
إنّ من أبرز مظاهر التخلف الاقتصادي والاجتماعي هو ضعف الإمكانات المادية وانخفاض مستوى الإمكانات البشرية الضرورية لإحداث التنمية، ويعد الاستثمار في التعليم المطلب الأساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإن الاهتمام بتكوين القدرات البشرية عن طريق التعليم والتدريب بهدف اكتسابها المهارات والقدرات اللازمة للمشاركة في العملية التنموية والتي من خلالها يستمد النمو الاقتصادي مادته ويخفض مستوى الفقر، إذ يمكن تحقيق النمو الاقتصادي وتخفيف حدة الفقر من خلال التنمية والتي لا يمكن تحقيقها (التنمية) إلا من خلال الاهتمام بالتدريب والتعليم بكافة مراحله، فالشخصية المتعلمة لابد من أن تكون منتجة وتساهم في عملية التنمية، كما أن التعليم يتأثر بسياسات التنمية وبأولويات الاستثمار في مجال التنمية البشرية.
انطلاقاً من أهمية التعليم في صنع الحضارة وبناء الإنسان لابد من أن يحظي قطاع التعليم باهتمام كبير وان تكون النقلة كبيرة في مسيرة التعليم من حيث وضع أسس انطلاقة النهضة التعليمية بمعطياتها ونتائجها سواء من حيث التوسع النوعي والكمي أومن حيث تفاعل نشاطات مؤسسات التعليم النظامي وغير النظامي مع متطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
مما لاشك فيه أن الرقي بمستوى التعليم وفي كيفية استيعاب مخرجات التعليم والعديد من الجوانب الأخرى التي تهتم بهذا القطاع اهتماما بالغاً سواء بالتعليم أو التدريب بشتى مراحله وتخصصاته، هو من منطلق الحرص على تنمية وتطوير الموارد البشرية التي هي أساس التنمية الشاملة.
لقد شكل التعليم محورا رئيسيا لكافة خطط التنمية كما انه ركيزة أساسية من مرتكزات الرؤية المستقبلية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، هذا بالإضافة إلى المهام الرئيسة الأخرى المرتبطة بالنواحي الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية.
وتبرز أهمية التكنولوجيا كأحد عناصر الإنتاج فضلا عن دورها في تسريع عملية التنمية الاقتصادية، ودورها في زيادة فعالية عناصر الإنتاج، وأهمية القطاع الخاص في تحفيز وتسريع وتيرة النمو، و في تبني المعرفة والتكنولوجيا وتوفير مقومات التعليم لها عن طريق التعليم الخاص، وتبرز أهمية التعليم من خلال تطوير الكوادر البشرية لتحقيق التنمية الشاملة، وان النمو الاقتصادي لا غنى عنه من أجل تحقيق الأهداف التنموية وخاصة القضاء على الفقر والبطالة والأمية والتي تنتج عن قصور في امتلاك رأس المال المالي، وعن سوء استغلال رأس المال المادي، وضعف ورداءة كفاءة رأس المال البشرى، وتعاني العديد من البلدان وبالأخص النامية منها مشاكل في مجال الرقي بمستوى التعليم(كما ونوعا) وفي كيفية الاستثمار في التعليم والتدريب.
وفي ضوء ما تقدم يبرز هدف البحث في بيان دور الاستثمار في التعليم وتكوين رأس المال البشري، فضلاً عن دراسة توليفة (الاستثمار في التعليم، تحقيق النمو الاقتصادي وتخفيف الفقر، التنمية الشاملة)، والتعرف على علاقة القطاع الخاص والتعليم من خلال رؤية خاصة، مع استعراض لإستراتيجية التعليم وسبل تحقيق التنمية الشاملة المستدامة وصولا إلى الاستنتاجات والمقترحات، وبناء على ما سبق فان فرضية البحث مفادها إن للتعليم دور رئيس في صنع الحضارة وبناء الإنسان وتنمية الموارد البشرية التي هي أساس التنمية الشاملة وإن قلة التحصيل التعليمي، ورداءة نوعيته يؤدي إلى التخلف الاقتصادي والاجتماعي.
نذكر بداية أن مفهوم الاستثمار في التعليم إذا ما تم تعريفة بطريقة أو بأخرى فهو يلعب دور مهم وحيوي في التنمية الشاملة وهو من أولويات وأساسيات التنمية الشاملة المستدامة الصحيحة.
إن مشاريع الاستثمار في التعليم النظامي والذي يشمل( التعليم الابتدائي الأساسي، الثانوي، العالي) والتعليم الغير نظامي (التدريب ومحو الأمية) لا يمكن أن تنجح إلا إذا توفرت لها البيئة الملائمة والمحفزة إلى زيادة التعليم كالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
إن الاستثمار في الموارد البشرية من خلال التعليم هو للقضاء على الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي وعلى أساس أن التعليم جزء لا يتجزأ من تنمية الموارد البشرية والذي يتمثل في بناء قدرات ومهارات بشرية فعّالة في المجتمع.
ويمثل الحرمان من التعليم، أول مراحل الحكم على البشر بالفقر، ويميل هذا الحرمان ليكون أقسى في حالة النساء والأطفال، ومن المؤكد أن قلة التحصيل التعليمي، ورداءة نوعيته، ترتبط بقوة بالفقر.
ويرجح تحليل خصائص الأسر الفقيرة من حيث أن معاملي الارتباط الرئيسيين للفقر هما الموقع الريفي وانعدام التعليم، ويرتبط الفقر بصفة عامة بانعدام التعليم وللظاهرة الريفية بصفة أساسية، حيث يبلغ (الفقر) أعلى مستوى بين الأفراد الذين حصلوا على تعليم ضئيل أو لم يحصلوا على تعليم على الإطلاق وينخفض بصورة حادة مع ارتفاع مستويات التعليم التي يحققها الأفراد.
والوضع أسوأ في المناطق الريفية إذ ينخفض معدل الالتحاق بالتعليم وأضف إلى ذلك انخفاض نسبة التحاق الإناث مقارنة بالذكور وإدراكا لأهمية تحقيق التحاق شامل، والذي يتمثل التحدي الحقيقي المتعلق بتحقيق التعليم للجميع في أن يشمل التعليم الأطفال من مستويات فقيرة اجتماعيا واقتصاديا ومن كلا الجنسين، إذ تبين المؤشرات الاجتماعية أو مؤشرات التنمية البشرية بالنسبة لمؤشرات التعليم مثل إلمام البالغين بالقراءة والكتابة والالتحاق الصافي بالمدارس الابتدائية، ما يعكس في أكثر الجوانب نقصا في مجال التعليم، غير أن مما تجدر ملاحظته أن الفجوة بين الجنسين في المؤشرات الاجتماعية كبيرة جداً.
ويركز قطاع التعليم في تكوين رأس المال البشري والاجتماعي اللازم للنمو الاقتصادي والإنماء الاجتماعي، من خلال الدعم التحليلي ودعم المشروعات وعن طريق تقديم الخبرة الدولية والممارسة الجيدة على أساس خاص بكل بلد، ومهمة الدولة هي الاستكمال الشامل للتعليم الإجباري الجيد النوعية و فعالية النظام التعليمي في تكوين رأس المال البشري والذي ينشئ تلاحما اجتماعيا لدعم تنمية مجتمعات أساسها المعرفة ويجب أن يكون هناك أنفاق مالي كافي للتعليم، وان يكون الالتحاق الشامل لتوفير التعليم الأساسي لكل الأطفال.
إن هناك علاقة تبادل منفعة بين المجتمع والمؤسسات التعليمية و تتضافر المؤسسات التعليمية في كافة مراحلها على تحقيق التنمية البشرية في المجتمعات على نحو يصبح الفرد وسيلة وهدف التنمية في الوقت نفسه.
وأنه لا يمكن تحقيق تنمية اقتصادية ناجحة ما لم تصحبها تنمية للموارد البشرية، والتي تتولى مهمتها عملية التربية والتعليم، وهذه لا يمكن النظر إليها على أنها خدمة استهلاكية بقدر ما هي عملية توظيف واستثمار مثمر لرؤوس الأموال تحقق للمجتمع عائدا يفوق أضعافا مضاعفة حجم الإنفاق عليها.
والحقيقة أن واقع الحال يقول إن الصلة بين الخطة التربوية والخطة الاقتصادية تكاد تكون مقطوعة، نظرا لضعف خيوط النسيج التي تصل بين حاجات التربية وحاجات التنمية الاقتصادية، فهناك تباعد كبير بين التربية القائمة وبين التربية التي تؤدي إلى التنمية البشرية والاقتصادية، وهي بمواصفاتها الحالية عاجزة عن ربط المدرسة بسوق العمل، حتى مدارس التعليم الفني القائمة لم تستطع تلبية احتياجات سوق العمل، وذلك لضعف المستوى العملي لخريجيها، وهو ما يجعل المدرسة بواقعها الحالي عاجزة عن إعداد الناشئة إعدادا جيدا لسوق العمل.
إن الإنفاق على التعليم له خاصيتان فهو: أما يعتبر إنفاق استهلاكي حيث يتمثل تأثيره في المنافع غير المحسوسة عند وجود الفرد في المدرسة وتلقيه العلم وتزيد أيضا من قدرته على جعل حياته المستقبلية أكثر فائدة، أما الجانب الآخر فهو إنفاق استثماري ويمثل تأثيره في العوائد الخاصة والخارجية على كل من الفرد والمجتمع.
ومن المتوقع أن يكون لهذا التأثير التعليمي نتائج اقتصادية واجتماعية على المدى الطويل وهذا الأمر قد ثبت من خلال الدراسات والأبحاث السابقة، حيث تم التأكيد على العلاقة الايجابية بين التعليم والنمو.





ساحة النقاش