وليد حوراني:

حين يصبح البيانو مسرحًا للجدّ والفكاهة

ندى أمين الاعور

 

هناك موسيقيون يعزفون البيانو، وهناك موسيقيون يجعلون البيانو يبدو كأنه يتحدث. وهناك قلة نادرة تجعل البيانو يبتسم. وليد حوراني واحد من هؤلاء. فوراء هذا الاسم مسيرة موسيقية طويلة بدأت من بيروت، مرّت بموسكو، وطافت بقاعات العالم، واستقرت في الولايات المتحدة؛ لكن وراء الجوائز التي حصل عليها والأسماء الكبرى التي درس على أيديها، هناك حكاية إنسانية أكثر دفئًا: حكاية رجل لم يسمح للنجاح بأن يسرق منه خفة الروح، ولا للتدريب الأكاديمي الصارم أن يقتل الطفل الفضولي الذي كان يلمس مفاتيح البيانو للمرة الأولى. والمفارقة أن الفكاهة عنده ليست مجرد ابتسامة عابرة أو تعليق لطيف بين مقطوعتين؛ إنها موجودة في اختياراته، وفي عناوين بعض أعماله، وفي طريقته في مخاطبة الجمهور، بل وفي الموسيقى نفسها. ولكي نفهم ذلك، علينا أن نعود إلى البداية.

كان رجا حوراني سكرتيرًا لرئيس الوزراء السوري فارس الخوري، ولذلك رافقه ضمن الوفد السوري إلى مؤتمر سان فرانسيسكو سنة 1945. بعد سنوات من مشاركته في تأسيس المنظمة، أصبح موظفًا في الأمم المتحدة. وفي عام 1951  اتهم بأنه متعاطف مع الشيوعية  فُفصل من وظيفته فلجأ إلى المحكمة الإدارية للأمم المتحدة (UN Administrative Tribunal) للطعن في قرارات فصل فربح الدعوى والغي قرار فصله.

ولد وليد في نيويورك سنة 1948، وهناك بدأت علاقته العميقة بالموسيقى. تنبه والده الى ان الطفل كان مفتونا بالغراموفون وينجذب إلى الموسيقى بشكل ملفت. كان الغراموفون في ذلك الزمن نافذة الطفل إلى عالم بعيد: موسيقى تُسمع في البيت، لكنها تأتي من أسطوانات تحمل أصوات عازفين ومؤلفين من أوروبا والعالم. ومن تلك النافذة بدأ يتكون عالم وليد الموسيقي. فبدأ دراسة البيانو وهو في الرابعة من عمره حيث تلقى دروسه على أيدي سونيا فيرتابيديان وزفارت ساركيسيان، وهما من الأسماء المرتبطة به.

وفي سن مبكرة بدأ يؤلف الموسيقى بنفسه. كانت مؤلفاته الأولى بسيطة بطبيعة الحال، لكنه كان يخلق موسيقاه الخاصة، ولا يكتفي بتكرار ما يسمعه. تفكيره في خلق موسيقى جديدة  كان مؤشرًا لشيء أعمق. وكان  والده، منتبهًا إلى ذلك فشجعه على الدراسة، وسمح لموهبته بأن تنمو، إلى أن جاءت الفرصة التي غيّرت حياة الطفل. ففي أوائل الستينيات، كان المؤلف الموسيقي السوفياتي الأرمني الشهير أرام خاتشاتوريان موجودًا في لبنان.  كان وليد في الثالثة عشرة تقريبًا عندما أتيحت له فرصة اللقاء به. وعندما جلس إلى البيانو أمام خاتشاتوريان، لم يكن مجرد طفل يحاول استعراض ما حفظه؛ فقد قدم أيضًا شيئًا من مؤلفاته التي كان قد كتبها بنفسه. كان ذلك اللقاء نقطة التحول.

أدرك خاتشاتوريان أن أمامه موهبة تستحق فرصة أكبر فشق لها الطريق كي تحصل على منحة مكنتها من الانتقال إلى موسكو. وهكذا خرج الطفل الذي كان يستمع إلى الموسيقى من الغراموفون إلى عالم الموسيقى السوفياتية.

في موسكو دخل وليد إلى واحدة من أقوى مدارس البيانو في العالم. درس في المدرسة الموسيقية المركزية، ثم التحق بكونسرفتوار تشايكوفسكي، حيث ارتبط بتقاليد مدرسة البيانو الروسية الكبرى، ودرس مع أساتذة كبار، من بينهم إميل غيليلس وياكوف زاك. ولم يستغرق الأمر طويلًا حتى بدأ اسمه يظهر في المنافسات الدولية.

ففي عام 1966 حصل على شهادة شرف في مسابقة تشايكوفسكي الدولية، وفي عام 1968، دخل مسابقة الملكة إليزابيث في بروكسل، إحدى أهم مسابقات العزف في العالم، وخرج منها ضمن قائمة الفائزين باللقب الرسمي Laureate..

في عام 1973 استقر حوراني في الولايات المتحدة. كان يمكن أن يكتفي بمسيرة العازف العالمي: حفلات، جولات، مسارح، جمهور، وتصفيق. لكنه لم يفعل ذلك بل عاد إلى دراسة التأليف  مع ويليام أولبرايت ليصبح هو نفسه يكتب الموسيقى لتظهرإحدى أكثر خصائصه إثارة للاهتمام: روح اللعب.

عالم الموسيقى الكلاسيكية معروف، في أذهان كثيرين، بالوجوه الجادة والملابس الرسمية وقاعات الصمت المقدس. لكن حوراني لم يحتج إلى هذه القواعد كي يبدو فنانًا كبيرًا. كان يستطيع أن يكون شديد التركيز عندما يجلس إلى البيانو، ثم يتحول بعد دقائق إلى شخص يمزح مع الجمهور ويكسر الحاجز بين المسرح والقاعة.

وهذا ليس أمرًا بسيطا فالعازف يقف عادةً في مكان مرتفع رمزيًا: الجمهور ينظر إليه، وهو يملك السيطرة على الصمت والصوت. أما وليد ،فينزل من تلك المنصة ويقول للجمهور: فلنضحك معًا. هنا نصل إلى العمل الذي يكشف هذا الجانب من شخصيته بأوضح صورة:

Animal Rags

الاسم وحده يحمل ابتسامة. الحيوانات تدخل إلى عالم الراغتايم. وفجأة يصبح البيانو وكأنه حديقة حيوانات موسيقية. لا نحتاج إلى أن نتخيل حيوانًا محددًا في كل لحظة؛ الأهم هو الإحساس بالحركة والرشاقة والمشاكسات والإيقاعات المتداخلة. وهنا تظهر عبقرية الفكرة.

الراغتايم موسيقى فيها شيء يشبه المشي المتعثر الجميل. اليد اليسرى تؤسس نبضًا منتظمًا، بينما تتحرك اليد اليمنى بإيقاع أكثر حيوية وتقطيعًا. هناك انتظام وفوضى في الوقت نفسه. وهذا هو سر الكوميديا. تخيل شخصًا يمشي بانتظام شديد، لكنه في الوقت نفسه يحرك كتفيه بطريقة مبالغ فيها. أو حيوانًا يحاول أن يبدو وقورًا، ثم يفاجئك بقفزة. هذا التناقض بين النظام والانفلات هو أحد الأشياء التي تجعل الراغتايم مادة مثالية للموسيقى المرحة. وحوراني يعرف هذه اللغة جيدًا. لذلك، عندما يستمع المرء إلى Animal Rags، يمكنه أن يتخيل أن البيانو لا يعزف فقط؛ بل يتحرك، ويركض، ويتوقف، ويعود، ويتشاجر، وربما يتعثر قليلًا ثم يكمل وكأن شيئًا لم يحدث. وراء المرح توجد كتابة موسيقية حقيقية تتطلب من العازف دقة كبيرة في الإيقاع، وسيطرة على استقلال اليدين، وحسًا قويًا بالزمن والتعبير.

الفكاهة الموسيقية ليست أن يضع المؤلف أصواتًا مضحكة في العمل. إنها أن يجعل المستمع يشعر بالمفارقة. أن يخلق حركة نتوقع منها شيئًا ثم يفاجئنا بشيء آخر. أن يضع إيقاعًا منتظمًا ثم يجعل اللحن فوقه يبدو كأنه يرقص بطريقة مشاغبة. أن يحول التقنية إلى لعبة. وهذا بالضبط ما يجعل Animal Rags عملًا مهمًا في فهم شخصية حوراني.

فهو لا يقول لنا: انظروا، أنا مضحك. بل يترك الموسيقى نفسها تقول ذلك.

 نرى  بوضوح من خلال Lebanese Rhapsody التي عكست لبنان كما يتذكره وليد حوراني، لا لبنان كما هو مكتوب في كتب الفولكلور ما عايشه هذا الفنان في وطنه.  فهو لم يأخذ لحنًا لبنانيًا واحدًا ويضع له مصاحبة بيانو، وإنما يأخذ مجموعة كاملة من الذاكرة السمعية اللبنانية ويضعها في عمل واحد مقسوم إلى قسمين رئيسيين: مقدمة ثم رقصة.

 يبدأ العمل بمقدمة ذات طابع حالم وتأملي. كأن المستمع يستعيد شيئًا بعيدًا من الذاكرة. ثم تتحول الموسيقى تدريجيًا إلى رقصة، ويصبح الإيقاع أكثر نشاطًا، وتبدأ الألحان التي يعرفها المستمع اللبناني بالظهور والتداخل والتحول.  فهو لا يحاول أن يجعل البيانو يبدو كأنه عود أو بزق أو ناي. بالعكس، هو يُبقي البيانو آلة غربية تمامًا ويضع الذاكرة اللبنانية داخل تقنياته. ولا شك بأن نهاية العمل تنقلنا من الماضي إلى الحاضر الذي يشهد حربا اهلية مروعة. فالانفجار الذي برع وليد في تصويره حيث استخدم مجموعات من النغمات التي تُعزف براحة اليد أو الساعد،  اتى كاستعراض هزلي للبراعة.

ابعاد الاحساس المرهف النادر  الذي يتمتع به وليد كما رأيته  يضاهي شغفه  بالغراموفون عندما كان طفلا يحبو. فهو صديق قديم منذ عام 1992 منذ ان التقيته في شهر كانون الثاني في ذلك العام  في بيروت. كنت حينها اقوم بتسجيل مذكرات والده الذي جمعتني به علاقة وطيدة وحدث ان جاء وليد من اميركا لتمضية فترة اعياد الميلاد ورأس السنة مع العائلة.

عند رؤيته لشقيقي فرج مرتديا كنزة صوفية ابتدأ بالتعرق وشعر بحرارة جسدية لم تأتي من الطقس بل من مشهد عادي. فابتدأ المزاح مع "بيوض كزيباتو" كما سمى نفسه بعد كتابة  حروف اسمه بالروسية ليبتكر اللقب المضحك الذي الف له مقطع شعري يردده دائما "انا بيوض كزيباتو .... شو ما عندكن هاتوا".

Bottom of Form

اليوم، بعد عقود طويلة من المسيرة، لم تعد قيمة وليد حوراني مرتبطة فقط بالمسابقات التي فاز بها أو بالأسماء الكبيرة التي درس معها. الأهم أنه أصبح صاحب مدرسة خاصة به. فقد تجد مؤلفًا موهوبًا. وقد تجد موسيقيًا مرحًا. لكن أن تجد شخصًا يجمع هذه الأشياء كلها، وأن يستطيع أن ينتقل من قاعة موسيقية رسمية إلى لحظة ضحك من دون أن يفقد هيبته الفنية، فهذه مسألة أخرى.

في النهاية، ربما لا تكمن فرادة وليد حوراني في أنه عزف البيانو ببراعة فقط.

ولا في أنه وصل إلى مسابقات العالم. ولا حتى في أنه كتب موسيقى تجمع بين الكلاسيكي والراغتايم والجاز. فرادته تكمن في شيء أكثر إنسانية:

أنه لم يسمح للموسيقى أن تصبح ثقيلة عليه.درسها بصرامة، نعم.احترمها، بالتأكيد.

لكنّه لعب معها أيضًا.ومن هنا يمكن أن نفهم Animal Rags.  كصورة مصغرة عن صاحبها:

إيقاع منضبط، عقل موسيقي دقيق، خيال واسع، وروح تحب أن تمازح القواعد دون أن تكسرها.

فبعض العازفين يجعلنا نصفق وبعضهم يجعلنا نفكر وبعضهم يجعلنا نحزن أو نحلم.

أما وليد حوراني، ففي أجمل لحظاته، يستطيع أن يفعل شيئًا أصعب:

يجعل الموسيقى تفكر... وتضحك في الوقت نفسه.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 1 مشاهدة
نشرت فى 25 أغسطس 2026 بواسطة Nadamine

ند ى أمين الاعور

Nadamine
Nada Amine Awar Mosaitbeh, Donnawi Street, Azar Bldg., 7th Floor Beirut, Lebanon Phone: +961 76715513 Email: [email protected] Name Nada Amine Awar Birth date 4- 1- 1957 Sex Female Marital status Single Nationality Lebanese EDUCATION October, 2018 Udemy, Michael Dale instructor, online course, Laughter Yoga, Completion Certificate. September, 2018 Udemy, Marco »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

222,699