الثورات العربية بين الإحتواء والترويض بقلم: د . محمد ناصرتاريخ النشر : 2012-02-12اعتبرت صحيفة «الغارديان» البريطانية الثورات العربية المتصاعدة تشكل تهديدا فعلياً للنظام الإستراتيجي العالمي، مؤكدة ان الغرب لا يكل ولا يمل أبداً في سعيه للسيطرة على الشرق الأوسط، مهما كانت العقبات، ومعيدة الى الذاكرة سنوات الاستعمار الغربي للبلدان العربية بعد تقسيمها.
وأكدت إن أميركا وحلفاءها يحاولون ترويض الاسلاميين الصاعدين الى حكم الدول العربية على السياسة الأجنبية والاقتصادية، بدلاً من تفسيرات الشريعة. 
وقالت ان الاحزاب الاسلامية التي ستخضع لذلك سوف يتم اعتبارها «معتدلة» أما الباقي فسيظل من «المتعصبين».
وطالبت الصحيفة الدول العربية التي انطلقت فيها الثورات، إن أرادت أن تتحكم في مستقبلها، فعليها مراقبة ماضيها القريب وسنوات الاستعمار الغربي لبلدانها.
وقالت في تقرير تاريخي موسع ان هذه الثورات التي اشتعلت شرارتها الأولى في تونس العام الماضي ركزت على الفساد والفقر وانعدام الحريات، وليس على الهيمنة الغربية أو الاحتلال الإسرائيلي.
وأكدت في تقرير كتبه « شايماس ميلن» بالاستعانة بالارشيف البريطاني «باثي نيوز» على ان «حقيقة انطلاقة هذه الثورات ضد الديكتاتوريات المدعومة من الغرب تعني أنَّهم شكلوا تهديداً فعلياً للنظام الإستراتيجي».
وتوصل التقرير المدعم بالافلام والصور الارشيفية للاحداث التاريخية التي مرت على البلدان العربية ومقارنتها بالربيع العربي، الى سبعة دروس تربط علاقة الغرب بالعرب والجهود الاستعمارية المتكررة للسيطرة على الشرق الأوسط.
وقال «هناك شعور حقيقي في الشرق الأوسط أكثر من أي بقعة أخرى من العالم الاستعماري سابقاً بأنَّ الشرق الأوسط لم يحصل على استقلاله بالكامل، وبسبب تربعه على عرش مخزون البترول الأكبر في العالم، تم استهداف العالم العربي بتدخلات وغزو مستمرين، حتى بعد حصوله رسمياً على الاستقلال».
وبعد تقسيمه إلى دول صورية بعد الحرب العالمية الأولى، تم قصف واحتلال أجزاء منه بواسطة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا كما تم محاصرته بالقواعد الأميركية وأنظمة استبدادية مدعومة من الغرب.
واشار الى انه ومنذ يوم سقوط حسني مبارك في مصر، ظهر اتجاه مضاد متعنت بقيادة القوى الغربية وحلفائها في الخليج لرشوة أو تحطيم أو السيطرة على الثورات العربية. «ولديهم معين من الخبرة المتأصلة يمكّنهم من استنتاج أنَّ كل مركز للثورات العربية، من مصر إلى اليمن، عاش عقوداً تحت الهيمنة الاستعمارية. وكل دول حلف الناتو الأساسية التي قامت بضرب ليبيا، ومنها على سبيل المثال – الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا- كانت لديهم قوات تحتل المنطقة ومازالت ذكراها حية في الأذهان».
وسرد الكاتب سبعة دروس من تاريخ التدخل الغربي في الشرق الأوسط، بالاستعانة بأرشيف «باثي نيوز»، «صوت بريطانيا العظمى التي لا عهد لها أبان الحقبة الاستعمارية».
وتوصل الى ان الغرب لا يكل ولا يمل أبداً في سعيه للسيطرة على الشرق الأوسط، مهما كانت العقبات.
وذكّر بالمحاولة الأخيرة التي سعت فيها الدول العربية إلى الخروج من المدار الغربي – في الخمسينيات من القرن الماضي، تحت تأثير الوحدة العربية التي أطلقها جمال عبد الناصر، في يوليو(تموز) عام 1958، حيث أطاح بعدها ضباط جيش عراقيون قوميون متشددون بنظام وصفه بـ «الفاسد والقمعي والمدعوم من الغرب (هل يبدو ذلك مألوفاً؟)، ومحميّ من قِبل القوات البريطانية».
وأصاب طرد الملكية العراقية، النظام المهادن الموثوق به، «باثي» بالفزع. فأطلقت صيحة تحذير في أول تقرير إخباري لها تعليقاً على الأحداث بأن العراق الغنية بالبترول أصبحت «منطقة الخطر الأولى»، بالرغم من «وطنية» الملك فيصل -»وهو الذي تلقى تعليمه في مدرسة هارو»- والتي «لا يُختلف عليها»، يؤكد التعليق الصوتي لنا أنَّ – الأحداث تحركت بسرعة شديدة، «لسوء حظ السياسة الغربية».
ولكن في غضون أيام قليلة- مقارنةً بالشهرين اللذين استغرقهما تدخلهم في ليبيا هذا العام- حركت بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية آلاف القوات إلى الأردن ولبنان لحماية اثنين من الأنظمة العميلة لهم من الثورة الناصرية. أو، كما تقول «باثي نيوز» في تقرير لها، لغرض» إيقاف سريان الفساد في الشرق الأوسط».
ولم يكن لديهم نية مطلقاً لترك العراق الثورية لأجهزتها الخاصة. وبعد أقل من خمس سنوات: في فبراير (شباط) عام 1963، دعمت المخابرات البريطانية والأميركية الانقلاب الدموي والذي جلب في البداية بعثيي صدام حسين للسلطة.
وبالتقدم سريعاً لعام 2003، نجد أن بريطانيا وأميركا استطاعتا غزو واحتلال الدولة بالكامل.
وأخيراً عادت العراق تحت سيطرة غربية كاملة – على حساب دم شعب تمت إراقته بوحشية ودمار.
وقال «إنَّ قوة المقاومة العراقية هي التي أدت إلى رحيل القوات الأميركية – ولكن حتى بعد الانسحاب، سوف يظل 16000 مقاول ومدرب وآخرين تحت أمر الولايات المتحدة. ففي العراق، كما في باقي المنطقة، لا يرحلون إلا إذا أرغموا على ذلك».
ووصف التقرير القوى الاستعمارية عادةً ما تخدع أنفسها بشأن حقيقة ما يفكر به العرب.
وتساءل «هل من الممكن أن يكون مقدم باثي نيوز – والمحتلون الاستعماريون اليوم – قد صدقوا بالفعل أنَّ آلاف العرب عندما أمطروا الثناء المرعب على الديكتاتور الفاشي موسولينى عندما قام بجولة في شوارع طرابلس في المستعمرة الإيطالية بليبيا في عام 1937 كانوا بالفعل يعنون ذلك؟ قد لا تظن ذلك عندما تنظر إلى وجوههم الخائفة». وارفق التقرير صورة ارشيفية وفيلماً لزيارة موسوليني الى ليبيا تظهر صفوف من الليبيين يرحبون به.
وأشار الى انه لا توجد أدنى إشارة في الفيلم الإخباري إلى أنَّ ثلث سكان ليبيا قد ماتوا تحت وطأة الحكم الإيطالي الاستعماري الوحشي، ولا عن حركة المقاومة الليبية البطولية التي قادها عمر المختار، والذي شُنق في معسكر اعتقال إيطالي. ولكن بعد ذلك يصف التعليق الصوتي، أو «القناع الاستعماري»، موسولينى بأنَّه كالساسة البريطانيين في ذلك الوقت.
وبالفعل كان غير مسبوق حيث إنَّه بعد ما يقرب من قرن أجبرت حركات التحرير اليمنية الجنوبية القوات البريطانية على إخلاء آخر موقع من الإمبراطورية بعد ما تعرضوا للضرب والتعذيب والقتل في طريقهم عبر منطقة فوهة عدن. ويشرح جندي مشاه سابق في وثائق «بي بي سي» 2004 عن عدن أنَّه لا يمكنه الخوض في التفاصيل بسبب خطورة ادعاءات جرائم الحرب.
وتوقع اليمينيون المتطرفون أمراً سهلاً في العراق، ورأينا في التغطية الأميركية والبريطانية للغزو في البداية أنه كان لا يزال هناك عراقيون يلقون الورود على قوات الغزو عندما كانت المعارضة المسلحة تتدفق بالكامل بالفعل.
وأورد التليفزيون البريطاني أنَّ القوات البريطانية «تحمي الشعب المحلي» من طالبان في أفغانستان، والذي يمكن أن يكون مذكراً على نحو مذهل بالأفلام التسجيلية من الخمسينيات من عدن والسويس.
وحتى خلال الثورتين المصرية والليبية هذا العام، رأى الإعلام الغربي ما يود أن يراه في الغالب في الحشود سواء في ميدان التحرير أو بنغازي – حتى أخذته الدهشة، عندما انتهى الأمر بوصول الإسلاميين إلى السلطة أو الفوز بالانتخابات.
وتوقع الكاتب أياً كان ما سيحدث لاحقاً، فإنهم «الاسلاميون» لا يبدو أنهم سيحصلون عليها.
وفي استنتاجه الاخر كتب «شايماس ميلن» ان القوى العظمى هي أيادٍ خبيرة في تجميل الأنظمة العميلة لإبقاء تدفق البترول.
وسلط فيلم من الارشيف البريطاني الضوء على حقول البترول في البصرة عام 1952 التي كانت تحت مراقبة السفراء الأميركيين والبريطانيين و«السيد جيبسون» لشركة الوقود البريطانية العراقية، حيث يُمكننا أن نرى – حسب محرر الغارديان – رئيس الوزراء العراقي، نوري السعيد، يفتتح حقل بترول «الزبير» بالقرب من البصرة في عام 1952 لبناء «المدارس والمستشفيات» من خلال «عمل مشترك بين الشرق والغرب».
ويكتب «في الواقع سوف يحدث ذلك فقط عندما يتم تأميم البترول – وبعد ذلك بست سنوات تم اغتيال السعيد في شوارع بغداد عندما حاول الهروب مرتدياً زى امرأة. وبعد مرور نصف قرن عاد البريطانيون للسيطرة على البصرة، وبينما يحارب العراقيون اليوم لمنع الاستيلاء على آبار بترول بلدهم المشتتة، يُصر الساسة الأميركيون والبريطانيون مرة أخرى على الديمقراطية».
وطالبت صحيفة «الغارديان» في تقريرها المتوقع ان يثير جدلا، شعوب الشرق الأوسط الا تنسى تاريخها – حتى لو نسيت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ذلك.
وتوصل التقرير الصحفي الى ان الغرب يقدم دائماً العرب الذين يصرون على إدارة شئونهم الخاصة كمتعصبين.
وقال «لم تكن الثورة التي بدأت في ديسمبر (كانون الاول) الماضي في سيدي بوزيد أول ثورة شعبية تقوم ضد الحكم التعسفي في تونس. ففي الخمسينيات أدانت الحكومات الاستعمارية وداعموها بطبيعة الحال الحركة المناهضة للحكم الاستعماري الفرنسي بوصفها حركة متطرفة وإرهابية».
واوضح ان نجم القومية العربية قد خف منذ نشأت الحركات الإسلامية، والتي تم إقصاؤها بوصفها حركة «متعصبين»، وذلك من جانب الغرب وبعض القوميين السابقين. ولأنَّ الانتخابات تأتي بحزب إسلامي تلو الآخر في العالم العربي، فإنَّ أميركا وحلفاءها يحاولون ترويضهم – على السياسة الأجنبية والاقتصادية، بدلاً من تفسيرات الشريعة. والذين يخضعون لذلك سوف يتم اعتبارهم «معتدلين» – أما الباقي فسيظل من «المتعصبين».
وتوقع تقرير الصحيفة البريطانية ان يأتي التدخل العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط بالموت والدمار والتقسيم.
وقال «ليست هناك حاجة للبحث في السجلات التاريخية لاستنتاج تلك الحقيقة. فتجربة العقد الأخير واضحة بشكل كافٍ، وسواءً كان ذلك غزواً واحتلالاً بشكل كامل مثل العراق، حيث تم قتل مئات الآلاف، أو قصفاً جوياً لتغيير النظام تحت شعار»حماية المدنيين» في ليبيا، حيث تم قتل عشرات الآلاف، فقد كانت الخسائر البشرية والمادية كارثية».
واضاف «كان هذا هو الحال طوال التاريخ المشئوم للتدخل الغربي في الشرق الأوسط. ويمكن لفيلم (باثي) الصامت لتخريب دمشق على يد القوات الاستعمارية الفرنسية خلال الثورة السورية عام 1925 أن يقدم صورة شبيهة للفلوجة في عام 2004 أو سرت في هذا الخريف – وذلك بغض النظر عن الطرابيش والخوذات».
ويقول التقرير «الآن تعمل التقسيمات الطائفية والعرقية التي فُرضت تحت الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق والتي تم حشدها بواسطة حلفاء الغرب في الخليج للتخلص من تحديات الصحوة العربية أو تحويل مسارها: ومثلما حدث في قمع الثورة البحرينية، وعزل اضطرابات الشيعة في المملكة العربية السعودية وزيادة الصراع الطائفي في سوريا – لن يؤدي التدخل الأجنبي إلا إلى رفع نسبة القتل ومنع السوريين من حق السيادة في وطنهم».
واختتم تقرير صحيفة «الغارديان» نتائجه بالقول ان «الرعاية الغربية للاستعمار في فلسطين هي عقبة دائمة في وجه العلاقات الطبيعية مع العالم العربي».
وقال «كان يُمكن ألا يتم إنشاء دولة إسرائيل لولا الحكم الاستعماري لبريطانيا الذي دام ثلاثين عاماً في فلسطين ورعايتها للاستعمار الأوروبي اليهودي على نطاق واسع تحت شعار وعد بلفور عام 1917، وكان من الواضح أن فلسطين المستقلة ذات الأغلبية الفلسطينية العربية لم تكن لتقبل بهذا أبداً».
وكان رد الفعل الاستعماري لبريطانيا، في فلسطين وفي أماكن أخرى، هو دائماً الظهور باعتبارها «راعية القانون والنظام» ضد «تهديد الثورة» و»سيدة الموقف» – كما يبدو في هذا الفيلم الإخباري المضلل عام 1938 من القدس.
ويصل الى ان الصلة الأساسية السابقة بين القوة الاستعمارية الغربية والمشروع الصهيوني أصبحت تحالفاً إستراتيجياً دائماً بعد تأسيس إسرائيل- من خلال إجلاء ونزع الملكية من الفلسطينيين وعدة حروب و44 عاماً من الاحتلال العسكري واستعمار غير قانوني مستمر للضفة الغربية وغزة.
ويقول «تعد الطبيعة غير المشروطة لهذا التحالف، والتي تظل محور سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، هي أحد الأسباب التي تفسر احتمال رفض الحكومات العربية المنتخبة ديمقراطياً أن تلعب دور الضحية للقوة الأميركية والذي كانت تلعبه حكومة مبارك وأنظمة الخليج الديكتاتورية».
وينتهي تقرير الصحيفة البريطانية الى القول «أن القضية الفلسطينية متأصلة في الثقافة السياسية العربية والإسلامية. ومثل بريطانيا قبلها، يُمكن أن تكافح الولايات المتحدة الأميركية لتظل (سيدة الموقف) في الشرق الأوسط».http://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/251114.html

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 183 مشاهدة
نشرت فى 13 فبراير 2012 بواسطة MOMNASSER

ساحة النقاش

د .محمد ناصر.

MOMNASSER
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

257,247