بستـان دوحة الحروف والكلمات ! للكاتب السوداني/ عمر عيسى محمد أحمد

موقع يتعامل مع الفكر والأدب والثقافة والخواطر الجميلة :

بسم الله الرحمن الرحيم 

النـاس تريــد المعجــزات   !!

تواقة تلك النفوس لتطرد بعض أسرارها .. تريد التخلص منها في ذمة الآخرين .. ويتمنى أحدهم لو أنه دفن تلك الأسرار في عمق الصحراء .. ولكن الأسرار كالظل يلازم الصاحب ليلاَ ونهاراَ .. تلك الأسرار التي قد تلازم العمر وهي محبوسة في صدور أصحابها .. وما أكثر تلك الأسرار التي تحيك في الصدور .. ويخال للبعض أن الغير إذا شارك منصفاَ في الأسرار قد يحمل جزءَ من الأثقال .. وفي الكثير من الأحيان يتعثر العقل الإنساني عن الجادة والصواب وهي تحاول الفكاك من الأسرار ..  فيتعامل مع المجريات فوق نطاق يجافي المنطق والمعقول .. وتلك العثرة ليست محصورة بتلك العقول البسيطة في مقدارها .. ولكن حتى تلك العقول الواعية المميزة قد تنساق لحافة الضحالة والمقدار  ..  وتدخل في إشكاليات غريبة من الاعتقادات البدائية ..  وأسباب تلك العثرة غير معروفة .. وقد تكون الأسباب جانباَ من إفرازات أرحام اليأس والقنوط .. ولكنها بالتأكيد ظاهرة تجيد التواجد والسريان .. وصاحب الأسرار كالغريق الذي يتشبث بقشة وهو يظن أن تلك القشة قد يشكل له طوق النجاة . والمضحك أن تلك القشة قد تتشبث به الآخرون الذين لا يجدون إلا ذلك السند الواهم .. وسوف نمتطي الخيال هنا حتى نرى شغف الناس للمعجزات .
            الرجل الصالح أعجبته هيئة شجرة في حديقة عامة .. فقطف من تلك الشجرة عدداَ من البذور وأخذها لداره .. وفي نفس الليلة قام بزرع تلك البذور في حديقة داره .. ثم توضأ لصلاة العشاء .. وعندما هم بالمغادرة للمسجد سكب باقي ماء الوضوء في حوض البذور .. ثم ذهب لأداء الصلاة في المسجد  .. وبعد الصلاة عاد لداره وتعشى ونام .. وفي الصباح كانت المفاجأة الكبيرة حين وجد أن تلك البذور قد نمت بصورة غير طبيعية وغير عادية .. وشكلت مقداراَ عالياَ فوق سطح الأرض  ..  فتعجب من الأمر .. ثم ذهب لأداء صلاة الصبح ولما عاد من الصلاة وجد أن الشجرة طالت وبلغت من الطول أكثر من ثلاثة أمتار .. فلم تصدق عيناه تلك الحقيقية ..  ووقف ينظر للشجرة وهو في حالة من الذهول والإرباك الشديد ..  ثم نادى زوجته لتحضر فوراَ وتشاهد تلك الشجرة العجيبة التي تنمو بمعدلات غير مسبوقة .. فحضرت الزوجة وشاهدت الشجرة ثم دخلت بدورها في ذهول عجيب .. وتعجبت كثيراَ لأن الشجرة فرضت نفسها في البيت لتكون شجرة عملاقة قبل أن تكمل يومها الثاني من زراعتها  ..  ثم راقبت الشجرة عن كثب ولاحظت أن الشجرة تمنوا وتطول بمنوال مكشوف تحت رؤية العين والبصر .. فنادت جاراتها وأخبرتهن بقصة تلك الشجرة العجيبة المتعجلة  .. وسرعان ما أنتشر الخبر في المنطقة المحيطة .. ثم بدأ الناس يتوافدون لمشاهدة الشجرة وهي تطول بمعدلات فريدة وعجيبة من نوعها .. واتسعت السيرة لتطال المناطق القريبة المجاورة وكذلك المناطق البعيدة  .. وبدأ الناس يتوافدون من أنحاء البلاد لمشاهدة معجزة الشجرة العجيبة .. وأصبحت المنطقة والشوارع والميادين حول البيت الذي به الشجرة مزاراَ يستقبل الآلاف من البشر .. وقد طالت الشجرة حتى بلغت عنان السماء .. وفي أيام قليلة أصبحت تلك الشجرة هي أطول شجرة في المنطقة وفي كل البلاد  .. حيث يراها الناس من المسافات البعيدة حيث القرى والمناطق المجاورة ..  وهنا تدخلت اجتهادات الناس في التكهنات وسميت تلك الشجرة بين الناس بشجرة  ( الرجل الصالح ) .. وبدأت الإشاعات تدور وتؤلف قصصاَ تتحدث عن كرامات الرجل صاحب الشجرة .. وهنالك الكثير من الافتراءات والأكاذيب التي بدأت تتحدث عن كرامات الرجل .. وأن الملائكة زارت بيت الرجل الصالح جهاراَ .. وهي التي مدته ببذور تلك الشجرة .. كما أن البعض أطلق الإشاعات بأن أوراق تلك الشجرة تعالج وتداوي أية أمراض مهما كانت مستعصية .. والبعض الآخر أطلق الإشاعات في ذات الرجل وأكد بأن ذلك الرجل صاحب الشجرة في يده الكثير من المعجزات التي تحقق الأحلام وتذهب الأسقام .. وتفك العقد وتمنع أعمال السحر والكيد .. بجانب أنه يستطيع أن يحل جميع هموم ومشاكل الناس مهما كانت مستحيلة ومستعصية  ..  وبالرغم من أن الرجل أنكر الاجتهادات وحاول كثيراَ أن يشرح للناس بأنه ليس بذلك القدر والشأن .. وأنه مجرد شخص عادي ولا يدري في نفسه أسرار تلك الشجرة  ..  إلا أن الناس رفضت أن تصدق أقواله وأصرت أن تضعه في قائمة القادر المسئول الذي يجب أن يعالج همومها وأمراضهما .. وتجمعت الآلاف من البشر أمام منزله وفي الشوارع والساحات المجاورة .. والكل يجتهد في الوصول إلى الرجل لكشف أعراضه وأسقامه وأسراره ..  ولكن الرجل أقسم بالله بأنه لن ينفرد بأية امرأة أجنبية دون أن يتواجد المحرم في المعية .. وجاءت الاحتجاجات بأن هنالك الآلاف من النساء والبنات اللاتي قدمن من مناطق بعيدة دون المحارم ..  فكان الاقتراح  لأي رجل أو امرأة أن يتقدم بأعراض مشكلته وأمراضه مكتوبة في ورقة وبأسماء مستعارة غير الأسماء السليمة .. وأن الرجل سوف يرد على تلك الأوراق كتابة وليس مواجهة .. فرضخت الناس لطلبه .. وفي ساعات قليلة كانت هنالك مئات الآلاف من الأوراق التي تحكي أسرار الناس وهمومها  .. تلك الأسرار التي تختزنها الناس في الصدور .. فيا عجباَ فللناس أسرار في طيها علامات تجلب العجب وتفوق عجائب تلك الشجرة .. فالناس تحن للمعجزات وتريدها أن تقع ..  وهي قد حكمت بصلاح الرجل رغم أنف الرجل .. ثم رمت من أكتافها تلك الأسرار طائعة بشغف وهي تحس بالراحة .. وكأنها ترى أن الرجل هو المخلص الذي يحمل الحلول السحرية للهموم والأسرار .. جلس الرجل يقرأ في هموم وأسرار الناس وتعجب من الأحوال .. فكم من حسناء تخاف أن يفوتها قطار الزواج .. وهي تحمل الهم ليلاَ ونهاراَ وتعيش كابوس أسرارها ..  ولا تبدي أسرارها تلك الناس بفروض الاستحياء ..  وترى في الرجل ذلك المنقذ الذي بيده  مفاتيح المعجزات .. وكم من أنفس فقدت الجوانب والأطراف من أجسادها وأصبحت في حكم العاهة المستديمة .. ومع ذلك هي تأمل في المعجزات التي تسترد تلك الأطراف !! .. وكم من كفيف يفقد النور بل يفقد الأعين في المحاجر ومع ذلك يريد الإبصار .. وكم من مريض يشتكي الأمراض الملازمة مثل السكري والضغط وتصلب المفاصل والشرايين بفعل الكبر والعمر .. ومع ذلك يريد العلاج الشافي الذي يذهب عنه الأسقام نهائياَ .. ويعيد له الصحة والشباب ..  وكم من مريض الأمراض الخبيثة المتمكنة ( وقانا الله وإياكم )  ثم يحكم الطب بأن الأمر ميئوس منه .. ومع ذلك يرى في الرجل ذلك القادر على تكذيب الطب والأطباء .. وكم من مشلول فالج يفقد الأمل في الحركة لسنوات وسنوات ثم يسمع بقصة الرجل فإذا به يمتطي فرس الآمال من جديد ..  وكم من بيت يحن لضحكة طفل أو طفلة ثم يركض العمر خلف ذلك الحلم .. وأخيراَ يظن الأمل والمعجزة في يد ذلك الرجل .. رغم أن الطب يصرح باستحالة الإنجاب لعلة مستفحلة في الزوج أو الزوجة ..  وكم من امرأة تشتكي محنة الحاسدات والحساد والكائدين والكائدات فهي تظن أن العالم من حولها متفرقة لأذيتها .. فترمي بأصابع الاتهام لفلانة وفلانة وفلان وعلان  .. وجل شأنها أن تقود حروب وهمية مع الآخرين ..  وكم من راكض خلف الثراء ثم يشتكي من ملازمة النحس له في المشوار .. وهو يريد من الرجل أن يطرد عنه ذلك النحس .. وكم من عاشق متيم توقف قلبه عند محطة غير متجاوبة فيريد من الرجل أن يفك عنه عقدة الانحصار .. وكم من امرأة تخاف من قلب زوجها أن يتحول عنها لأخرى ..  فتريد من الرجل الصالح  أن يعمي قلب زوجها !!.. وكم وكم في صدور الناس من الأسرار تلك التي تئن بها الأفئدة  !! ؟؟ .. ويا عجباَ من أحوال الناس   !! . 

 

ـــــــ
الكاتب السوداني / عمر عيسى محمد أحمد

OmerForWISDOMandWISE

هنا ينابيع الكلمات والحروف تجري كالزلال .. وفيه أرقى أنواع الأشجار التي ثمارها الدرر من المعاني والكلمات الجميلة !!! .. أيها القارئ الكريم مرورك يشرف وينير البستان كثيراَ .. فأبق معنا ولا تبخل علينا بالزيارة القادمة .. فنحن دوماَ في استقبالك بالترحاب والفرحة .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 79 مشاهدة
نشرت فى 7 يونيو 2014 بواسطة OmerForWISDOMandWISE

ساحة النقاش

OmerForWISDOMandWISE
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

586,860