يرى البعض ان الاخلاق غير قابله للتغير لان الطباع لاتتغير واستدل على هذا بأمرين: الامر الاول: ان الخلق صورة الباطن كما ان الخلق هو صورة الظاهر فالخلقة الظاهره لايقدر على تغيرها. فالقصير لايقدر ان يجعل نفسه طويلا, ولا الطويل يقدر ان يجعل نفسه قصيرا, ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى. الامر الثاني: انهم قالوا: حسن الخلق يقمع الشهوة والغضب وقد جرب ذلك بطول المجاهدة وعرفنا ان ذلك من مقتضى المزاج والطبع فالاشتغال بذلك تضيع للزمان بغير فائدة. وهذا الرأي ظاهر البطلان بدليل اننا اذا تأملنا حقيقة الخلق في الفكر الاسلامي فاننا نلاحظ ان الاخلاق في نظر الاسلام ليست مجرد الفاظ او شعارات تردد بل هي على العكس من ذلك سجية او عادة او اتجاه راسخ في النفس تتعاون في تكوينه عوامل وراثية تتمثل في الذكاء او المزاج و الغرائز وما الى ذلك. وعوامل بيئيه تتمثل في التربيه والتعليم والتدريب والتوجيه. فالخلق قابل للتعديل والتغيير والتطوير عن طريق التربيه والمران والرياضه النفسيه والمجاهده. ولانعني بذلك ان جميع الاخلاق قابله للتغيير. بل هناك من الاخلاق ما هو ثابت لايقبل التغيير والتطوير في جوهره الأصلي. فهو ثابت مطلق لايتقيد بزمان ولا مكان. فالحكمه والشجاعه والعفه والصدق وما الى ذلك من الفضائل هي في جوهرها الأصلي قيم انسانية عامه يقتضيها الوجود الأنساني في كل زمان ومكان. لكن هذا الثبات لاينافي ان الافراد يختلفون في طرق استجابتهم لهذه القواعد والقيم وفي درجة تمسكهم بها. وحسب الظروف الاجتماعيه التي قد تطرأ على بعض العصور كمثل التخلي عن الصدق شيئا اذا كان به ضرر بمصلحة الامه وامنها وهذا التغيير ليس امرا يسيرا بل هو صعب نسبيا لانه من الصعب على النفس ان تتخلى عن عاداتها واتجاهاتها الراسخه. وقد أيد هذا الراي معظم علماء الاخلاق من امثال الامام الغزالي – حجة الاسلام- حيث قد تصدى بالرد على من يقول بعدم تغيير الاخلاق وقال:( لو كانت الاخلاق لاتقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)حسنوا اخلاقكم) وكيف نكر هذا في حق الادمي وتغيير الخلق ممكن في الحيوان اذ ممكن ان ينتقل الحيوان المتوحش الى مستأنس والفرس من الجماح الى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للاخلاق فكذلك الغضب والشهوة لو اردنا قمعها وقهرها بالكلية حتى لايبقى لهما اثر لم نقدر عليه اصلا ولو اردنا سلاستهما وقودهما بالرياضه والمجاهده قدرنا عليه. وفي حقيقة الامر نقول انه لاينكر امكانية تعديل الخلق الا مكابر ومعاند ومنكر للشاهد الملاحظ فالحياه من حولنا تؤكد هذه الحقيقه فنرى الطفل يتغير كل يوم من حال الى حال,وكذلك الانسان عامة في جميع اطواره قد يكون اليوم في حال ويصبح غدا في حال اخر, وكذلك لو لم يكن هذا الامر ممكنا لما ارسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين , ولما كان هناك جدوى من النصائح والمواعظ والتأديب, وحاش لله ان يأمر بشئ مستحيل وان يكلف الانسان مالا يطيق. فالشرع وحده هو الذي له السلطة التشريعيه في حياتنا والقران ذاته يؤكد لنا هذه الحقيقة في كثير من اياته قال تعالى:(ان الحكم الا لله) (يوسف:67) ,(ألا له الحكم) ,(لا معقب لحكمه). فالمسلم يستضئ بنور عقله ويسترجد به وفق منهج الله حيث ان الحاكمية المطلقه لاتكون الا لذلك المصدر المعصوم الذي لايعتريه الزيغ والباطل وهو معيار الشرع والوحي.
ابرار سعود الحاسري .. sp

