حتى يندمج الاقتصاد الجزائري مع متطلبات الألفية الثالثة بطريقة سلسة يتحتم عليه توفير مجموعة من الشروط يمكن ذكر بعضها فيما يلي:
1- تنويع الاقتصاد: الاقتصاد الجزائري اقتصاد ريعي يقوم على استراتيجة استنزافية للثروة البترولية والغازية، وهذا على حساب الاستراتيجيات الأخرى، الأمر الذي يجعل من الاقتصاد الجزائري رهين الأسعار المسجلة في الأسواق الدولية، فالمحروقات تساهم بنسبة 35% من الناتج الداخلي و98%من إجمالي الصادرات، و64% من الإيرادات العامة للدولة، ونسب الجباية البترولية تتراوح ما بين (55%و68%) من إجمالي الجباية.
من هذا المنطلق يتحتم على الجزائر إيجاد استراتيجيات وسياسات أخرى مثل الإستراتيجية السياحية، إستراتيجية تفعيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إستراتيجية التأهيل المقاولاتي، وهذا على غرار اقتصاديات كثير من الدول غير النفطية مثل: تونس، المغرب، سوريا، التي استطاعت أن تحقق سياسات ناجحة في هذا الميدان، وبالتالي فان مستقبل الاقتصاد الجزائري مرتبط بمدى قدرته على صناعة خيارات بديلة للمحروقات .
2- حوكمة الإدارة "تبني الحكم الراشد": الاقتصاد الجزائري تطورت فيه آليات الفساد، وأصبحت تأثر على حركية النشاط الاقتصادي ومجالاته، وتحد من الكفاءة السياسية والاقتصادية لمؤسسات الدولة مما أدى إلى زيادة شبكات السوق الموازي، وتنامي أحجام الثروات التي تتحرك في قنواته.
عمليا الاقتصاد الجزائري استشرى فيه الفساد بشكل متزايد بعد الانفتاح على اقتصاد السوق خصوصا عبر الصور والتجليات التالية:
أ/ الرشوة: تعد الرشوة من أصعب أنواع الفساد لتعددها وصعوبة قياسها (إثباتها)، فالرشوة ترى ولا تمسك، ويزداد هذا الأمر أهمية إذا علمنا أن الجزائر قامت بحل المرصد الوطني لمكافحة الرشوة، وعطلت آليات الرقابة الأخرى (مجلس المحاسبة).
نجد الأجهزة الأكثر عرضة للرشوة في الجزائر القطاع الإداري خصوصا الإدارة الاقتصادية التي هي محل المعاملات المالية مثل: مصالح الضرائب، الجمارك، البنوك، إضافة إلى الإدارات المالية الأخرى، وتأتي في المرتبة الثانية الإدارات المسؤولة عن الصفقات العمومية، بحيث كثيرا ما تستغل الأجهزة الإدارية الثغرات القانونية الموجودة في قانون الصفقات العمومية من أجل التحايل.
إضافة إلى هذا فان الاقتصاد الجزائري يعاني من عدة صور للرشوة مثل:
أ-1/ الرشوة المحلية: منح القطاع الخاص الرشاوى لكبار المسؤولين للحصول على الصفقات المطروحة أو الحصول على الإعفاءات الضريبية أو الجمركية...الخ.
أ-2/ الرشوة الدولية: تدفعها الشركات الأجنبية للحصول على النفقات الخارجية والامتيازات.
أ-3/ الرشوة السياسية: من الصعب جدا تلمسها واستيعابها لأن من يقوم بها هي السلطة السياسية المرتشية تكون في شكل إغراءات، زيادات في الأجور، تقديم منح وامتيازات عينية ومالية تمنح لجماعات فاعلة (نقابات، نخب سياسية، جمعيات وأحزاب) من أجل تدعيم سلطتها الاحتكارية، إقرار عدم المسائلة تقويض المشاركة.
ب/ الغش الضريبي: يعاني الاقتصاد الجزائري من هذه الظاهرة كثيرا، بحيث أتسعت كثيرا مجالات الاقتصاد غير مراقب وهو ما يحرم ميزانية الدولة من جباية إيرادات ضريبية وجمركية كثيرة مما يستدعي:
- تحديث الإدارة الجبائية.
- تدعيم آليات الرقابة الجبائية والجمركية
- التحكم أكثر في دواليب النشاط التجاري والاقتصادي عن طريق إيجاد وسائل كفيلة بالوصول إلى المعلومة الاقتصادية.
- التنسيق وتبادل المعلومات مع مختلف الهيئات والإدارات ذات الصلة بالنشاط التجاري والاقتصادي.
إن كبح الفساد يمر حتما عبر حوكمة الإدارة (عامة، محلية)، وذلك باعتماد المسائلة وتبني الشفافية وإقرار المشاركة في صناعة القوانين والقرارات الاقتصادية، حتى يتم ضمان سلامة الاختيارات الاقتصادية، وتأمين عدم ارتباط الاقتصاد بخدمة فئات معينة، كما يجب اضفاء الشفافية على المعاملات التجارية والاقتصادية.
3- صناعة المعرفة: بينت الدراسات الحديثة أن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تولي أهمية كبيرة إلى إنتاج المعرفة، والبحث العلمي، ذلك أن المعرفة أصبحت تغزو كامل النشاط الاقتصادي وأضحت من الأصول الرئيسية لأي نمو اقتصادي أو اجتماعي، بحيث تحول العالم من البحث والتصادم على الموارد النادرة إلى البحث والتصادم على أكبر قدر ممكن من مصادر المعرفة، ومن ثمة ظهور ميزة تنافسية جديدة تدعى التنافسية بالمعرفة.
لحد الآن لم تحدث المزاوجة بين الاقتصاد الجزائري والمعرفة، إذ يبقى البحث العلمي شبه مغيب فهو لا يتعدى 1% من الناتج المحلي الإجمالي حسب آخر الإحصائيات، وهي نسبة جد هزيلة إذا ما قورنت بنسب الدول المتقدمة التي يصل فيها حصة البحث العلمي 10% .
أما على المستوى الجزئي ( المؤسسات ) فقد اتجهت معظم المؤسسات الحديثة إلى وظائف أكثر أهمية مثل وظيفة (البحث، التنمية)، إذ أصبحت هذه الوظيفة تأخذ أحجاما ومستويات وموارد مالية جد مرتفعة قد تصل إلى نصف الأرباح لاسيما المؤسسات التي تختار إستراتيجية تطوير منتوجاتها سواء الصغيرة، المتوسطة، الكبيرة، لاسيما الفروع الصناعية المتقدمة، هذه الإستراتيجية غائبة تماما لدى المؤسسات الاقتصادية الجزائرية التي تقتصر وظيفتها على الوظائف الكلاسيكية للمؤسسة.
4- التحكم في الصناعة الرقمية "التكنولوجيا المتطورة": أهم ما يميز الألفية الثالثة هو تحول القوة من المرحلة الصناعية إلى مرحلة المعلوماتية نتيجة التطور الكبير والمذهل في وسائل الاتصالات والمعلومات مما أدى إلى (تقليل كلفة الإنتاج، تحقيق الوفرة، تحقيق الجودة)، ومنه تراجعت الميزة التنافسية التي تستند على وفرات الحجم والانتشار الواسع في الأسواق إلى تلك المستندة إلى السرعة والمرونة، إذ أن الاقتصاديات القوية هي تلك المؤسسات التي لها القدرة العالية على تلبية الطلب في الوقت الناسب وبالشكل المطلوب.
إن ما فعلته تكنولوجيا المعلومات بالاقتصاد العالمي اليوم جعل الكثير من المعطيات تتغير، فالذي لا يتحكم اليوم في المعلومة، الوقت (السرعة)، لا يكون له أي تموقع في هذا الفضاء الحيز الكل (السوق العالمي الموحد) .
أ/ المعلومـــــة: من منطلق أن عالم الأعمال (المنظومة الاقتصادية) تتطلب توفر المعلومة في الوقت المناسب، بحيث لا يكمن اتخاذ القرار السليم إن على المستوى الكلي المتمثل في القرارات الإستراتيجية للدولة، إن على المستوى الجزئي المتمثل في الخيارات الإستراتيجية للمؤسسة بدون توفر المعلومة الصحيحة، وهو ما يجعل هذه الأخيرة مكلفة جدا باعتبارها مدخلا من مداخل الإدارة الرشيدة.
إن الاقتصاد الجزائري مطالب بأن يوفر لبيئة الأعمال (المحيط الاقتصادي) وفرة المعلومة، صحة المعلومة، القدرة على حمايتها، لأن توفر قاعدة بيانات ومعلومات يمثل وسيلة وأداة للضبط والتقييم الاقتصادي، ومن ثمة رسم السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية الناجعة.
ب/ الزمن ( السرعة): إن عالم الأعمال والمال يتطلب السرعة، وعلى هذا الأساس ظهر الزمن كمتغير أساسي في الأداء الاقتصادي، فإذا كانت الألفية الثانية وما سبقها التحكم في التكاليف هو أهم محددات المردودية الاقتصادية وتعظيم الأرباح، فان الألفية الثالثة أصبحت فيها محددات الأداء والتفوق الاقتصادي تقاس بمدى التحكم في الوقت، أي بمدى السرعة في الأداء لأن عالم المال والأعمال عديم الإحساس، لا يمكنه الانتظار، إضافة إلى هذا فان المفاهيم في وقتنا الحالي تتشكل بسرعة، فالفكرة الصحيحة اليوم تصبح مبتذلة غدا، وعليه تغيرت مفاهيم عديدة كانت بالأمس من الثوابت كمتغير الدولة القطرية لصالح العالمية، التجزء والانقسام لصالح التكامل، الانعزالية بين المؤسسات لصالح عصر الشبكات والتلاحم والاندماج، اقتصاديات السلم لصالح اقتصاديات المعرفة، المؤسسات الوطنية لصالح المؤسسات الكوكبية...الخ.
5- تأهيل المؤسسات الاقتصادية وفق المقاربات الدولية: إن المؤسسة الاقتصادية الجزائرية لن تتقدم إلا إذا أدركت مدلول التحولات العميقة التي يعيشها العالم وتحكمت في المعطيات الجديدة التي برزت إلى السطح مؤخرا، واستوعب القائمون عليها معنى الإدارة في العالم المتغير، بمعنى استيعاب إدارة التغيير ومعرفة كيفية رصد الأحداث، ومن ثمة بناء الأحداث والمسارات الجديدة في ظل تغير مفهوم الحيز الذي اعتادت عليه المؤسسات لصالح فضاء آخر يتميز بسباق محموم على الأسواق وعليه فهي مطالبة بمايلي:
أ/ حتمية اكتساب القدرة على التعامل في سوق مفتوح لا تتوفر فيه أسباب الحماية والدعم الذي اعتادت عليه في السابق.
ب/ ضرورة التخلص من أساليب الإدارة التقليدية، التي لم تعد تتناسب مع حركية الأسواق و ضغوط المنافسة والشمولية، إلى أساليب الإدارة الفعالة والاستشرافية، مستوعبة متغيرات السوق وتسابق المنتجين.
ج/ الاهتمام بوظيفة البحث والتنمية، التطوير، والاستثمار في البحث والذكاء والإبداع قصد التحكم في الميزات التنافسية الجديدة القائمة على المعرفة، ومن ثمة إعداد الطاقات الفكرية والإبداعية مع تطوير العلاقات بين المؤسسات وشبكات البحث .
د/ تبني وتطوير التحالف الاستراتيجي (alliances stratégiques ) كاختيار وبديل مهم من أجل النمو والبقاء، والتوسع ، وكذا استغلال فرص جديدة في السوق إضافة إلى تحقيق التكامل التكنولوجي
ه/ التحكم في مفهوم إدارة الجودة الشاملة من منطلق أن نجاح أي منتوج هو نتيجة منطقية لتحسينات الجودة في مختلف أطوارها (الجودة الكلية)، مثل جودة التكنولوجيا المستعملة في الإنتاج، جودة الاستماع إلى الزبائن، جودة الاتصال ،جودة التسيير، جودة الفحص والمراقبة.
و/ ضرورة التحكم في أساليب التسويق الحديثة عن طريق اختيار قنوات التوزيع الملائمة، وكذا الاستجابة الدقيقة لمتطلبات الزبون وفقا لما يعرف بالتسويق الحميم (marketing intimacy)
ن/ إدارة المعلومات بشكل جيد، ذلك أن الاستخدام الجيد للمعلومات مدخل من مداخل الإدارة الرشيدة يجعل من المؤسسة قادرة على خدمة عملائها على نحو أكفئ وأسرع وبالتالي تدعيم تموقعها السوقي.
ي/ حتمية تطبيق مبدأ حوكمة الشركات ،وذلك بالفصل بين الملكية والتسيير، الإفصاح والشفافية في نشر البيانات والمعلومات، إشراك صغار المساهمين في اتخاذ القرار، حسن توزيع المهام والسلطات.






ساحة النقاش