرواية فعهدت بذلك إلى غلمان لم يتقنوا أدوار النساء بطبيعة الحال. وكذلك فعل القبانى ـ وهو فى سن متقدمة ـ فإنه كان يقوم بدور المرأة فى تمثيله؛ وذلك لما كان مفهومًا عن التمثيل من أنه تهريج لا يليق بامرأة أن تشترك فيه.

وكان إسماعيل، لعطفه على التلاميذ، يرسل تذكرة سنوية لتلاميذ الفرقة الأولى من المدارس العالية للتناوب فى حضور الأوبرا.

الأفراح

كان أكابر القوم يبالغون فى نفقات الأفراح ويبذرون المال بغير حساب، سواء فى المآدب أو الزينات ومعالم الأفراح، ولا يكتفون بليلة واحدة، بل يحيون فى العادة ثلاث ليال، منها ليلة الخضاب "الحناء" وهى التى تقام قبل ليلة الزفاف بمنزل العروس.

وفى ليلة الزفاف كان العريس يرسل العربات الفخمة مع والدته، لأخذ العروس من بيت أهلها. وتكون العربة المخصصة لها مزينة بالشيلان الكشميرية، يجرها اثنان أو أربعة من جياد الخيل، ويخفرها اثنان من الأغوات على الجياد، "والمقدم" التابع للعروس، وهو يسير على قدميه بجانب العربة. وكان هؤلاء الثلاثة والسائس يرتدون "شيلانًا" من الكشمير تهدى إليهم من العريس. وكان المتبع فى سير الموكب أن تتقدم والدة العريس على العروس لتقودها إلى المنزل، ثم تتلوهما والدة العروس. ويسير هذا الموكب خلف الموسيقى فيطوف بعض الشوارع المهمة حتى يأتى إلى منزل العريس، فيتقدم هنالك لاستقبال عروسه، فتأبى وتتمنع، ولا تنزل إلا بعد إلحاح كثير. وعندئذ تنحر الذبائح على عتبة باب المنزل ويسير العريس مع عروسه حتى باب الحريم بين صفين من الأغوات فى فناء المنزل يمسكون بالشيلان الكشميرية لمنع الرجال من رؤية العروسين. ثم يستقبلهما المغنيات "العوالم" ويسرن أمامهما فى وسط المدعوات إلى "الكوشة". وفى أثناء ذلك تبذر "البدرة" ـ وهى عبارة عن نقود ذهبية صغيرة من ذات الخمسة القروش ـ أو فضية من ذات القرش الواحد ـ يبذرها أهل العروسين على رأسهما والغرض منها صرف الحاضرات عن النظر للعروسين منعًا للعين".

المآتم والجنائز

كان نظام الجنازة بالنسبة للأسر الغنية أن يتقدم الموكب "الضحايا" من الجاموس أو البقر، ثم "الكفارة" وهى جمل يحمل صندوقين "صحارتين" مملوءتين بالخبز، وقد اقتعد غارب الجمل رجل يوزع طول الطريق مما عبئت به الصناديق من الخبز؛ كما يتبعه جمل آخر على نفس الصورة لتوزيع التمر الجاف والفاكهة ثم طائفة من عسكر البوليس ركبانًا أو مشاة؛ ثم أرباب الطرق المختلفة والمولوية، وقراء دلائل الخيرات، وحاملو القماقم والمباخر ينثرون ماء الورد وأريج البخور فى الطريق وقد حزمت أوساطهم بقماش رقيق من الحرير "الزردخان"؛ ثم غلمان المكاتب ينشدون قصيدة البردة المعروفة، فالنعش يتبعه أهل المتوفى والمعزون؛ ثم السيدات وتنحر الذبائح على باب القبر عند وصول النعش، وتوزع لحومها على الفقراء.

أما المآتم فكانت مظاهر الحزن فى الأسر الكبيرة رزينة؛ وفيها حشمة ووقار؛ وكانت ليالى المآتم فى العادة ثلاثًا؛ ثم تقام بعد ذلك حفلات متعاقبة فى الأخمسة الأربعة التالية؛ وكانت تنصب السرادقات. وتمد فيها الموائد الكثيرة للمعزين فكانت حالة ينطبق عليها المثل العامى "موت وخراب ديار" يختم ذلك بليلة الأربعين.

أما المظاهر المفجعة الشديدة فكانت تبدو فى الطبقات المتوسطة والدنيا، حيث كانوا يشيعون الميت بالندب، والعويل، ولطم الخدود حتى المدافن، ثم يحضرن النادبات فى الأيام الثلاثة والأخمسة. وكان المتبع عندهم أن تصبغ الملابس بالنيلة وأن يغطى الأثاث بالسواد. وظلت هذه العادة حتى ألغيت بأمر الخديو توفيق.

سراى عابدين

الروايات التى تتناقلها الألسن عن أن سرايات إسماعيل كانت مملوءة بالآلاف من الجوارى والراقصات والمغنيات والعازفات على الآلات الموسيقية النحاسية أو الوترية، مبالغ فيها، بل لم يكن موجودًا فى سراى إسماعيل إلا جوقة وترية خاصة بالزوجة الثالثة له ومعها مغنيات.

كان إسماعيل يقيم أغلب أوقاته فى عابدين مع البرنسيسات زوجاته الأربع حتى زواج ولى عهده توفيق باشا، فقد انفصلت والدته بعد زواجه وأقامت فى سراى القبة وذلك عقب صدور الفرمان السلطانى بجعل ولاية مصر وراثية فى أكبر أولاد إسماعيل. وقد أشار السلطان على الخديو بأن يعقد على والدة توفيق فصدع بالأمر فصارت الزوجة الرابعة ..

أما البرنسيسات الثلاث فكانت تقيم كل واحدة منهن فى "بلك" ـ وهو مسكن خاص مستقل ـ ولكل منهن "قلفاوات" توزع عليهن الوظائف المختلفة من "خازندارة وجماشرجية.. إلخ" وكان للقلفاوات خادمات خصوصيات من الجوارى السود، وفتيات شركسيات، أما إسماعيل فكان له "بلك" تقفل أبوابه عند دخوله فى المساء وكانت له أيضًا حاشية خصوصية من المحظيات والجوارى.وكان سموه يتناول الطعام مع البرنسيسات على الطراز الأوروبى ..

وكانت تقدم الأطعمة فى أوان من الفضة، إلا فى المناسبات الخاصة فكانت من الذهب. ومن الأطعمة المشهورة فى السراى صنف "الرز الخديوى" المصنوع بخلاصة الرءوس الضأن أو البقرى، والديكة الرومية >>>

أما ( الحوليات ) التى صاغها أحمد شفيق باشا للتعبير عن سياسة واجتماعيات مصرآنذاك – والتى بدأت منذعام1873 وحتى عام 1923 نتولى مناقشتها في الحلقات القادمة باذن الله .

                      ( عبدالوهاب حنفى )

 

 

 

 

المصدر: الاطلاع على حوليات أحمد شفيق باشا
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 28 نوفمبر 2018 بواسطة SHOHAIB

عدد زيارات الموقع

2,329