تضمن الاسلام طائفة من الإرشادات المتصلة بحياة المسلمين الخاصة . قصد بها تنظيم شؤونهم البدنية والنفسية, ووضعها على أساس كريم ,
وهي آداب تتعلق بالملبس والمسكن والمشرب , لا يجنح بها إلى الرهبانية المغرقة ولا إلى المادية الجشعة , فهي تقوم على التوسط والاعتدال ومن ثم فتنفيذها سهل قريب .
إن الإسلام يقرن بين مطالب الجسم والنفس في تعاليمه , ويكف طغيان أحدهما على الآخر , ويرى في تنسيق حاجاتهما عوناً للمرء على أداء
رسالته في هذه الحياة ومابعدها . والفلسفات التي تنبت في الأرض والتي اصطنعها الناس ليحيوا في نطاقها
عندما غابت عنهم هدايات السماء , قلما نجحت في التوفيق بين ضرورات البدن وأشواق الروح , وبين الآخرة التي سنصير إليها ورعاية الدنيا التي
بدأنا المسير منها ...
فبعضها رأى أن الروح لآبد لها أن تفلت من قيود الجسم . وبعضهم أطلق العنان للملذات ودار في حدودها,
أما الإسلام فلن تجد فيه الرهبانية التي يضيق الناس بها زرعاً ولن تجد فيه الحيوانية القائمة على عبث الشهوات ومطاوعة الأهوآء .
ولقد جمع النبي صلــــــــــ الله عليه وسلم ــى بين العفة والغنى في عدة أحاديث
منها قوله صلــــــــــ الله عليه وسلم ــى :"ومن يستعفف يعفه الله , ومن يستغن يغنه الله ومن يصبر يصبره الله ..."
أيضاً قوله عليه السلام " أهل الجنة ثلاث : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم , وعفيف متعفف ذو عيال"
وقوله صلــــــــــ الله عليه وسلم ــى " من طلب المال استغناءً عن الناس واستعفافاً عن المسألة لقي الله ووجهه كالقمر
ليلة البدر " . وقال تعالى في حق الفقراء { للفقرآء الذين أحُصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض
يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم بيسمآهم لا يسئلون الناس إلحافًا وماتنفقوا من خيرٍ فإن الله به عليم }
والعفة كما تكون في الأهواء الشخصية , تكون كذلك في الماديات فيأمرنا الله بالإنفاق بعيداً عن الهوى والرياء ,
وإنما ابتغاء وجه الله وخاصة إعطاء المسألة لمن لا يسألها ,
يقول الله تعالى {يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم بيسمآهم لا يسئلون الناس إلحافًا وماتنفقوا من خيرٍ فإن الله به عليم }
فهذه صورة عفة كريمة لطائفة من المؤمنين صورة تستجيش المشاعر وتحرك القلوب لإدراك نفوس أبية
تأبى المسألة من دون الله . وهذا هو مايصنعه الإسلام بنظامه المتكامل النظيف العفيف الذي يصل الأرض بالسماء
ويرفع البشرية إلى الأفق المشرق الوضئ المستمد من نور الله . هذا هو التعفف وقد رباه الإسلام في نفوس أهله فإذا بأحدهم
يتحرج أن يسأل وله أقل مايكفيه في حياته .
( دآريـن الرفيعي )

